وطني مستقبلي

الرياضة في صلب المشروع التنموي: دعوة إلى عدالة رياضية تجعل من كل موهبة فرصة ومن كل مجال ترابي فضاءً للإقلاع


احتضنت مدينة العرائش اللقاء الجهوي الأول لرابطة الرياضيين الاستقلاليين، المنظم تحت شعار «إقلاع متواصل لضمان رياضة جهوية شاملة»، في لقاء اتخذ من واقع الرياضة الوطنية وآفاق تطويرها محوراً لنقاش سياسي ومجتمعي، تجاوز المقاربة التقليدية التي تختزل القطاع في المنشآت والتجهيزات والبطولات، نحو رؤية تعتبر الرياضة جزءاً من المشروع التنموي للمملكة.



لقاء جهوي لرابطة الرياضيين الاستقلاليين بالعرائش يفتح النقاش حول مستقبل الرياضة الوطنية، ويطالب بسياسة رياضية متكاملة تجعل الرياضة حقاً لكل مواطن ورافعة للتنمية وخلق فرص الشغل

وترأس اللقاء، الأمين العام لحزب الاستقلال، الدكتور نزار بركة، والذي عرف مشاركة محمد الوردي، رئيس الرابطة، و الدكتور عبد الواحد الفاسي، رئيس لجنة الأخلاقيات والسلوك، إلى جانب عبد الله البقالي، عضو اللجنة التنفيذية، و الدكتور خالد لحلو، رئيس رابطة الأطباء الاستقلاليين، فضلاً عن أعضاء المكتب التنفيذي للرابطة وعدد من ممثلي تنظيمات الحزب والفعاليات الاستقلالية والرياضية.

الرياضة.. أكثر من ملاعب وبطولات

وفي كلمته بالمناسبة، أكد الأمين العام، أن الرياضة لم تعد قضية هامشية أو قطاعاً ثانوياً ضمن جدول الأعمال الوطني، بالنظر إلى الأدوار المتعددة التي أصبحت تضطلع بها اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، معتبرا أن المغرب في حاجة اليوم إلى سياسة رياضية واضحة المعالم وشاملة الأبعاد، تنتقل بالقطاع من منطق تدبير المنشآت وتنظيم المنافسات إلى الاستثمار في الاقتصاد الرياضي باعتباره قطاعاً منتجاً للقيمة ومولداً لفرص الشغل.

فالرياضة، وفق هذه الرؤية، ليست مجرد ملاعب وتجهيزات أو بطولات ولحظات للفرح الجماعي، وإنما هي مشروع مجتمعي وحق من حقوق الإنسان ورافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن كونها إحدى آليات الارتقاء الاجتماعي وبناء الثقة بالنفس وترسيخ قيم الانضباط والاحترام والتضامن.

كما أن الرياضة تؤدي وظيفة مهمة في تعزيز الانتماء الوطني والترابي، وتوفر، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، مجالاً لإعادة التوازن بين الواقع المعيش والعالم الافتراضي، في وقت أصبحت فيه الحياة الرقمية تستحوذ على جانب متزايد من يوميات الأجيال الجديدة.

من ثقافة الخوف من الفشل إلى ثقافة المحاولة

وتوقفت المداخلة عند جانب لا يحظى دائماً بما يستحقه من اهتمام، يتعلق بالعلاقة بين الرياضة وثقافة النجاح والفشل. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، ينظر إلى الفشل باعتباره نهاية، بينما تكمن قيمة التجربة في القدرة على المحاولة والتعلم من الإخفاق والعودة من جديد.

وفي هذا السياق، تشكل الرياضة مدرسة حقيقية لبناء الشخصية، لأنها تعلم الشباب أن النجاح ليس نتيجة فورية، وإنما ثمرة للعمل والمثابرة والانضباط والقدرة على النقد الذاتي وتجاوز العثرات.

الرياضة.. رصيد من الرأسمال اللامادي للمملكة

وأصبحت الرياضة الوطنية، في السنوات الأخيرة، جزءاً من الرأسمال اللامادي للمملكة، بالنظر إلى دورها في تعزيز الإشعاع الدولي للمغرب وتقديم صورة إيجابية عن قدراته البشرية والتنظيمية.

وقد شكل الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني لكرة القدم خلال كأس العالم 2022 محطة فارقة في هذا المسار، لما خلفه من أثر كبير في تعزيز حضور المغرب في الوعي الرياضي الدولي.

كما أن احتضان المملكة لكأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يمثل ثمرة للثقة الدولية التي تحظى بها بلادنا باعتبارها منصة قادرة على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية العالمية، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

غير أن هذه الدينامية، وفق التصور المطروح، ينبغي ألا تختزل في كرة القدم وحدها، بل يتعين تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء المنظومة الرياضية الوطنية على أسس أكثر شمولاً وعدالة ونجاعة.

