كتاب الرأي

قبل المدرسة والسوق: لماذا تعود الأسرة إلى قلب السياسات العمومية؟


نتحدث كثيرا عن النمو والاستثمار وجاذبية الاقتصاد، وعن أوراش البنيات التحتية التي غيّرت وجه البلاد. لكننا نادرا ما نطرح السؤال الذي يسبق ذلك كله: أين يتشكل الإنسان المفترض أن يحمل هذا المشروع؟ قبل المدرسة، وقبل السوق، وقبل الدولة، هناك مؤسسة واحدة تسبقها جميعا، وتظل مع ذلك غائبة عن مركز التفكير في السياسات العمومية: الأسرة.



بقلم: عبد الصمد حيان

ومعطيات المندوبية السامية للتخطيط لا تترك مجالا واسعا للتردد. فقد انتقل معدل الخصوبة من 7,2 أطفال لكل امرأة سنة 1960 إلى 1,97 طفل سنة 2024، أي دون عتبة تجديد الأجيال. وفي الآن نفسه، سيتقلص متوسط حجم الأسرة من 3,9 أفراد اليوم إلى 3,3 في أفق 2040، بينما يرتفع عدد الأسر من 9,26 ملايين إلى أكثر من 12 مليون أسرة. هذه الأرقام ليست تفصيلا ديموغرافيا؛ إنها إعلان عن تحول صامت في العقد الاجتماعي: فالأسرة الممتدة التي كانت تمتص البطالة والمرض والشيخوخة وأزمات السكن تتراجع، دون أن تكون البدائل المؤسساتية قد اكتملت بعد. ويزداد المشهد تعقيدا بفعل التفاوتات المجالية، إذ لا تعيش الأسرة القروية الهشة التحول نفسه الذي تعيشه الأسرة الحضرية.

هنا يلتقي النقاش بفلسفة النموذج التنموي الجديد، التي جعلت من الرأسمال البشري والتماسك الاجتماعي وتكافؤ الفرص شرطا لأي إقلاع اقتصادي. غير أن الرأسمال البشري لا يصنع داخل المدرسة وحدها. فمصير التلميذ يُحسم جزئيا قبل دخوله القسم: في التعليم الأولي، وفي الاستقرار النفسي والمادي لأسرته. والأسرة، من هذه الزاوية، ليست قطاعا اجتماعيا بجانب قطاعات أخرى، بل هي نقطة التقاطع بين السكن والشغل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. وهي أيضا الحلقة الأولى في بناء الثقة والانتماء؛ وحين تتآكل هذه الحلقة، لا تتعثر التربية وحدها، بل تتراجع كذلك الثقة في المؤسسات وفي المستقبل.

ويزداد البعد الاستراتيجي وضوحا حين ننظر إلى الأمام. فنسبة البالغين ستين سنة فما فوق ستنتقل من 13,8% سنة 2024 إلى 19,5% في أفق 2040، في حين ستغلق «النافذة الديموغرافية» التي يستفيد منها المغرب في حدود سنة 2038. وقد نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حول إدماج الأشخاص المسنين وحول اقتصاد الرعاية، إلى أن تراجع الأسر الممتدة لفائدة الأسر النووية يضعف آليات التكافل التقليدية ويضاعف الضغط على التضامن المؤسساتي. أي أن ما نعتبره اليوم مسألة اجتماعية سيصبح غدا مسألة مالية وميزانياتية بامتياز.

من هذه الزاوية يمكن قراءة اختيار حزب الاستقلال وضع الأسرة ومنظومة القيم الوطنية في مقدمة التزاماته الانتخابية لسنة 2026. والقيمة التحليلية لهذا الاختيار لا تكمن في التدابير المقترحة بحد ذاتها، بل في نقله الأسرة من هامش السياسات الاجتماعية إلى موقع المبدأ المنظم للمشروع المجتمعي. ويبقى الاختبار الحقيقي لأي طرح من هذا النوع، في قدرته على تفادي تقاطعين اثنين: الاكتفاء بخطاب قيمي تعبوي، أو تشتيت الدعم في إجراءات متفرقة بلا التقائية ولا أهداف قابلة للقياس والتتبع.

إن الإصلاح لا ينجح فقط بتغيير القوانين أو برفع الاعتمادات، بل ببناء بيئة اجتماعية قادرة على إنتاج إنسان متعلم وواثق ومندمج ومسؤول. فلا اقتصاد قوي بمجتمع هش، ولا مدرسة ناجحة بأسرة مثقلة. ولهذا فإن الاستثمار في الأسرة ليس سياسة قطاعية بين سياسات أخرى، بل هو استثمار في الاقتصاد والمجتمع والدولة وفي مستقبل التنمية بشكل عام.




الاربعاء 9 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic