بين السطور

الوحدة في السياسة.. حين يبدأ الجميع، عشية الانتخابات، في الابتعاد تدريجيًا


لا تشبه هذه الوحدة تلك التي يعيشها شخص وحيد في غرفة فارغة، بل تبدأ، على العكس، وسط الضجيج والاجتماعات والهواتف التي لا تتوقف عن الرنين، وبين الابتسامات والعناق ووعود الوفاء.



بقلم : عدنان بنشقرون

 

ثم يبدأ شيء ما في التغير تدريجيًا.

 

فعندما لا تفصلنا عن الانتخابات سوى أسابيع قليلة، تصبح النظرات أقصر، وتتأخر الإجابات عن الرسائل، فيما يتحول أولئك الذين كانوا، حتى الأمس القريب، يقسمون بأنهم سيكونون «معك حتى النهاية»، إلى أشخاص شديدي الانشغال فجأة. ويكتشف الأصدقاء أن لديهم التزامات، ويصبح الحلفاء أكثر حذرًا، بينما يبدأ الأوفياء أنفسهم في إجراء حساباتهم.

 

وهنا يدرك المرء قاعدة قديمة في السياسة : الوحدة لا تبدأ عندما يخسر المرء، بل عندما يعتقد الآخرون أنه قد يخسر، ولعلها واحدة من أقسى لحظات الحياة العامة.


فعلى مدى سنوات، غالبًا ما يعيش المسؤول السياسي محاطًا بالآخرين؛ يبحث الناس عن صحبته، أو تحكيمه، أو شبكته، أو توقيعه، أو حتى مجرد قربه. فالمنصب السياسي ينتج دائمًا حوله جغرافيا بشرية صغيرة، تتكون، بالتأكيد، من قناعات صادقة، ولكن أيضًا من مصالح وطموحات وفرص.


غير أن المشكلة تبدأ فعلًا عندما تقترب الانتخابات،فورقة الاقتراع تتحول عندها إلى كاشف حقيقي؛ إذ تبقى القناعات، بينما تتحرك المصالح، الشخص الذي كان يتصل بك عشر مرات في اليوم لم يعد متأكدًا من قدرته على التواجد، والذي كان يطلب التقاط صورة إلى جانبك يفضل الآن ألا يظهر كثيرًا برفقتك، أما الذي كان يتحدث عن «العائلة السياسية»، فيبدأ في شرح ضرورة التحلي بـ«الواقعية».


وهكذا تنتج السياسة الكثير من الإخوة في أيام الانتصار، والكثير من أبناء العمومة البعيدين في أيام الشك.


ومع ذلك، سيكون من السهل جدًا اختزال هذه الآلية في الجبن البشري؛ فالانتخابات ليست فقط لحظة تختبر فيها العلاقات، وإنما هي أيضًا سوق قاسٍ للتوقعات.


يقيم المرشحون فرصهم، ويراقب المنتخبون المحليون موازين القوى، ويستشعر المناضلون تحولات الميدان، بينما يدرس الأعيان التحالفات الجديدة المحتملة. وفي خضم ذلك كله، يحاول كل طرف، بشكل غريزي، ألا يجد نفسه في الجانب الخطأ من اليوم التالي.


ومن هنا، يصبح الوفاء نوعًا من المجازفة، لكن المفارقة أن قيمته الحقيقية تظهر تحديدًا في هذه اللحظات. فالوفاء عندما تبدو السلطة مضمونة لا يكلف تقريبًا شيئًا؛ أما أن تظل حاضرًا عندما تصبح استطلاعات الرأي سيئة، وتتراكم الانتقادات، وتبدأ الصحف في الحديث عن مرحلة ما بعدك، ويشرع الانتهازيون في تغيير مواقعهم، فذلك يكشف شيئًا أعمق عن الإنسان.


ولهذا تصبح عشية الانتخابات آلة هائلة لفرز العلاقات، فهي تميز بين الرفاق الحقيقيين وبين أولئك الذين يرافقونك فقط، الأولون يتقاسمون معك تاريخًا، وأحيانًا قناعة، وأحيانًا مجرد مودة أو احترام يكون قويًا بما يكفي للصمود أمام احتمال الهزيمة.


