حياتنا

PISA 2025: حين تكشف الأرقام عمق الفوارق بين التلاميذ المغاربة


لم تعد نتائج اختبارات PISA 2025 مجرد أرقام تقارن مستوى التلاميذ المغاربة بنظرائهم في العالم، بل أصبحت، عند قراءة تفاصيلها، أشبه بمرآة تكشف الفوارق الاجتماعية والتربوية والرقمية التي ما تزال ترسم مسارات متفاوتة داخل المدرسة المغربية. فخلف المتوسط الوطني، توجد قصص مختلفة للتلاميذ، تتأثر بما يتوفرون عليه في أسرهم، وبانتظامهم في الدراسة، وبمسارهم المدرسي، وبالوسط الاجتماعي الذي ينتمون إليه.



وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأن تحليل المعطيات التفصيلية شمل 6,978 تلميذاً مغربياً شاركوا في التقييم، بما يسمح بتجاوز الأرقام الإجمالية والنظر في العوامل المرتبطة بالفوارق في الأداء.

فوارق تبدأ من البيت قبل أن تصل إلى المدرسة

تكشف المعطيات أن الظروف التي تحيط بالتلميذ خارج المؤسسة التعليمية تظل ذات صلة واضحة بمستوى أدائه. فحوالي 54.1 في المائة من التلاميذ صرحوا بعدم توفرهم على حاسوب أو حاسوب محمول أو لوحة إلكترونية يمكن استخدامها في العمل المدرسي، فيما لا يتوفر نحو 29.2 في المائة على اتصال بالإنترنت أو شبكة «واي فاي» في المنزل، باستثناء الهاتف الذكي.

ولا تتوقف الفجوة عند الوسائل الرقمية، بل تمتد إلى الموارد الثقافية. إذ يعيش حوالي 57.9 في المائة من التلاميذ في أسر لا تضم سوى صفر إلى عشرة كتب، بينما صرح 16.2 في المائة منهم بعدم وجود أي كتاب في المنزل.

وتبدو العلاقة بين هذه الموارد والتحصيل لافتة؛ ففي العلوم، يسجل التلاميذ الذين يتوفرون على حاسوب فارقاً متوسطه 26.3 نقطة مقارنة بمن لا يتوفرون عليه. أما الفارق المرتبط بعدد الكتب، فيبلغ نحو 51.9 نقطة بين من لديهم 26 إلى 100 كتاب في المنزل ومن لا يملكون أي كتاب.

وهنا لا يتعلق الأمر بالكتاب باعتباره مجرد أداة مدرسية، بل بما يمثله من بيئة ثقافية محفزة على القراءة والتعلم والفضول المعرفي. فالمدرسة قد تفتح باب المعرفة، لكن قدرة التلميذ على مواصلة التعلم خارجها تظل مرتبطة أيضاً بما توفره الأسرة من موارد ومحيط ثقافي.

الغياب عن المدرسة... فجوة أخرى في طريق التعلم

من بين أكثر المؤشرات إثارة للانتباه في المعطيات الجديدة ارتفاع مستويات الغياب والتأخر. فقد صرح 36.2 في المائة من التلاميذ بأنهم تغيبوا عن يوم دراسي كامل على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، بينما غاب 61.5 في المائة عن حصة واحدة على الأقل، ووصل 59.4 في المائة متأخرين مرة واحدة على الأقل. وهي نسب تتجاوز، بحسب المعطيات المنشورة، متوسطات دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في المؤشرات الثلاثة.

والأهم أن الغياب لا يبدو مجرد سلوك منفصل عن التحصيل؛ إذ يرتبط التغيب عن يوم دراسي كامل بانخفاض قدره 12.6 نقطة في متوسط أداء التلاميذ في العلوم.

وهذا يضع ظاهرة الغياب في قلب النقاش حول جودة التعليم، ليس باعتبارها مسألة انضباط فقط، وإنما باعتبارها أيضاً مؤشراً على علاقة التلميذ بالمؤسسة التعليمية، وعلى قدرته على الاستمرار في مسار تعلم منتظم.

