في خضم الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يطرح حزب الاستقلال برنامجه الانتخابي تحت شعار «وطني، مستقبلي»، في صيغة تسعى إلى الجمع بين بعدين متلازمين: الانتماء إلى الوطن بما يحمله من هوية وذاكرة وقيم، والتطلع إلى مستقبل يضع المواطن في قلب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب والعالم.
ولا يقدم البرنامج نفسه باعتباره مجرد قائمة من الوعود الانتخابية، بل ينتظم حول 99 إجراءً موزعة على خمسة محاور كبرى، تتقاطع في ما بينها لتشكيل رؤية سياسية ومجتمعية تمتد من الأسرة والقدرة الشرائية إلى الخدمات العمومية والنزاهة والسيادة الاستراتيجية.
وبعيدًا عن تعداد الإجراءات، تكشف القراءة المتأنية للبرنامج عن محاولة لبناء معادلة تقوم على ثلاث كلمات مفتاحية: الحماية، والثقة، والقدرة على الفعل.
عالم جديد يعيد تعريف مفهوم السيادة
ينطلق التصور من تشخيص للتحولات العميقة التي أعادت تشكيل البيئة الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد كشفت الأزمات الصحية والحروب والتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد أن عددًا من المسلمات التي قامت عليها العولمة لم تعد مستقرة كما كانت.
فالانفتاح على الأسواق لم يعد يضمن وحده استمرارية الإمدادات، والطاقة تحولت إلى عنصر من عناصر الأمن الوطني، بينما أصبح الماء والغذاء في صلب النقاش حول مستقبل الدول وقدرتها على الصمود.
وفي المقابل، تفرض الثورة التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أسئلة جديدة حول مستقبل العمل والمهارات والمهن. ولم يعد كافيًا خلق فرص الشغل بالمعنى التقليدي، بل أصبح التحدي يتمثل أيضًا في إعداد الأجيال الجديدة لوظائف لم تتشكل ملامحها كاملة بعد.
من هنا يوسع البرنامج مفهوم السيادة ليشمل الاقتصاد والطاقة والماء والغذاء والصحة والصناعة والتكنولوجيا والبيانات والأمن السيبراني. فالسيادة، وفق هذا التصور، لا تعني الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي، وإنما امتلاك هامش أوسع من الاستقلالية يسمح للمغرب باتخاذ قراراته وتقليص نقاط هشاشته أمام الصدمات الخارجية.
أزمة الثقة.. التحدي الموازي
لكن التحولات الخارجية ليست وحدها التي تشكل خلفية البرنامج. فثمة تحدٍّ داخلي أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن: أزمة الثقة.
الثقة في المؤسسات المنتخبة، وفي العمل السياسي، وفي الهيئات الوسيطة، وفي قدرة السياسات العمومية على إحداث تغيير ملموس، خصوصًا لدى فئة الشباب، أصبحت عنصرًا أساسيًا في تقييم أي مشروع سياسي.
ومن هذا المنطلق، لا تقاس قيمة الالتزام بحجم الوعود التي يحملها، وإنما بمدى قابليته للإنجاز والقياس والتتبع. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى إعلان النوايا، بل إلى نتائج واضحة يستطيع لمسها في التعليم والصحة والشغل والسكن والقدرة الشرائية والإدارة.
وهنا تلتقي مكافحة الفساد مع السياسات الاجتماعية والاقتصادية، إذ لا يمكن بناء الثقة في المؤسسات من دون شفافية ومساءلة ومساواة في تطبيق القواعد.
«وطني، مستقبلي».. الشعار بوصفه مفتاحًا للبرنامج
يحمل شعار «وطني، مستقبلي» دلالة تتجاوز البعد الانتخابي المباشر.
فـ«وطني» تحيل إلى الهوية والانتماء والوحدة الوطنية والترابية والقيم الجامعة، بينما تحيل «مستقبلي» إلى تطلع المواطن إلى حياة أفضل، وإلى مغرب قادر على توفير فرص أكثر عدالة للأجيال المقبلة.
وبذلك يحاول البرنامج الجمع بين مستويين غالبًا ما يتم التعامل معهما بشكل منفصل: قوة الدولة من جهة، وتحسين حياة المواطن من جهة أخرى.
