بقلم : عدنان بنشقرون
ربما برنامجًا حذرًا
وربما نصًا متجذرًا بقوة في التاريخ الاجتماعي والوطني للحزب
وربما حتى ذلك التمرين الانتخابي المألوف، حيث تُجمع كمية كافية من النوايا الحسنة حتى لا يجد أحد سببًا حقيقيًا للاعتراض عليها
لكن الانطباع الذي يطغى عند قراءة الإجراءات الـ99، المنظمة حول خمسة محاور، مختلف تمامًا : الأسرة والقيم، ومحاربة الفساد والريع، والقدرة الشرائية والطبقة الوسطى، والخدمات العمومية والدولة الاجتماعية، والسيادة الاستراتيجية.
يمكن تأييد هذا البرنامج، كما يمكن انتقاده. ويمكن اعتبار بعض مقترحاته طموحة أكثر من اللازم، وبعضها الآخر قابلًا للنقاش، فيما قد تبدو مقترحات أخرى صعبة التمويل أو التنفيذ.
لكن أصبح من الصعب وصفه بأنه بلا لون ولا رائحة، والأصعب من ذلك وصفه بأنه برنامج لين أو باهت.
المفاجأة الأولى : الاستقلال يخوض في قضايا لم يكن متوقعًا بالضرورة أن يخوض فيها
يقترح الحزب، مثلًا، تقديم مساعدة قد تصل إلى 5 آلاف درهم للشباب المقبلين على الزواج. (كان لا بد من الجرأة على طرح ذلك). كما يقترح خصمًا ضريبيًا على بعض نفقات تمدرس الأطفال، وإجازة مرنة ومدفوعة الأجر لرعاية الأطفال.
قد يثير مبلغ 5 آلاف درهم بعض السخرية. وقد يعتبره البعض مجرد مبلغ رمزي. لكن السؤال الحقيقي الذي يمكن طرحه هو : هل تستطيع سياسة عمومية أن تساهم في إزالة بعض العوائق الاقتصادية التي تحول دون تكوين الأسرة؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الأمر : فهناك ما يستحق النقاش، وهذا هو الجانب المثير للاهتمام.
والأمر نفسه ينطبق على قضايا الإدمان. إذ يقترح البرنامج الاعتراف بالإدمان باعتباره مرضًا مزمنًا، وبطب الإدمان باعتباره تخصصًا طبيًا. وفي مجال الصحة النفسية، يقترح إدماج الاستشارة النفسية ضمن التأمين الإجباري عن المرض (AMO).
وبالنسبة إلى حزب يتجاوز عمره ثمانية عقود، فإن هذه قضايا معاصرة بشكل لافت.
ثم يأتي رقم 40%.. والمفاجأة الأخرى اقتصادية
في الفصل المخصص للفساد والريع وتضارب المصالح، لا يكتفي حزب الاستقلال بالصيغ المعتادة حول الشفافية والحكامة الجيدة، فهو يقترح، على وجه الخصوص، سن قانون بشأن تضارب المصالح، وتوسيع نطاق التصريح بالمصالح، وتعزيز التصريح بالممتلكات، ومحاربة الإثراء غير المشروع.
لكن هناك مقترحًا آخر أكثر إثارة للانتباه : تطبيق ضريبة على الشركات بنسبة 40% على حالات الاحتكار. وبالتوازي مع ذلك، يقترح البرنامج تعزيز مهام مجلس المنافسة ومراجعة القانون المتعلق بحرية الأسعار.
ومرة أخرى، يمكن مناقشة هذا المقترح. لماذا 40%؟ وما المعايير التي سيتم على أساسها تحديد حالة الاحتكار؟ وما الآثار الاقتصادية المحتملة؟ وكيف يمكن تفادي النتائج العكسية؟
كل هذه الأسئلة مشروعة. لكن بعد ذلك، لن يجرؤ أحد على وصف هذا البرنامج بأنه وسطية سياسية باهتة!
الأمر يصبح أكثر تعقيدًا، إنه نوع من المحافظة الاجتماعية التي تعمل على تحديث نفسها. فخلف هذه الإجراءات بدأت تظهر ملامح انسجام أيديولوجي واضح، فحزب الاستقلال لا يتخلى عن هويته الأسرية والاجتماعية، بل يحاول إسقاطها على القضايا التي تشغل مغرب 2026.
فالأسرة تظل في صلب المشروع، لكنها تلتقي اليوم مع قضايا الصحة النفسية، والإدمان، والطفولة المبكرة، والرقمنة، والسكن، والصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الشباب.
في الوقت نفسه، يحتفظ البرنامج بتصور تدخلّي إلى حد كبير للاقتصاد : تتبع هوامش الربح على المنتجات الاستهلاكية اليومية، والرفع التدريجي للحد الأدنى للأجور والمعاشات، ووضع خطة لتعزيز الطبقة الوسطى، وتعبئة العقار العمومي لإنتاج سكن بأسعار ميسرة.
وهذه ليست بالضبط ليبرالية اقتصادية كلاسيكية. لكنها ليست أيضًا ديمقراطية اجتماعية مستوردة، بل تصورًا مغربيًا لها.
إنه أقرب إلى مصفوفة استقلالية قديمة أُعيدت صياغتها بما يتلاءم مع الحاضر : الأسرة، والتضامن، والطبقة الوسطى، والإنتاج الوطني، والتدخل العمومي، والسيادة.
من البذور إلى الذكاء الاصطناعي.. المحور الخامس يدفع هذا المنطق إلى أبعد مدى
يتحدث حزب الاستقلال عن السيادة المالية والنقدية، والماء، والطاقة، والمحتوى المحلي، والصفقات العمومية، وصناعة السيارات، والطيران، والفوسفاط، والصناعة الدفاعية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبذور، والأدوية واللقاحات.
وهناك مقترح يلخص هذه الفلسفة بشكل جيد : منح معيار القيمة المنتجة في المغرب وزنًا بنسبة 30% في الصفقات العمومية، كما يهدف مقترح آخر إلى رفع المحتوى المحلي في المشاريع الطاقية إلى 50% في أفق 2031.
وهنا أيضًا، يبدو الخيار السياسي واضحًا : عندما يكون هناك مفاضلة بين الاعتماد على الخارج والإنتاج الوطني، فإن البرنامج يفضل صراحة الخيار الثاني.
وأخيرًا، هناك شيء يمكن الاختلاف معه، وربما تكون هذه في نهاية المطاف أهم ميزة سياسية لهذا البرنامج : فهو يتيح الاختلاف، وبالتالي يتيح النقاش.
5 آلاف درهم للمساعدة على الزواج.
40% ضريبة على حالات الاحتكار.
حماية الشباب من مخاطر شبكات التواصل الاجتماعي.
إدماج الأخصائي النفسي ضمن نظام التأمين الإجباري عن المرض.
دعم المبلغين عن المخالفات.
منح القيمة المنتجة في المغرب وزنًا بنسبة 30% في الصفقات العمومية.
سلسلة وطنية للذكاء الاصطناعي تمتد من الجامعة إلى التصنيع.
هذه مقترحات يمكن الدفاع عنها، أو الاعتراض عليها، أو تعديلها، أو حتى مواجهتها سياسيًا.
لكنها تقول شيئًا مهمًا : فالانتخابات الديمقراطية لا ينبغي، في الأصل، أن تتحول إلى مسابقة لتحديد أي حزب سينجح في تقديم البرنامج الأقل إثارة لأي اعتراض ممكن.
بل ينبغي أن تتيح للناخبين الاختيار بين مشاريع سياسية واضحة المعالم ويمكن تمييز بعضها عن بعض.
وبطبيعة الحال، سيتعين على برنامج حزب الاستقلال أن يخضع لاختبار الأرقام، وسيكون من الضروري احتساب كلفة الالتزامات، ودراسة مدى قابليتها للتنفيذ، والأهم من ذلك، مقارنة الوعود بالقدرة الفعلية على تنفيذها، وهذا هو الدور الطبيعي للنقاش السياسي والصحفي.
لكن يمكن بالفعل استخلاص خلاصة أولى : هذا البرنامج ليس بلا لون ولا رائحة، كما أنه ليس نصًا باهتًا يبحث باستمرار عن ملجأ في منتصف الطريق.
والأهم من ذلك، أن قارئه لا يجد فيه ذلك الشعور المزعج بالنسخ واللصق، حيث يكفي تغيير شعار الحزب على الغلاف للانتقال من برنامج حزب إلى برنامج حزب آخر.
فهنا توجد بصمة واضحة يمكن التعرف عليها : الأسرة والتضامن، والطبقة الوسطى والدولة الاجتماعية، ومحاربة الريع، وتفضيل الإنتاج الوطني، ورؤية واسعة جدًا لمفهوم السيادة.
وقد يرى البعض في هذا التوجه نزعة تدخلية مفرطة، أو يعتبرونه محافظًا أكثر من اللازم في بعض القضايا، أو على العكس، حديثًا بشكل لافت في قضايا أخرى.
وهذا تحديدًا ما يمنحه أهميته.
إن امتلاك هوية سياسية واضحة ومعلنة لا يضمن أبدًا الفوز في الانتخابات. لكنه يمنح، على الأقل، المغاربة شيئًا واضحًا يمكنهم الحكم عليه والاختيار على أساسه.
الرئيسية