حين يتحول الوضع الاجتماعي إلى عامل في المسار الدراسي

تؤكد نتائج PISA مرة أخرى أن المدرسة لا تعمل دائماً بمعزل عن المجتمع. فالتلاميذ المنتمون إلى الربع الأعلى من حيث الوضع الاجتماعي والاقتصادي حققوا، في المتوسط، 55 نقطة إضافية في العلوم مقارنة بالتلاميذ المنتمين إلى الربع الأدنى.

ويفسر الوضع الاجتماعي والاقتصادي حوالي 9 في المائة من التباين في الأداء العلمي. غير أن هذه المعطيات لا تعني أن الفقر أو الهشاشة يحكمان بصورة نهائية على مستقبل التلميذ؛ فحوالي 16 في المائة من التلاميذ الأقل حظاً اجتماعياً واقتصادياً تمكنوا رغم ذلك من الوصول إلى الربع الأعلى وطنياً في الأداء العلمي.

وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها: الوضع الاجتماعي قد يضيق هامش الفرص، لكنه لا يلغي إمكانية النجاح. وهو ما يجعل وظيفة المدرسة أكثر أهمية، باعتبارها إحدى المؤسسات القادرة على الحد من أثر الفوارق الاجتماعية وتحويل تكافؤ الفرص من مبدأ نظري إلى ممارسة فعلية.

أكثر من تلميذ من كل ثلاثة سبق له أن أعاد سنة دراسية

يظهر redoublement، أو إعادة السنة الدراسية، بدوره كأحد المؤشرات القوية المرتبطة بالأداء. فقد صرح 35.1 في المائة من التلاميذ المغاربة بأنهم سبق أن أعادوا سنة دراسية خلال مسارهم التعليمي.

وفي العلوم، يصل الفارق في المتوسط إلى 51.3 نقطة بين من سبق لهم إعادة سنة دراسية ومن لم يعيدوا أي سنة. وحتى بعد أخذ الجنس والوضع الاجتماعي والاقتصادي بعين الاعتبار، يبقى الفارق مرتفعاً، في حدود 42.5 نقطة.

وتعيد هذه الأرقام طرح سؤال قديم ومتجدد حول فعالية إعادة السنة كأداة لمعالجة التعثر. فهل يكفي أن يعيد التلميذ السنة نفسها حتى يستدرك ما فاته؟ أم أن التعثر يحتاج إلى دعم تربوي مبكر ومواكبة فردية وآليات للإنقاذ قبل أن يتحول الضعف إلى تأخر مزمن؟

اللغة تكشف بدورها عن فروق في الأداء

تظهر المعطيات أيضاً اختلافات مهمة بحسب لغة إجراء الاختبار، مع ضرورة التنبيه إلى أن الأمر يتعلق بلغة الاختبار وليس بالضرورة باللغة الأم للتلميذ أو اللغة الرئيسية التي تلقى بها تعليمه.

فالتلاميذ الذين أجروا الاختبار بالعربية حققوا نتائج أفضل في القراءة بفارق يصل إلى 35 نقطة، كما تفوقوا في عدد من مكونات العلوم. في المقابل، سجل الذين أجروا الاختبار بالفرنسية أداءً أفضل في الرياضيات وبعض المهارات الرقمية، من بينها حل المشكلات الرقمية والبرمجة.

وتكشف هذه النتائج عن تعقيد العلاقة بين اللغة والتعلم والتحصيل، وتؤكد أن النقاش حول لغة التدريس لا يمكن اختزاله في الاختيار بين لغتين، بل يحتاج إلى النظر في مستوى إتقان المتعلم للغة، وفي طبيعة المادة الدراسية، وفي قدرته على الانتقال بين اللغات والأدوات المعرفية المختلفة.

الذكاء الاصطناعي يدخل الفصل الدراسي من الباب الواسع

وإذا كانت بعض الموارد لا تزال غائبة عن عدد مهم من الأسر، فإن الذكاء الاصطناعي يبدو أنه دخل بالفعل إلى الحياة التعليمية لجزء واسع من التلاميذ.

فحوالي 44.9 في المائة من التلاميذ المغاربة صرحوا باستخدام روبوت محادثة مرة واحدة على الأقل أسبوعياً لمساعدتهم في التعلم، بينما يستخدمه 35.6 في المائة لإجراء بحث أولي، و29.6 في المائة لتلخيص نص، و29.2 في المائة للمساعدة في إعداد واجب. وفي المقابل، لا يتجاوز الذين قالوا إنهم لا يستخدمون روبوتات المحادثة في إطار تعليمهم 8.5 في المائة.