فلا معنى لسيادة استراتيجية لا تنعكس على حياة المواطنين، كما أن التنمية الاجتماعية تظل محدودة الأثر إذا لم تستند إلى اقتصاد قوي ومؤسسات فعالة وقدرة وطنية على مواجهة التحولات.
خمسة التزامات.. و99 إجراءً
يترجم حزب الاستقلال هذه الرؤية في خمسة التزامات كبرى، تشكل الهيكل السياسي للبرنامج.
الأول يتعلق بالحفاظ على منظومة القيم وتعزيز تماسك الأسرة، والثاني بحماية القدرة الشرائية وترسيخ مكانة الطبقة الوسطى، والثالث بتحسين جودة الخدمات العمومية في إطار الدولة الاجتماعية، والرابع بمكافحة الفساد والريع وتضارب المصالح، فيما يركز الخامس على تعزيز السيادة الاستراتيجية للمغرب.
ووفق البرنامج، تتوزع الإجراءات الـ99 على هذه المحاور بما يجعلها مترابطة أكثر مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
فالأسرة ترتبط بالاستقرار الاجتماعي، والقدرة الشرائية بالتماسك الاقتصادي، والمرفق العمومي بالعدالة الاجتماعية والمجالية، والنزاهة بالثقة، بينما ترتبط السيادة بقدرة الدولة على حماية خياراتها ومصالحها الحيوية.
الأسرة.. من المجال الاجتماعي إلى فضاء للحماية
يخصص البرنامج 22 إجراءً للمحور المتعلق بالقيم والأسرة، في مقاربة لا تنظر إلى الأسرة باعتبارها مجرد وحدة اجتماعية، وإنما باعتبارها فضاءً للتنشئة والحماية ونقل القيم والتضامن بين الأجيال.
وتتوزع المقترحات بين دعم المحتوى الرقمي الوطني، وتعزيز مكانة اللغتين العربية والأمازيغية، وإحداث «مدرسة الانتماء»، ودعم الشباب المقبلين على الزواج، وتطوير الوساطة الأسرية، وتعزيز خدمات الحضانة، ومواكبة الأسر في تكاليف التعليم ورعاية الأطفال.
كما يمتد المحور إلى ملفات الإدمان والصحة النفسية، من خلال تطوير طب الإدمان، وإطلاق برنامج «حنا معاك» للفرصة الثانية، وإعداد خريطة وطنية للصحة النفسية وإحداث مراكز جهوية متخصصة.
واللافت هنا أن الأسرة تُقرأ ضمن البرنامج من زاوية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها القيم مع الاقتصاد والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
القدرة الشرائية.. حماية الطبقة الوسطى
في المحور الثاني، ينتقل البرنامج إلى واحدة من أكثر القضايا التصاقًا بالحياة اليومية: القدرة الشرائية.
ولا يقتصر التصور على رفع مداخيل الأسر، بل يحاول أيضًا التدخل في آليات تشكل الأسعار وهوامش الربح، من خلال مقترحات تتعلق بتنظيم شراء وتخزين وتوزيع المنتجات الزراعية والغذائية، واعتماد آليات أكثر شفافية لتتبع هوامش الربح في المواد الاستهلاكية الأساسية.
كما يقترح الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وإصلاح أنظمة التقاعد، ودعم ريادة الأعمال النسائية والعمل عن بُعد، إلى جانب وضع تصور لتعزيز الطبقة الوسطى في أفق 2031.
ويحضر السكن بدوره باعتباره أحد المحددات الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، عبر دعم اقتناء السكن الأول، وتعبئة العقار العمومي، ومحاربة المضاربة العقارية، وتطوير صيغ للكراء أو التملك التدريجي.
لكن الرهان الأكبر يظل في كيفية تحويل مفهوم «الطبقة الوسطى» من عنوان سياسي إلى هدف قابل للقياس، عبر مؤشرات واضحة تحدد تطور الدخل ومستوى المعيشة والقدرة على الادخار والولوج إلى السكن والخدمات.
«لا تراجع».. المرفق العمومي في قلب الدولة الاجتماعية
بـ25 إجراءً، يشكل محور المرفق العمومي أوسع محاور البرنامج.
ويقوم هذا المحور على مبدأ واضح: عدم التراجع عن مستوى الخدمات العمومية، خصوصًا في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
في التعليم، يقترح البرنامج تعزيز الإنصاف المجالي، والارتقاء بتكوين المدرسين، والكشف المبكر عن الانقطاع الدراسي، وتعميم التعليم الأولي المجاني، إلى جانب تطوير التعلم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتعزيز اللغات ومهارات القرن الحادي والعشرين.
أما في الصحة، فتتضمن المقترحات إحداث وكالة وطنية للطوارئ الصحية، وإعادة النظر في حكامة المستشفيات، وتقوية الرعاية الصحية الأولية، واعتماد مسار علاجي أكثر تنسيقًا.
ويحتل الشباب مكانة بارزة ضمن هذا المحور، من خلال مقترحات مرتبطة بالتجربة المهنية الأولى، وبرنامج «آفاق»، وبرنامج «بداية» لدعم التنقل، ومبادرة «100 ألف موهبة رقمية»، إضافة إلى الخدمة المدنية التطوعية.
وتتجمع هذه الإجراءات حول فكرة أساسية: أن الدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق، وإنما بجودة الخدمة التي تصل فعليًا إلى المواطن.
«صفر تسامح».. معركة استعادة الثقة
في المحور الرابع، يرفع البرنامج سقف الخطاب السياسي بإعلان مبدأ «صفر تسامح» مع الفساد والريع وتضارب المصالح، من خلال 16 إجراءً.
وتشمل المقترحات تعزيز ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع إطار قانوني لتضارب المصالح، وتعزيز التصريح بالمصالح والممتلكات، والتصدي للإثراء غير المشروع.
كما يتضمن التصور إجراءات مرتبطة بالمنافسة والاحتكار والدعم العمومي وحماية المستهلك، إلى جانب تعزيز دور مجلس المنافسة وربط الاستفادة من الدعم بمعايير أكثر وضوحًا.
وتبرز الرقمنة هنا كأداة للحكامة، عبر تعميم الإجراءات الرقمية، وإحداث منصات لضمان تكافؤ الفرص، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحسين الإدارة، وحماية المبلغين عن المخالفات.
غير أن قوة هذا الالتزام ستظل مرتبطة بمدى القدرة على تحويل شعار «صفر تسامح» إلى قواعد قابلة للتطبيق وآليات للمراقبة ونتائج يمكن التحقق منها.
السيادة الاستراتيجية.. من الشعار إلى سياسة عمومية
أما المحور الخامس، فيضم 20 إجراءً ويقدم أحد أكثر التصورات اتساعًا للسيادة.
فالمقصود ليس فقط السيادة الترابية أو الدبلوماسية، وإنما القدرة على التحكم في عناصر استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمغرب.
وتشمل الرؤية الماء والطاقة والغذاء والدواء والصناعة والتكنولوجيا والبيانات والأمن السيبراني، إلى جانب التخزين الاستراتيجي والدين الخارجي والربط بالمحيط الأطلسي.
ومن بين المقترحات إحداث «بوصلة وطنية للسيادة» لتحديد أوجه التبعية والحد منها، ووضع إطار للتخزين الاستراتيجي، واعتماد قاعدة «الماء أولًا»، ورفع نسبة الإنتاج المحلي في المشاريع الطاقية إلى 50 في المائة بحلول 2031، ومنح قيمة الإنتاج المنجز في المغرب وزنًا بنسبة 30 في المائة ضمن الصفقات العمومية.
كما يركز البرنامج على الانتقال بالصناعة الوطنية إلى مستويات أعلى من القيمة المضافة، خصوصًا في قطاعات السيارات والطيران والموارد المعدنية والصناعات الدفاعية، مع تطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية البيانات.
وفي هذا التصور، لا تصبح السيادة مرادفًا للاكتفاء الذاتي، بل قدرة على الاختيار وتقليص مواطن التبعية وتعزيز هامش القرار الوطني.
الشباب.. الاختبار الحقيقي للبرنامج
رغم أن الشباب يحضر ضمن عدد من الإجراءات، فإن مكانته تتجاوز حدود محور مستقل. فهو يوجد في قلب الأسئلة التي يطرحها البرنامج حول المستقبل.
السكن، والتشغيل، والتكوين، والمهارات الرقمية، والصحة النفسية، والتنقل، والمشاركة في الشأن العام، كلها قضايا تتقاطع في النهاية مع سؤال واحد: هل يستطيع الشاب المغربي بناء مشروع حياة داخل بلده؟
ولهذا، فإن نجاح البرنامج لن يقاس فقط بعدد الإجراءات التي ستدخل حيز التنفيذ، وإنما بمدى شعور الأجيال الجديدة بأن المغرب يوفر لها فرصًا حقيقية للدراسة والعمل والاستقرار والابتكار والمشاركة.
من «مغرب بسرعات متعددة» إلى مغرب أكثر إنصافًا
من أبرز الصور التي يقترحها البرنامج الانتقال من مغرب «بسرعات متعددة» إلى مغرب يسير بالسرعة نفسها.
ولا يعني ذلك توحيد خصوصيات الجهات أو فرض نموذج واحد عليها، وإنما تقليص الفوارق في الولوج إلى الحقوق والخدمات والفرص.
فالإنصاف المجالي في التعليم والصحة، وتوفير الخدمات في المناطق القروية والجبلية، ودعم التشغيل الجهوي، وتطوير التدبير المحلي، كلها تدخل في صميم هذا التصور.
ويبقى التحدي في تحويل العدالة المجالية من مبدأ عام إلى مؤشرات قابلة للقياس، حتى يصبح بالإمكان معرفة ما إذا كانت الفوارق بين المجالات تتراجع بالفعل.
من 99 إجراءً إلى سؤال التنفيذ
في النهاية، تكمن أهمية البرنامج في حجم ما يقترحه، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد مرحلة الإعلان.
فالإجراء السياسي لا يصبح سياسة عمومية ناجحة بمجرد إدراجه في برنامج انتخابي، بل يحتاج إلى تمويل واضح، وأولويات محددة، وآجال مضبوطة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ومؤشرات لقياس النتائج.
وهنا تبرز خمسة معايير حاسمة: قابلية التتبع، والانسجام المالي، والعدالة المجالية، والقدرة على التنفيذ، والأثر الفعلي على حياة المواطن.
فإحداث منصة أو وكالة أو صندوق لا يمثل في حد ذاته نجاحًا، كما أن الإعلان عن برنامج جديد لا يضمن بالضرورة تحقيق أهدافه. المقياس الأهم هو النتيجة: هل تحسن التعليم؟ هل أصبح العلاج أكثر سهولة؟ هل تحسنت القدرة الشرائية؟ هل أصبح السكن في متناول الشباب؟ هل تراجعت الفوارق المجالية؟ وهل استعادت المؤسسات جزءًا من ثقة المواطنين؟
«وطني، مستقبلي».. بين حماية الحاضر وصناعة الغد
تقدم القراءة الشاملة للبرنامج التشريعي لحزب الاستقلال تصورًا يتقاطع فيه الاجتماعي مع الاقتصادي، والوطني مع الاستراتيجي، والحاضر مع المستقبل.
فالالتزامات الخمسة، رغم اختلاف مجالاتها، تبدو مترابطة داخل معادلة واحدة: أسرة أكثر تماسكًا، مواطن أكثر حماية، خدمات عمومية أكثر جودة، مؤسسات أكثر نزاهة، ودولة أكثر قدرة على اتخاذ القرار.
وبذلك يصبح شعار «وطني، مستقبلي» أكثر من عنوان انتخابي؛ إنه محاولة لصياغة علاقة بين قوة الوطن ومستقبل المواطن.
غير أن المسافة بين البرنامج والواقع تظل هي الامتحان الحاسم. فـ99 إجراءً يمكن أن ترسم ملامح مشروع، لكن قيمتها السياسية والاجتماعية ستتحدد بقدرتها على الانتقال من الورق إلى التنفيذ، ومن الخطاب إلى النتيجة، ومن الوعود إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمغاربة.