أما الآخرون، فكانوا يتقاسمون معك، في الغالب، مسارًا صاعدًا؛ وعندما يبدأ المصعد في النزول، يفضلون الخروج في الطابق السابق، لكن هذه الوحدة السياسية، على قسوتها، تحمل في المقابل فضيلة لا يستهان بها: إنها تجبر المرء على النظر إلى الأشياء من دون زينة أو ديكور.


وفجأة، تظهر أسئلة قد لا يجد المسؤول السياسي نفسه مضطرًا إلى طرحها في أوقات القوة :


لماذا ما زلت هنا؟من أجل من أخوض هذه المعارك؟


ما المعارك التي خضتها فعلًا؟وماذا فعلت بالمسؤوليات التي تحملتها؟


والأهم من ذلك كله : إذا لم يعد لدي غدًا أي منصب، فمن سيكون حول هذا الكرسي؟


قد تكون هذه الأسئلة أكثر فائدة من جميع استطلاعات الرأي، لأنها لا تقيس شعبية السياسي بقدر ما تكشف حقيقة علاقاته، فالوحدة تجرّد السلطة من مسرحها.


ومن خلال ذلك، تتيح أيضًا فهم حقيقة أساسية : الحزب السياسي ليس مجرد مجموع لمسارات مهنية وشخصية. فإذا تحول إلى ذلك فقط، فإنه سينفجر عاجلًا أم آجلًا تحت وطأة الطموحات الفردية.


فالمنظمة السياسية تستمر لأن هناك بين أعضائها شيئًا لا يمكن إدراجه في أي هيكل تنظيمي: ذاكرة مشتركة، وبعض القيم، وحد أدنى من الولاء، وتلك القدرة الغريبة على مواصلة السير معًا حتى عندما لا يعرف أحد على وجه الدقة من سيفوز غدًا.


والانتخابات تضع هذه البنية غير المرئية أمام الاختبار، ففي الأسابيع التي تسبق الاقتراع، يكشف كل شخص، في نهاية المطاف، عن تصوره للسياسة، بالنسبة إلى البعض، السياسة قناعة؛ وبالنسبة إلى آخرين، إنها مسيرة مهنية؛ أما بالنسبة إلى غيرهم، فهي مجرد موقع ينبغي الحفاظ عليه داخل الترتيبة المقبلة.


وليس بالضرورة أن نستخلص حكمًا أخلاقيًا مطلقًا من هذه الحقيقة. فالسياسة تقوم أيضًا على موازين القوى والاختيارات وإعادة التموضع، فهي ليست ديرًا للرهبان، لكن، رغم ذلك، هناك فرق كبير بين تغيير التحليل السياسي والتخلي عن شخص لمجرد الاعتقاد بأن نجمه بدأ في الأفول.


ولهذا الفرق اسم قديم : الشخصية.


والمسؤولون السياسيون ذوو الخبرة يعرفون ذلك جيدًا؛ ففي أيام النجاح، ينبغي الاستماع إلى التصفيق بحذر، وفي أيام الصعوبات، ينبغي مراقبة الصمت باهتمام، لأن الصمت يقول في كثير من الأحيان أكثر مما تقوله الخطب.


فمن يخوض انتخابات صعبة يكتشف أحيانًا، وبشكل قاسٍ، أنه كان محاطًا بمنصبه أكثر مما كان محاطًا بشخصه، وقد يكون هذا الاكتشاف مؤلمًا، لكنه قد يكون أيضًا متحررًا.


فبعد أن يختبر المرء هذا النوع من الوحدة، لن ينظر بالطريقة نفسها إلى أولئك الذين يعودون عندما تصبح النتائج مواتية؛ إذ يكون قد أدرك، في تلك اللحظة، من بقي إلى جانبه عندما لم تكن هناك مكاسب مضمونة.


في السياسة كما في غيرها، الجميع يحب الانتصارات.


لكن السؤال الحقيقي يوجد في مكان آخر : من سيواصل السير معك عندما لا يعود الانتصار مضمونًا؟


ولعل هذه،واحدة من أهم دروس عشية الانتخابات، فنحن نعتقد أنها تُجرى فقط لاختيار من سيتولى الحكم، لكنها تكشف لنا أحيانًا أيضًا من هم أصدقاؤنا الحقيقيون.





الاربعاء 2 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic