بقلم : مامون أشرقي
يقترح البرنامج تخصيص احتياطات تكفي لـ90 يومًا من الوقود، وأربعة أشهر من الحبوب الأساسية، وستة أشهر من الأدوية واللقاحات الحيوية، إلى جانب وضع آليات للإنذار المبكر تحسبًا لاحتمال حدوث اضطرابات أو انقطاعات في سلاسل الإمداد.
وما يلفت الانتباه إيجابًا في هذا المقترح ليس منطق التخزين في حد ذاته، بقدر ما هو التحول في الرؤية الاستراتيجية التي ينطوي عليها.
فلفترة طويلة، استند الأمن الاقتصادي إلى فكرة بسيطة مفادها أن الأسواق العالمية تعمل، وأن السلع تنتقل بين الدول، وأن الأسعار قد تتقلب، لكن الإمدادات تظل متاحة بشكل عام.
غير أن هذه القناعة بدأت تتصدع تدريجيًا. فالأزمات الصحية، والحرب في أوكرانيا، والتوترات التجارية، وتداعيات التغير المناخي، والاضطرابات التي طالت حركة النقل البحري، كلها عوامل جعلت العولمة مستمرة، لكنها أصبحت أقل قابلية للتنبؤ بكثير.
وفي هذا السياق الجديد، لم تعد السيادة تعني فقط زيادة الإنتاج، بل أصبحت تعني أيضًا القدرة على الصمود لأسابيع أو حتى لأشهر عندما تضطرب حركة الاقتصاد العالمي.
وهذا تحديدًا ما يوحي به هذا المقترح.
كما يدفع هذا التصور إلى إعادة النظر في البنى التحتية الاستراتيجية للمملكة. فالمغرب يتوفر على موانئ ذات أداء متقدم، وقطاع طاقي يتطور، وفلاحة ذات أهمية كبيرة، فضلًا عن صناعة دوائية تشهد نموًا. لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه الآن هو : ماذا سيحدث إذا توقفت التدفقات بشكل مفاجئ؟
إلى أي حد يمكن للاقتصاد الوطني أن يواصل عمله بشكل طبيعي؟ وكم أسبوعًا سيمر قبل أن تبدأ بعض حالات النقص في الظهور؟ والأهم من ذلك، من سيتولى تكوين هذه الاحتياطات وتجديدها ومراقبتها؟ هنا تحديدًا يبدأ النقاش الحقيقي.
فالحفاظ على المخزونات الاستراتيجية مكلف، إذ يجب تدوير المنتجات باستمرار من أجل تفادي تلفها وضياعها، كما ينبغي توفير طاقات تخزين كافية، ويتعين كذلك تحديد ما يقع على عاتق الدولة وما تتحمله الشركات الخاصة، أو اعتماد نظام يجمع بين الطرفين.
وفي المقابل، يجب تفادي تحول سياسة الأمن الاستراتيجي إلى مصدر للريع أو إلى كلفة إضافية دائمة يتحملها المستهلك. غير أن ميزة المقترح تكمن تحديدًا في أنه يفتح باب هذا النقاش.
وهكذا، فإن برنامج حزب الاستقلال لا يتحدث هنا عن الاقتصاد فحسب، بل عن القدرة الوطنية على الصمود. وفي وقت بدأت فيه عدة دول تدرك مجددًا أن الاعتماد على الخارج يمكن أن يتحول خلال أيام قليلة إلى مصدر للهشاشة، فإن هذا الموضوع يستحق على الأرجح مزيدًا من الاهتمام.
في نهاية المطاف، قد يكون السؤال الذي يتعين على المغرب أن يطرحه على نفسه بسيطًا جدًا : إلى أي حد نريد أن نكون قادرين على الصمود بمفردنا، إذا توقف العالم غدًا، ولو مؤقتًا، عن العمل بشكل طبيعي؟
الرئيسية