وهنا تحديدًا تبدأ المراقبة الديمقراطية الحقيقية: أن تُقرأ البرامج لا فقط بما تعد به، وإنما بما تستطيع أن تنجزه، وأن تُقاس السياسات لا بجاذبية شعاراتها، بل بما تتركه من أثر في حياة المواطن.
ولا يقدم البرنامج نفسه باعتباره مجرد قائمة من الوعود الانتخابية، بل ينتظم حول 99 إجراءً موزعة على خمسة محاور كبرى، تتقاطع في ما بينها لتشكيل رؤية سياسية ومجتمعية تمتد من الأسرة والقدرة الشرائية إلى الخدمات العمومية والنزاهة والسيادة الاستراتيجية.
وبعيدًا عن تعداد الإجراءات، تكشف القراءة المتأنية للبرنامج عن محاولة لبناء معادلة تقوم على ثلاث كلمات مفتاحية: الحماية، والثقة، والقدرة على الفعل.
عالم جديد يعيد تعريف مفهوم السيادة
ينطلق التصور من تشخيص للتحولات العميقة التي أعادت تشكيل البيئة الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد كشفت الأزمات الصحية والحروب والتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد أن عددًا من المسلمات التي قامت عليها العولمة لم تعد مستقرة كما كانت.
فالانفتاح على الأسواق لم يعد يضمن وحده استمرارية الإمدادات، والطاقة تحولت إلى عنصر من عناصر الأمن الوطني، بينما أصبح الماء والغذاء في صلب النقاش حول مستقبل الدول وقدرتها على الصمود.
وفي المقابل، تفرض الثورة التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أسئلة جديدة حول مستقبل العمل والمهارات والمهن. ولم يعد كافيًا خلق فرص الشغل بالمعنى التقليدي، بل أصبح التحدي يتمثل أيضًا في إعداد الأجيال الجديدة لوظائف لم تتشكل ملامحها كاملة بعد.
من هنا يوسع البرنامج مفهوم السيادة ليشمل الاقتصاد والطاقة والماء والغذاء والصحة والصناعة والتكنولوجيا والبيانات والأمن السيبراني. فالسيادة، وفق هذا التصور، لا تعني الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي، وإنما امتلاك هامش أوسع من الاستقلالية يسمح للمغرب باتخاذ قراراته وتقليص نقاط هشاشته أمام الصدمات الخارجية.
أزمة الثقة.. التحدي الموازي
لكن التحولات الخارجية ليست وحدها التي تشكل خلفية البرنامج. فثمة تحدٍّ داخلي أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن: أزمة الثقة.
الثقة في المؤسسات المنتخبة، وفي العمل السياسي، وفي الهيئات الوسيطة، وفي قدرة السياسات العمومية على إحداث تغيير ملموس، خصوصًا لدى فئة الشباب، أصبحت عنصرًا أساسيًا في تقييم أي مشروع سياسي.
ومن هذا المنطلق، لا تقاس قيمة الالتزام بحجم الوعود التي يحملها، وإنما بمدى قابليته للإنجاز والقياس والتتبع. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى إعلان النوايا، بل إلى نتائج واضحة يستطيع لمسها في التعليم والصحة والشغل والسكن والقدرة الشرائية والإدارة.
وهنا تلتقي مكافحة الفساد مع السياسات الاجتماعية والاقتصادية، إذ لا يمكن بناء الثقة في المؤسسات من دون شفافية ومساءلة ومساواة في تطبيق القواعد.
«وطني، مستقبلي».. الشعار بوصفه مفتاحًا للبرنامج
يحمل شعار «وطني، مستقبلي» دلالة تتجاوز البعد الانتخابي المباشر.
فـ«وطني» تحيل إلى الهوية والانتماء والوحدة الوطنية والترابية والقيم الجامعة، بينما تحيل «مستقبلي» إلى تطلع المواطن إلى حياة أفضل، وإلى مغرب قادر على توفير فرص أكثر عدالة للأجيال المقبلة.
وبذلك يحاول البرنامج الجمع بين مستويين غالبًا ما يتم التعامل معهما بشكل منفصل: قوة الدولة من جهة، وتحسين حياة المواطن من جهة أخرى.
فلا معنى لسيادة استراتيجية لا تنعكس على حياة المواطنين، كما أن التنمية الاجتماعية تظل محدودة الأثر إذا لم تستند إلى اقتصاد قوي ومؤسسات فعالة وقدرة وطنية على مواجهة التحولات.
خمسة التزامات.. و99 إجراءً
يترجم حزب الاستقلال هذه الرؤية في خمسة التزامات كبرى، تشكل الهيكل السياسي للبرنامج.
الأول يتعلق بالحفاظ على منظومة القيم وتعزيز تماسك الأسرة، والثاني بحماية القدرة الشرائية وترسيخ مكانة الطبقة الوسطى، والثالث بتحسين جودة الخدمات العمومية في إطار الدولة الاجتماعية، والرابع بمكافحة الفساد والريع وتضارب المصالح، فيما يركز الخامس على تعزيز السيادة الاستراتيجية للمغرب.
ووفق البرنامج، تتوزع الإجراءات الـ99 على هذه المحاور بما يجعلها مترابطة أكثر مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
فالأسرة ترتبط بالاستقرار الاجتماعي، والقدرة الشرائية بالتماسك الاقتصادي، والمرفق العمومي بالعدالة الاجتماعية والمجالية، والنزاهة بالثقة، بينما ترتبط السيادة بقدرة الدولة على حماية خياراتها ومصالحها الحيوية.
الأسرة.. من المجال الاجتماعي إلى فضاء للحماية
يخصص البرنامج 22 إجراءً للمحور المتعلق بالقيم والأسرة، في مقاربة لا تنظر إلى الأسرة باعتبارها مجرد وحدة اجتماعية، وإنما باعتبارها فضاءً للتنشئة والحماية ونقل القيم والتضامن بين الأجيال.
وتتوزع المقترحات بين دعم المحتوى الرقمي الوطني، وتعزيز مكانة اللغتين العربية والأمازيغية، وإحداث «مدرسة الانتماء»، ودعم الشباب المقبلين على الزواج، وتطوير الوساطة الأسرية، وتعزيز خدمات الحضانة، ومواكبة الأسر في تكاليف التعليم ورعاية الأطفال.
كما يمتد المحور إلى ملفات الإدمان والصحة النفسية، من خلال تطوير طب الإدمان، وإطلاق برنامج «حنا معاك» للفرصة الثانية، وإعداد خريطة وطنية للصحة النفسية وإحداث مراكز جهوية متخصصة.
واللافت هنا أن الأسرة تُقرأ ضمن البرنامج من زاوية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها القيم مع الاقتصاد والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
القدرة الشرائية.. حماية الطبقة الوسطى
في المحور الثاني، ينتقل البرنامج إلى واحدة من أكثر القضايا التصاقًا بالحياة اليومية: القدرة الشرائية.
ولا يقتصر التصور على رفع مداخيل الأسر، بل يحاول أيضًا التدخل في آليات تشكل الأسعار وهوامش الربح، من خلال مقترحات تتعلق بتنظيم شراء وتخزين وتوزيع المنتجات الزراعية والغذائية، واعتماد آليات أكثر شفافية لتتبع هوامش الربح في المواد الاستهلاكية الأساسية.
كما يقترح الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وإصلاح أنظمة التقاعد، ودعم ريادة الأعمال النسائية والعمل عن بُعد، إلى جانب وضع تصور لتعزيز الطبقة الوسطى في أفق 2031.
ويحضر السكن بدوره باعتباره أحد المحددات الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، عبر دعم اقتناء السكن الأول، وتعبئة العقار العمومي، ومحاربة المضاربة العقارية، وتطوير صيغ للكراء أو التملك التدريجي.
لكن الرهان الأكبر يظل في كيفية تحويل مفهوم «الطبقة الوسطى» من عنوان سياسي إلى هدف قابل للقياس، عبر مؤشرات واضحة تحدد تطور الدخل ومستوى المعيشة والقدرة على الادخار والولوج إلى السكن والخدمات.
«لا تراجع».. المرفق العمومي في قلب الدولة الاجتماعية
بـ25 إجراءً، يشكل محور المرفق العمومي أوسع محاور البرنامج.
