كتاب الرأي

«وطني مستقبلي».. حين يراهن الاستقلال على بناء مناعة المغرب




بقلم: سعيد التمسماني

«وطني مستقبلي».. حين يراهن الاستقلال على بناء مناعة المغرب
في كلمته خلال اللقاء التواصلي مع مرشحات ومرشحي حزب الاستقلال لتقديم البرنامج الانتخابي للفترة 2026–2031، اختار نزار بركة أن يضع النقاش في مكان أبعد من الحسابات الانتخابية المباشرة. فالكلمة، في جوهرها، لا تنطلق من سؤال تقليدي من قبيل: ماذا سننجز خلال الولاية المقبلة؟ وإنما من سؤال أكثر صعوبة وأهمية: كيف ينبغي للمغرب أن يستعد لعالم لم يعد يشبهالأمس؟

وهذا التحول في زاوية النظر هو، في تقديري، أبرز ما يستحق التوقف عنده.

فالمغرب يدخل السنوات المقبلة في محيط دولي شديد التقلب. لم تعد الأزمات أحداثاً استثنائية تمر ثم تنتهي، بل أصبحت جزءاً من المشهد العالمي: توترات جيوسياسية، اضطراب في الأسواق، منافسة على الموارد، تحولات تكنولوجية متسارعة، ضغوط مناخية، وتبدلات عميقة في قواعد الاقتصاد الدولي.

في مثل هذا العالم، لا تكفي سياسة تقوم على التدخل عندما تقع المشكلة. الدولة التي تريد حماية استقرارها ومصالحها تحتاج إلى شيء أعمق: قدرة دائمة على الاستباق.

وهنا تبرز الفكرة التي يمكن أن تختصر فلسفة الكلمة كلها: الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء المناعة الوطنية.
المقصود بالمناعة هنا ليس فقط قدرة الاقتصاد على الصمود، وإنما قدرة البلد بكامله على تحمل الصدمات دون أن يدفع المواطن وحده ثمنها. اقتصاد متين، ومؤسسات فعالة، وخدمات عمومية ذات جودة، وشبكة حماية اجتماعية، وأمن غذائي وطاقي، وتعليم قادر على إنتاج الكفاءات، وشباب يجد لنفسه مكاناً في الاقتصاد والمجتمع.

ذلك أن قوة الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بما تملكه من إمكانات، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان عندما تصبح الظروف أكثر صعوبة.

ومن هذه الزاوية، تصبح عبارة «وطني مستقبلي» أكثر من مجرد شعار.
الوطنية التي تحتاجها المرحلة ليست وطنية تنظر باستمرار إلى الخلف، وإنما وطنية تمتلك الشجاعة للنظر إلى الأمام. أن تحب وطنك يعني أيضاً أن تسأل: ماذا سيحتاج هذا الوطن بعد عشر سنوات؟ ما الذي ينبغي أن نبنيه اليوم حتى لا نجد أنفسنا غداً أمام اختيارات مفروضة علينا؟

إنها وطنية تقوم على الاستعداد، وعلى الاستثمار، وعلى امتلاك القرار.
وهذا يقود إلى المواطن، الذي يبدو أنه يحتل موقعاً مركزياً في هذه الرؤية.
فلا معنى للحديث عن السيادة إذا كان المواطن يشعر بأن دخله لا يواكب تكاليف الحياة. ولا معنى للحديث عن التنمية إذا ظل الحصول على تعليم جيد أو علاج لائق مرتبطاً بالموقع الاجتماعي أو الجغرافي. ولا يمكن الحديث عن الثقة في المؤسسات إذا كان المواطن لا يرى في الإصلاحات أثراً واضحاً في حياته اليومية.

لهذا فإن القدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، وفرص العمل، ومحاربة الفساد، ليست ملفات اجتماعية هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد القضايا الكبرى. إنها في صميم الاستقرار الوطني.

بل إن الرهان الحقيقي ربما يكمن هنا: أن تصبح التنمية وسيلة لبناء الثقة، وأن تصبح الثقة بدورها مصدراً للقوة الوطنية.
ومن الصعب، في المقابل، بناء هذه المناعة من دون اقتصاد قوي.

