بقلم : عدنان بنشقرون
المسلّمة الأولى تتعلق بالعولمة، فلعقود طويلة، بدا أن فتح الحدود أمام التجارة كفيل بضمان الإمدادات. لكن الجائحة والحروب وعودة الحمائية والاضطرابات التي أصابت سلاسل الخدمات اللوجستية أظهرت العكس تمامًا. فقد تمتلك الدولة المال، لكنها قد لا تجد بالضرورة وبشكل فوري ما تحتاج إليه.
أما المسلّمة الثانية التي اختفت، فتتمثل في اعتبار الطاقة سلعة مثل غيرها. فقد تحولت الطاقة إلى سلاح اقتصادي ودبلوماسي وجيوسياسي. وبالنسبة إلى المغرب، لم يعد الانتقال الطاقي مجرد خيار بيئي، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بالاستقلال الوطني.
أما القطيعة الثالثة فتتعلق بالماء والغذاء، فالمغرب كان يدرك منذ فترة طويلة حجم القيود التي يفرضها الإجهاد المائي. لكن توالي سنوات الجفاف وتسارع وتيرة التغير المناخي جعلا من الماء اليوم قضية أمن وطني.
فالإنتاج والتحلية وإعادة الاستخدام وترشيد الاستهلاك لم تعد مجرد قضايا تقنية، بل بدأت سياسة الماء تخرج تدريجيًا من نطاق التدبير التقني لتدخل في صميم السيادة الوطنية.
المسلّمة الرابعة كانت تقوم على الاعتقاد بأن التكنولوجيا ستخلق آليًا وظائف أكثر مما ستلغي، غير أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة يجعلان هذه المعادلة أقل وضوحًا بكثير. ولهذا السبب، أصبحت المدرسة والجامعة والتكوين المهني والبحث العلمي بمثابة بنيات تحتية استراتيجية. فالمنافسة الدولية الحقيقية تدور اليوم بقدر ما تدور في الموانئ والمصانع، حول العقول والكفاءات.
وأخيرًا، المسلّمة الخامسة : أن السلام الدولي سيظل مستقرًا بما يكفي لتمكين الاقتصادات من التخطيط بهدوء لتنميتها. لكن الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والتنافس الصيني-الأمريكي، وتفتت المبادلات التجارية، كلها مؤشرات على أن تلك المرحلة بدأت تبتعد.
وهنا تحديدًا تصبح القراءة التي يقترحها نزار بركة مثيرة للاهتمام من الناحية السياسية.
فهي تعيد توسيع مفهوم السيادة بشكل كبير، فلم تعد السيادة مرتبطة بالأرض وحدها، بل أصبحت أيضًا طاقية وغذائية ومائية ورقمية وصناعية وفكرية.
وتكمن أهمية هذه المقاربة، بالخصوص، في طرح سؤال يتجاوز حزب الاستقلال نفسه : هل لا تزال الأحزاب المغربية قادرة، في 2026، على تقديم برامج صيغت وفق الأدوات السياسية للعالم القديم؟
على الأرجح، لا.
فالحكامة في المستقبل لن تقتصر على إعادة توزيع الثروة بشكل أكبر أو بناء المزيد من المنشآت. بل ستتطلب أيضًا حماية البلاد من تبعيات أصبحت ذات طابع استراتيجي، واستباق تحولات تكنولوجية سريعة، والحفاظ على التماسك الاجتماعي في بيئة أصبحت أكثر اضطرابًا بكثير.
ويمتلك المغرب، في هذا المجال، عناصر قوة مهمة : موقعه الجغرافي، وبنياته التحتية، وانفتاحه على إفريقيا والمحيط الأطلسي، ومصادره من الطاقات المتجددة، فضلًا عن استقراره. غير أن هذه المزايا لن تؤتي ثمارها إلا إذا رافقتها ثقافة حقيقية تقوم على الاستباق والاستعداد للمستقبل.
في نهاية المطاف، قد تكون للحملة الانتخابية لسنة 2026 فائدة غير متوقعة : إجبار الأحزاب على ألا تكتفي بوعود تحسين تدبير مغرب اليوم، بل أن تشرح أيضًا كيف تعتزم إعداد مغرب الغد
الرئيسية