تفاوتات مجالية تستدعي سياسة رياضية أكثر عدالة

وفي معرض تشخيص واقع الرياضة الوطنية، تم التوقف عند التفاوتات المسجلة في الدعم الموجه إلى الجامعات الرياضية، رغم ما تزخر به المملكة من كفاءات وأطر ومهارات قادرة على تحقيق نتائج كبيرة.

كما تم تسليط الضوء على الفوارق القائمة بين المدن الكبرى والمناطق القروية والمدن الصغرى، سواء على مستوى البنيات الرياضية أو التجهيزات أو فرص الاستفادة من الممارسة الرياضية.

ومن هذا المنطلق، يطرح حزب الاستقلال ضرورة الانتقال من سياسة رياضية تركز أساساً على المنشآت إلى منظومة متكاملة تجعل المواطن في صلب السياسات الرياضية، وتضمن حق مختلف الفئات والمجالات الترابية في ممارسة الرياضة.

فصل الرياضة عن التعليم.. وإعادة ترتيب الأولويات

ومن بين القضايا التي حضرت بقوة في النقاش، مسألة تدبير القطاع الرياضي، حيث تم التأكيد على أن الجمع بين قطاعي التعليم والرياضة داخل وزارة واحدة يطرح إشكالات حقيقية، بالنظر إلى حجم التحديات التي تواجه كل قطاع على حدة.

ويأتي هذا الطرح في سياق وطني يعرف فيه التعليم بدوره تحديات كبرى، تعكسها مؤشرات ونتائج دولية، من بينها نتائج المغرب في برنامج التقييم الدولي للتلاميذ «بيزا».

والرهان، في هذا السياق، يتمثل في منح الرياضة مكانتها الخاصة داخل السياسات العمومية، باعتبارها قطاعاً قائماً بذاته، يحتاج إلى رؤية وحكامة وتمويل وكفاءات وبرامج واضحة.

العالم القروي.. خزّان للمواهب الرياضية

وشكل العالم القروي أحد المحاور الأساسية في التصور المقترح لإصلاح المنظومة الرياضية. فقد تمت الإشارة إلى أن حكومة عباس الفاسي كانت سباقة إلى إطلاق سياسة ملاعب القرب، التي شكلت آنذاك خطوة مهمة في تقريب الممارسة الرياضية من المواطنين.

لكن المرحلة المقبلة، وفق التصور ذاته، تقتضي الذهاب أبعد من ملاعب القرب، عبر إحداث فضاءات ومراكز رياضية متعددة التخصصات في المناطق القروية، بما يسمح باكتشاف المواهب في سن مبكرة ومواكبتها والاستثمار في قدراتها.

وفي السياق نفسه، تم اقتراح تطوير الرياضات الجبلية، ومن بينها رياضة الدراجات، عبر إحداث مسارات رياضية وسياحية يمكن أن تربط بين طنجة وتطوان وشفشاون ووزان والعرائش، في مشروع يمتد، على سبيل المثال، إلى نحو ألف كيلومتر، بما يجمع بين الرياضة والسياحة والتنمية الترابية.

كما تم التأكيد على أهمية القوافل الرياضية المتنقلة لإيصال الرياضة إلى الدواوير والمناطق المعزولة، واكتشاف الطاقات الشابة التي لا تتوفر دائماً على الوسائل أو البنيات التي تمكنها من إبراز مواهبها.

المدرسة.. المشتل الأول للمواهب

أما التحول الثاني المقترح، فيتمثل في وضع الرياضة في قلب المدرسة، من خلال تطوير التربية البدنية، وتعزيز المنافسات الرياضية المدرسية، وتوسيع الشراكات مع الأندية.

فالمدرسة، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن تكون فضاءً للتعلم الأكاديمي فقط، وإنما مشتلاً لاكتشاف الكفاءات والمواهب الرياضية الوطنية منذ سن مبكرة.

وتبرز هنا الحاجة إلى خارطة طريق واضحة لاكتشاف الرياضيين ومواكبتهم، بما يضمن عدم اضطرار الشباب إلى الاختيار بين مواصلة الدراسة وتحقيق طموحاتهم الرياضية، بل تمكينهم من الجمع بين المسارين في إطار منظومة متكاملة.

الحكامة والتمويل.. الدعم مقابل النتائج

ولا يكتمل إصلاح الرياضة من دون إعادة النظر في الحكامة داخل المؤسسات والجامعات الرياضية، فضلاً عن مراجعة آليات التمويل.

وفي هذا الإطار، يدعو حزب الاستقلال إلى ربط الدعم العمومي بالنتائج والأهداف القابلة للقياس، حتى يصبح التمويل العمومي أداة لتحفيز الأداء وتحقيق النجاعة، وليس مجرد اعتمادات مالية لا تقترن دائماً بمؤشرات واضحة للمردودية.

ويوازي ذلك ضرورة الانتقال إلى نموذج اقتصادي جديد في المجال الرياضي، يقوم على الاستثمار في الرياضة باعتبارها قطاعاً منتجاً للقيمة وفرص الشغل، وليس مجرد مجال للإنفاق العمومي.