لكن الأهم ليس انتشار الأداة في حد ذاته، بل كيفية استخدامها. فالمعطيات تشير إلى ارتباط بعض الاستخدامات التعليمية للذكاء الاصطناعي بأداء أفضل في العلوم، بعد أخذ بعض العوامل الأخرى في الاعتبار.

وهنا تبرز أمام المدرسة المغربية مهمة جديدة: لم يعد السؤال هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصل إلى التلميذ، لأنه وصل بالفعل، وإنما كيف نعلم التلميذ استخدامه دون أن يتحول من أداة للتعلم إلى بديل عن التفكير؟

من أرقام PISA إلى سؤال الإنصاف

تكشف نتائج PISA 2025، في قراءتها التفصيلية، أن التحدي الذي تواجهه المدرسة المغربية لا يتعلق فقط بمتوسطات وطنية منخفضة أو بمقارنة ترتيبية مع أنظمة تعليمية أخرى. فالمسألة الأعمق تتمثل في الفوارق داخل المدرسة نفسها: بين تلميذ يتوفر على الكتب والوسائل الرقمية وتلميذ لا يجدها، بين تلميذ يحضر بانتظام وآخر ينقطع عن الدروس، بين مسار دراسي مستقر وآخر عرف التعثر وإعادة السنة، وبين بيئات اجتماعية واقتصادية مختلفة.

أما النتائج الإجمالية، فقد أظهرت حصول المغرب في 2025 على 358 نقطة في العلوم، و355 نقطة في الرياضيات، و321 نقطة في القراءة، مقابل 365 و365 و339 نقطة على التوالي سنة 2022. كما أن نسبة التلاميذ الذين يبلغون على الأقل المستوى الثاني، الذي تعتبره منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية عتبة للكفاءة الأساسية، لا تتجاوز 23 في المائة في العلوم، و16 في المائة في الرياضيات، و13 في المائة في القراءة.

ومع ذلك، فإن قراءة هذه النتائج تحتاج إلى قدر من الحذر. فالتلاميذ الذين شملهم اختبار 2025 لم يكونوا قد استفادوا من دورة كاملة من نموذج «مدارس الريادة»، الذي بدأ تطبيقه بشكل تجريبي بعد 2023، ولذلك لا تسمح هذه النتائج بعدُ بقياس الأثر الكامل للإصلاح التربوي الحالي. وقد أكدت وزارة التربية الوطنية أن نتائج PISA 2025 تعكس أساساً مساراً تعليمياً سابقاً، وأن تقييم أثر الإصلاح الحالي سيتطلب انتظار أجيال استفادت فعلياً من النموذج الجديد خلال مسارها الدراسي.

مدرسة لا تعيد إنتاج الفوارق

في نهاية المطاف، ربما يكون أهم ما تقوله microdonnées الخاصة بـPISA 2025 هو أن جودة التعليم لا تقاس فقط بما يعرفه التلميذ، وإنما أيضاً بمدى قدرة النظام التعليمي على تعويض ما لا يملكه من ظروف وموارد خارج المدرسة.

فالمدرسة العمومية لا تستطيع تغيير الوضع الاجتماعي للأسرة، لكنها تستطيع أن تمنح التلميذ كتاباً، ومعلماً جيداً، ودعماً تربوياً في الوقت المناسب، وفضاءً رقمياً، ومواكبة نفسية وتربوية، وفرصة ثانية قبل أن يتحول التعثر إلى فشل.

ومن هذه الزاوية، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط رفع ترتيب المغرب في PISA، بل بناء مدرسة تقلص الفوارق بدل أن تعيد إنتاجها، وتمنح لكل طفل، بصرف النظر عن أسرته ومحيطه الاجتماعي، فرصة فعلية لبناء مستقبله.

وهذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن استخلاصه من الأرقام: وراء كل نقطة في اختبار PISA تلميذ، ووراء كل فارق في الأداء فرصة تعليمية لم تصل بعد إلى صاحبها.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 10 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ
















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...







Buy cheap website traffic