آخر الأخبار

هدر الطعام في المغرب.. حين تتغلب العادات الاستهلاكية على مستوى الدخل


لم يعد هدر الطعام في المغرب مجرد سلوك فردي عابر، بل بات ظاهرة تستحق قراءة أعمق في ظل ما تفرضه التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من تحديات مرتبطة بالاستهلاك وتدبير الموارد. وفي هذا السياق، تكشف دراسة ميدانية شملت 442 شخصاً بمدينة القنيطرة أن مستوى دخل الأسر ليس العامل الأكثر حسماً في تفسير هدر الأغذية، بقدر ما ترتبط الظاهرة بعادات الشراء والإعداد والحفظ.



وتضع هذه الخلاصة قضية هدر الطعام أمام زاوية مختلفة، إذ تنقل النقاش من سؤال «كم نملك؟» إلى سؤال أكثر دقة: كيف نستهلك؟ فطريقة تدبير الأسرة لمشترياتها، وحجم الكميات التي تقتنيها، وكيفية إعداد الوجبات وحفظ ما تبقى منها، تبدو عوامل أكثر تأثيراً في تحديد حجم الطعام المهدور.

عادات تبدأ من السوق

يبدأ جزء من هدر الطعام قبل أن يصل الغذاء إلى المطبخ. فالتسوق دون تخطيط مسبق، واقتناء كميات تفوق الحاجة، والانجذاب إلى العروض التجارية، أو شراء المنتجات بدافع الرغبة الآنية، كلها ممارسات قد تنتهي بتراكم أغذية لا تجد طريقها إلى الاستهلاك.

وفي المقابل، يمكن للتخطيط البسيط للمشتريات أن يحدث فرقاً واضحاً. فقائمة تسوق مرتبطة بحاجات الأسرة الفعلية، ومعرفة ما هو موجود مسبقاً في المنزل، وتقدير الكميات وفق عدد أفراد الأسرة، كلها خطوات تبدو بسيطة، لكنها قادرة على الحد من الهدر.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الدراسة: مكافحة الهدر لا تتطلب دائماً إنفاقاً أقل، وإنما تتطلب إنفاقاً أكثر وعياً.

 من المائدة إلى سلة النفايات

ولا يتوقف الأمر عند مرحلة الشراء، إذ تلعب طريقة إعداد الطعام دوراً أساسياً في تحديد ما سيتم استهلاكه وما سينتهي به المطاف في النفايات.

فإعداد كميات تفوق الحاجة، وعدم التخطيط لاستعمال بقايا الوجبات، أو التخلص منها لمجرد أنها فقدت جزءاً من جاذبيتها، كلها سلوكيات تساهم في تكريس الظاهرة. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الطعام غير صالح للاستهلاك، وإنما لم يعد يحظى بالاهتمام نفسه الذي كان يحظى به عند تحضيره لأول مرة.

وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في النظرة إلى بقايا الطعام، من خلال اعتماد ممارسات منزلية أكثر عقلانية، سواء بإعادة استخدامها في وجبات جديدة أو حفظها بالشكل الملائم لاستهلاكها لاحقاً.

 التخزين.. الحلقة التي لا تحظى بما يكفي من الانتباه

يمثل حفظ الأغذية وتخزينها بدوره عاملاً مهماً في الحد من الهدر. فعدم احترام شروط التخزين المناسبة أو نسيان المنتجات داخل الثلاجة أو الخزائن قد يؤدي إلى تلفها قبل استهلاكها.

ومن شأن تنظيم المشتريات وفق تواريخ الصلاحية، وترتيب المنتجات بطريقة تسهل رؤيتها واستخدامها، والتمييز بين تاريخ انتهاء الصلاحية وبعض مؤشرات الجودة المرتبطة بالمنتج، أن يساعد الأسر على تقليص كميات كبيرة من الأغذية التي يتم التخلص منها دون ضرورة.

وبذلك، فإن مكافحة الهدر تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، من رفوف المطبخ والثلاجة إلى طريقة إعداد الوجبات وتدبير ما يتبقى منها.

 الدخل ليس وحده المحدد

تكمن أهمية الدراسة في كونها تتحدى التصور البسيط الذي يربط هدر الطعام مباشرة بمستوى الدخل. فالسلوك الاستهلاكي لا يتحدد دائماً بالقدرة المالية، وإنما يتأثر أيضاً بالعادات الأسرية والثقافة الغذائية وطريقة التخطيط للمشتريات.

قد تقتني أسرة ذات دخل محدود كميات أكبر من حاجتها فتتعرض بعض الأغذية للتلف، في حين تستطيع أسرة أخرى، مهما كان مستوى دخلها، الحد من الهدر من خلال التخطيط الجيد وإدارة مخزونها الغذائي بفعالية.

وهذا المعطى يجعل التوعية وتغيير السلوك جزءاً أساسياً من أي سياسة ترمي إلى الحد من الظاهرة، إلى جانب الإجراءات الاقتصادية والمؤسساتية.