فالسيادة السياسية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية تسندها. والاقتصاد القوي ليس مجرد مؤشرات للنمو، وإنما قدرة على الإنتاج، وتنويع مصادر الثروة، وخلق القيمة، وتطوير الصناعة، والاستثمار في التكنولوجيا، وتقوية الأمن الغذائي والطاقي، وإعداد الكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد الجديد.

وهنا تلتقي السيادة بالعدالة الاجتماعية. فكلما كان الاقتصاد أكثر إنتاجاً وتنافسية، اتسعت قدرة الدولة على تمويل الخدمات العمومية وتحسين مستوى عيش المواطنين. وكلما كان المواطن أكثر تعليماً وصحة وتأهيلاً، أصبح الاقتصاد نفسه أكثر قدرة على المنافسة.
إنها دائرة واحدة، لا ملفات منفصلة.
لكن هناك تحدياً آخر لا يقل أهمية: التنفيذ.

فأكبر اختبار لأي برنامج انتخابي ليس جمال صياغته، وإنما قدرته على الانتقال من الورق إلى الواقع. المواطن لا يحتاج فقط إلى رؤية سياسية جيدة؛ يريد أن يعرف ماذا ستغير هذه الرؤية في مدرسته، ومستشفاه، ودخله، وفرص عمل أبنائه، وفي علاقته بالإدارة والمؤسسات.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثقافة جديدة في العمل العمومي: تحديد الأولويات، قياس النتائج، تقييم السياسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

هذه هي النقطة التي يمكن أن تجعل من مفهوم «بناء المناعة» أكثر من استعارة سياسية.

فالمناعة لا تعني أن المغرب لن يتعرض للأزمات. هذا غير ممكن. وإنما تعني أن الأزمة، عندما تأتي، لا تجد دولة ومجتمعاً واقتصاداً هشاً ينتظران الإنقاذ، بل تجد بلداً يمتلك هوامش حركة وخيارات متعددة وقدرة على حماية مصالحه.
وهذا هو الفارق بين دولة تتفاعل مع المستقبل ودولة تستعد له.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي لمرحلة 2026–2031 لا ينبغي أن يُختزل في عدد المشاريع أو حجم الإنفاق أو كثافة الوعود. الرهان أعمق: هل سننجح في بناء مغرب أكثر قدرة على اتخاذ القرار في عالم تتزايد فيه الضغوط؟ هل سنجعل النمو أكثر إنصافاً؟ هل سنحول الاستثمار في الإنسان إلى أولوية فعلية؟ وهل سنتمكن من تحويل التحولات العالمية من مصادر للتهديد إلى فرص جديدة؟

إذا نجحنا في ذلك، فإن الحديث عن «مغرب مستقبلي» لن يكون مجرد لغة انتخابية.
سيصبح مشروعاً وطنياً.
فالمغرب الذي نحتاج إلى بنائه ليس مغرباً يخشى المستقبل، ولا مغرباً ينتظر أن تتضح صورة العالم حتى يتحرك. إنه مغرب يتحرك رغم عدم اليقين، ويستثمر في قدراته قبل الحاجة إليها، ويحصّن اقتصاده ومؤسساته ومجتمعه قبل أن تختبرها الأزمات.
وفي نهاية المطاف، ربما يمكن اختزال الرسالة الأعمق للكلمة في فكرة واحدة:

المستقبل لن يكون رحيماً بالدول التي تنتظر أن تصل إليها التحولات. المستقبل سيكون لمن يستعد لها، ويمتلك أدواتها، ويشارك في صناعتها.

ومن هذه الزاوية تحديداً، فإن «وطني مستقبلي» لا ينبغي أن يُقرأ كشعار انتخابي فقط، بل كدعوة إلى تغيير طريقة التفكير في الدولة والسياسة والتنمية: أن ننتقل من سؤال كيف نتجاوز أزمة اليوم، إلى سؤال كيف نبني مغرب الغد.
ذلك هو الاختبار الحقيقي للفترة المقبلة.

وذلك أيضاً هو المعنى الأعمق للسيادة: أن يظل للمغرب حق الاختيار، مهما تغير العالم من حوله. 
 




الاثنين 31 أغسطس 2026

في نفس الركن
< >

السبت 29 أغسطس 2026 - 16:19 ​رهانات انتخابات 2026


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic