بقلم : عدنان بنشقرون
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح من الصعب أكثر فأكثر التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع، فقد تنتشر، خلال دقائق معدودة، تصريحات كاذبة منسوبة إلى أحد المرشحين، أو مقاطع فيديو جرى التلاعب بها، أو أرقام أُخرجت من سياقها، لتصل إلى آلاف الأشخاص. وعندما تؤثر هذه المحتويات في أحكام الناخبين واختياراتهم، فإنها لا تعود مجرد مشكلة رقمية، بل تتحول إلى تهديد لجودة النقاش العمومي وللثقة في المؤسسات.
الجميع معني.
المواطنون معنيون بهذا الأمر، لأنهم يجب أن يكونوا قادرين على ممارسة حقهم في الاختيار استنادًا إلى معلومات موثوقة، والشباب معنيون بشكل خاص، بحكم استخدامهم اليومي للمنصات الرقمية، ولأنهم غالبًا ما يشكلون الفئة الأولى المستهدفة بالمحتويات واسعة الانتشار. كما أن الآباء والمدرسين معنيون بدورهم، لأن بناء الحس النقدي يبدأ منذ المدرسة ويتعزز داخل الأسرة.
أما الصحفيون، فتقع على عاتقهم مسؤولية التحقق من الحقائق وتصحيح المعلومات الكاذبة، من دون المساهمة في زيادة انتشارها، في المقابل، يتعين على الأحزاب السياسية أن تتخلى عن أساليب التلاعب، حتى عندما تبدو قادرة على خدمة مصالحها الانتخابية.
المنصات الرقمية معنية هي الأخرى، فلا يمكنها أن تقدم نفسها باعتبارها مجرد فضاءات تقنية، في الوقت الذي تحدد فيه خوارزمياتها، إلى حد كبير، طبيعة المحتويات التي تحظى بالظهور والانتشار. ولذلك، يتعين عليها تعزيز الشفافية، وتحديد المحتويات المصطنعة أو التي جرى إنتاجها والتلاعب بها، والتعامل بسرعة مع الحملات المنسقة للتلاعب بالمستخدمين والرأي العام.
غير أن مكافحة التضليل لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير أو إسكات الآراء المنتقدة، فمن الضروري التمييز بوضوح بين الرأي، حتى وإن كان مزعجًا أو مثيرًا للجدل، وبين معلومة جرى تزويرها عمدًا، وبالتالي، ينبغي أن تقوم الاستجابة على قواعد شفافة، ومؤسسات ذات مصداقية، وآليات للطعن والتظلم، واحترام الحريات الأساسية.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تتضمن جميع البرامج الانتخابية لشهر شتنبر 2026 التزامات دقيقة، من بينها تطوير التربية على الإعلام والثقافة الرقمية داخل المدارس، وتكوين المدرسين، وتوعية الأسر، ودعم صحافة التحقق من الأخبار، ومواكبة الأشخاص الأقل إلمامًا بالأدوات الرقمية، وتعزيز شفافية التواصل السياسي عبر الإنترنت.
كما ينبغي للأحزاب أن تلتزم بالإشارة بوضوح إلى المحتويات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي أو التي جرى تعديلها بواسطته، والكشف للعموم عن مصادر تمويل الحملات الرقمية، والامتناع عن استخدام حسابات وهمية أو شهادات زائفة أو وثائق جرى التلاعب بها ضد الخصوم. وفي هذا المجال، ينبغي أن تبدأ المسؤولية من القدوة والممارسة النموذجية.
فتكوين المواطنين لا يعني إخبارهم بما ينبغي أن يفكروا فيه، وإنما منحهم الوسائل التي تمكنهم من طرح الأسئلة الصحيحة: من نشر هذه المعلومة؟ ما مصدرها؟ هل يمكن التأكد منها؟ هل تعكس الصورة فعلًا الحدث الذي يتم تقديمها على أنها مرتبطة به؟ وهل يسعى هذا المحتوى إلى تقديم معلومة، أم إلى مجرد إثارة رد فعل فوري؟
فالديمقراطية لا تقوم فقط على تنظيم الانتخابات، بل تعتمد أيضًا على جودة المعلومات التي تمكن الناخبين من اتخاذ قراراتهم واختيار ممثليهم، فالمواطن الذي يتوفر على معلومات موثوقة ويملك حسًا نقديًا يكون أقل عرضة للتضليل أو الانقسام أو التلاعب.
وفي شتنبر 2026، لن يكون على الناخبين أن يسألوا الأحزاب فقط عما تعتزم القيام به في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة، بل سيكون عليهم أيضًا طرح سؤال أساسي عليها : ماذا تقترحون لحماية النقاش الديمقراطي من التلاعب والتضليل عبر الإنترنت؟
لأن المعلومة الكاذبة، عندما تقوض الثقة الجماعية، تجعل من المستحيل على أي مؤسسة أو أي حزب أو أي مواطن أن يعتبر نفسه خارج دائرة المشكلة. وفي هذه المواجهة، الجميع معني، وعلى كل طرف أن يتحمل نصيبه من المسؤولية.
الرئيسية