كلفة تتجاوز ثمن الطعام

ولأن الطعام لا يصل إلى مائدة الأسرة من دون استهلاك موارد عديدة، فإن هدره يحمل كلفة تتجاوز بكثير السعر الذي دفعه المستهلك عند اقتنائه.

فإنتاج الغذاء يرتبط باستهلاك الماء والطاقة والأراضي والموارد البشرية، كما يتطلب نقله وتخزينه وتوزيعه قبل أن يصل إلى المستهلك. وعندما ينتهي جزء من هذا الغذاء في النفايات دون أن يتم استهلاكه، تكون الموارد التي ساهمت في إنتاجه قد استُنزفت دون تحقيق الغاية المرجوة منها.

كما أن النفايات الغذائية تطرح تحديات بيئية مرتبطة بجمع النفايات ومعالجتها وتثمينها، ما يجعل الحد من الهدر جزءاً من النقاش الأوسع حول الاستدامة وحسن تدبير الموارد.

 نحو ثقافة جديدة للاستهلاك

تفرض هذه المعطيات إعادة التفكير في علاقتنا اليومية بالطعام. فمواجهة الهدر لا تبدأ بالضرورة من إجراءات معقدة، وإنما من تغيير مجموعة من السلوكيات الصغيرة والمتكررة: التخطيط للمشتريات، شراء ما يكفي فقط، إعداد كميات مناسبة، تنظيم الثلاجة، حفظ الأغذية بطريقة سليمة، والاستفادة من بقايا الوجبات.

غير أن المسؤولية لا تقع على الأسر وحدها. فالمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والفاعلون في قطاع الأغذية، جميعهم قادرون على المساهمة في بناء ثقافة استهلاك أكثر وعياً.

كما أن تعزيز التربية على الاستهلاك المسؤول منذ سن مبكرة يمكن أن يجعل من الحد من هدر الطعام قيمة اجتماعية راسخة، لا مجرد نصيحة ظرفية مرتبطة بارتفاع الأسعار أو الأزمات الاقتصادية.

 معركة تبدأ من العادات اليومية

في المحصلة، تقدم الدراسة المنجزة بمدينة القنيطرة مؤشراً مهماً على أن هدر الطعام في المغرب لا يمكن اختزاله في العامل الاقتصادي أو في مستوى دخل الأسر. فالسلوك اليومي، بدءاً من التسوق ووصولاً إلى إعداد الطعام وحفظه، يشكل جزءاً أساسياً من تفسير هذه الظاهرة.

وبقدر ما تكشف هذه الخلاصة عن حجم التحدي، فإنها تفتح في المقابل باباً للحل، إذ إن تغيير العادات الاستهلاكية يظل ممكناً، ولا يحتاج دائماً إلى موارد إضافية بقدر ما يحتاج إلى وعي وتخطيط ومسؤولية.

فكل وجبة يتم إعدادها وفق الحاجة، وكل منتج يتم اقتناؤه بوعي، وكل فائض تتم الاستفادة منه بدل التخلص منه، يمثل خطوة صغيرة نحو تقليص الهدر.

وفي مجتمع يتطلع إلى استهلاك أكثر استدامة وحسن تدبير موارده، قد يكون التحدي الحقيقي ليس في قدرتنا على شراء المزيد، وإنما في قدرتنا على استهلاك ما نشتريه بذكاء، واحترام قيمة الغذاء من لحظة اقتنائه إلى آخر لقمة منه.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 9 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...




ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.25 (9)
WhatsApp Image 2026-01-22 at 16.12.54
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.31.00 (2)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.08
WhatsApp Image 2026-02-04 at 09.50.48 (1)
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.19.29 (2)
16
b04cc322-8baf-4172-b770-90c397642eb7
WhatsApp Image 2026-04-29 at 12.29.37 (2)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.27 (1)
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.18.45
3
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.13
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58
WhatsApp Image 2026-02-12 at 12.03.34 (4)
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.54.48 (1)
WhatsApp Image 2025-12-05 at 17.34.09 (1)
WhatsApp Image 2026-06-30 at 17.37.42
WhatsApp Image 2025-12-05 at 17.34.08
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (8)
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24 (1)
WhatsApp Image 2026-02-12 at 12.03.34 (7)
WhatsApp Image 2026-02-04 at 09.50.48 (4)
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.14 (1)
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.14 (3)
WhatsApp Image 2025-11-28 at 17.35.59
WhatsApp Image 2026-06-08 at 15.44.51
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-04-30 at 11.08.41 (1)
WhatsApp Image 2026-03-12 at 11.27.28
WhatsApp Image 2026-04-14 at 16.06.38 (1)
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.18.07
WhatsApp Image 2026-04-01 at 15.23.23 (3)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.33
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.34 (1)




Buy cheap website traffic