ما بعد الملاعب.. اقتصاد رياضي وفرص جديدة

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في أفق كأس العالم 2030، الذي يمثل بالنسبة إلى المغرب فرصة تاريخية لتسريع وتيرة تطوير البنيات والتجهيزات الرياضية.

غير أن الاستفادة من هذه الدينامية لا ينبغي أن تقتصر على المدن الست التي ستحتضن مباريات كأس العالم، بل ينبغي أن تمتد آثارها إلى مختلف المجالات الترابية، انسجاماً مع التوجهات الملكية الرامية إلى تحقيق تنمية متوازنة.

كما أن الاستثمارات المرتبطة بهذه المحطة العالمية ينبغي ألا تنحصر في ملاعب كرة القدم، بل يتعين توجيه جزء منها نحو إحداث وتطوير فضاءات رياضية متعددة الوظائف، من قبيل القاعات المغطاة والمراكز الرياضية المتخصصة، بما يفتح المجال أمام الشباب لممارسة مختلف الرياضات.

شباب 2030.. من المتفرج إلى الفاعل

ويطرح تنظيم كأس العالم 2030 أيضاً تحدياً يتعلق بإعداد الشباب المغربي لهذه المحطة الكبرى، ليس فقط باعتبارهم جمهوراً ومشجعين، وإنما باعتبارهم فاعلين ومستفيدين من الفرص الاقتصادية والاجتماعية والمهنية التي ستوفرها التظاهرة.

ومن هنا تبرز أهمية تمكين الشباب من اللغات، وتطوير مهاراتهم، وفتح آفاق جديدة أمامهم في مختلف المهن المرتبطة بالرياضة والسياحة والتنظيم والخدمات، إلى جانب الاستثمار في المواهب الرياضية نفسها.

رد الاعتبار للرياضيين بعد الاعتزال

وفي ختام اللقاء، تم التأكيد على ضرورة تثمين الكفاءات الرياضية الوطنية والرياضيين المغاربة، خصوصاً أولئك الذين يجدون أنفسهم، بعد نهاية مساراتهم الرياضية، أمام واقع اجتماعي ومهني لا يعكس حجم ما قدموه من عطاء.

فالاستثمار في الرياضة، لا يكتمل فقط بصناعة الأبطال، وإنما يقتضي أيضاً توفير منظومة لمواكبتهم بعد الاعتزال، وتحويل خبراتهم وتجاربهم إلى رأسمال بشري تستفيد منه الأجيال المقبلة.

وقد تميز اللقاء بتكريم نخبة من الرياضيين المغاربة الذين بصموا على مسارات متميزة ورفعوا العلم الوطني في مختلف المحافل، في التفاتة تحمل أكثر من دلالة، مفادها أن الاعتراف بالإنجاز الرياضي ينبغي أن يكون جزءاً أصيلاً من الثقافة الرياضية الوطنية.

رياضة للجميع.. وعدالة في الفرص

في المحصلة، حمل اللقاء الجهوي الأول لرابطة الرياضيين الاستقلاليين بالعرائش رسالة واضحة: الرهان لم يعد فقط على بناء الملاعب، وإنما على بناء منظومة رياضية عادلة وشاملة ومستدامة.

منظومة تجعل الرياضة حقاً لكل مواطن، وفرصة لكل موهبة، ومجالاً للارتقاء الاجتماعي، وقطاعاً اقتصادياً منتجاً، ورافعة للتنمية المجالية، وأداة لتعزيز الانتماء الوطني والترابي.

وبين استحقاق كأس العالم 2030، والحاجة إلى تقليص الفوارق المجالية، واكتشاف المواهب، وإصلاح الحكامة والتمويل، يبدو أن المغرب يقف أمام فرصة لإعادة صياغة علاقته بالرياضة، والانتقال بها من ثقافة الإنفاق على الرياضة إلى ثقافة الاستثمار في الرياضة، ومن منطق البطولة العابرة إلى مشروع رياضي وطني مستدام.

يمكن تصفّح البرنامج الانتخابي بلا حدود أو تحميله أدناه


Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 9 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...




ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59 (9)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.33 (1)
20
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-04-29 at 12.29.37 (3)
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.34 (1)
WhatsApp Image 2026-01-22 at 16.12.55
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.10 (1)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59 (5)
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.54.46 (1)
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.18.34
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.26 (1)
WhatsApp Image 2025-11-28 at 16.48.08 (1)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.11
WhatsApp Image 2026-06-18 at 12.45.53 (3)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (6)
16
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (1)
25
WhatsApp Image 2026-07-14 at 15.23.30
WhatsApp Image 2026-04-10 at 14.15.57
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.25 (2)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59
WhatsApp Image 2026-09-04 at 13.01.26
22
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.34
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.08 (1)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.13 (1)
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24 (4)
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.36 (2)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.26 (3)
WhatsApp Image 2026-09-04 at 13.01.25
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.36
WhatsApp Image 2026-05-15 at 17.17.53 (1)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.27 (8)




Buy cheap website traffic