ويقوم هذا المحور على مبدأ واضح: عدم التراجع عن مستوى الخدمات العمومية، خصوصًا في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
في التعليم، يقترح البرنامج تعزيز الإنصاف المجالي، والارتقاء بتكوين المدرسين، والكشف المبكر عن الانقطاع الدراسي، وتعميم التعليم الأولي المجاني، إلى جانب تطوير التعلم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتعزيز اللغات ومهارات القرن الحادي والعشرين.
أما في الصحة، فتتضمن المقترحات إحداث وكالة وطنية للطوارئ الصحية، وإعادة النظر في حكامة المستشفيات، وتقوية الرعاية الصحية الأولية، واعتماد مسار علاجي أكثر تنسيقًا.
ويحتل الشباب مكانة بارزة ضمن هذا المحور، من خلال مقترحات مرتبطة بالتجربة المهنية الأولى، وبرنامج «آفاق»، وبرنامج «بداية» لدعم التنقل، ومبادرة «100 ألف موهبة رقمية»، إضافة إلى الخدمة المدنية التطوعية.
وتتجمع هذه الإجراءات حول فكرة أساسية: أن الدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق، وإنما بجودة الخدمة التي تصل فعليًا إلى المواطن.
«صفر تسامح».. معركة استعادة الثقة
في المحور الرابع، يرفع البرنامج سقف الخطاب السياسي بإعلان مبدأ «صفر تسامح» مع الفساد والريع وتضارب المصالح، من خلال 16 إجراءً.
وتشمل المقترحات تعزيز ربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع إطار قانوني لتضارب المصالح، وتعزيز التصريح بالمصالح والممتلكات، والتصدي للإثراء غير المشروع.
كما يتضمن التصور إجراءات مرتبطة بالمنافسة والاحتكار والدعم العمومي وحماية المستهلك، إلى جانب تعزيز دور مجلس المنافسة وربط الاستفادة من الدعم بمعايير أكثر وضوحًا.
وتبرز الرقمنة هنا كأداة للحكامة، عبر تعميم الإجراءات الرقمية، وإحداث منصات لضمان تكافؤ الفرص، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحسين الإدارة، وحماية المبلغين عن المخالفات.
غير أن قوة هذا الالتزام ستظل مرتبطة بمدى القدرة على تحويل شعار «صفر تسامح» إلى قواعد قابلة للتطبيق وآليات للمراقبة ونتائج يمكن التحقق منها.
السيادة الاستراتيجية.. من الشعار إلى سياسة عمومية
أما المحور الخامس، فيضم 20 إجراءً ويقدم أحد أكثر التصورات اتساعًا للسيادة.
فالمقصود ليس فقط السيادة الترابية أو الدبلوماسية، وإنما القدرة على التحكم في عناصر استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمغرب.
وتشمل الرؤية الماء والطاقة والغذاء والدواء والصناعة والتكنولوجيا والبيانات والأمن السيبراني، إلى جانب التخزين الاستراتيجي والدين الخارجي والربط بالمحيط الأطلسي.
ومن بين المقترحات إحداث «بوصلة وطنية للسيادة» لتحديد أوجه التبعية والحد منها، ووضع إطار للتخزين الاستراتيجي، واعتماد قاعدة «الماء أولًا»، ورفع نسبة الإنتاج المحلي في المشاريع الطاقية إلى 50 في المائة بحلول 2031، ومنح قيمة الإنتاج المنجز في المغرب وزنًا بنسبة 30 في المائة ضمن الصفقات العمومية.
كما يركز البرنامج على الانتقال بالصناعة الوطنية إلى مستويات أعلى من القيمة المضافة، خصوصًا في قطاعات السيارات والطيران والموارد المعدنية والصناعات الدفاعية، مع تطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية البيانات.
وفي هذا التصور، لا تصبح السيادة مرادفًا للاكتفاء الذاتي، بل قدرة على الاختيار وتقليص مواطن التبعية وتعزيز هامش القرار الوطني.
الشباب.. الاختبار الحقيقي للبرنامج
رغم أن الشباب يحضر ضمن عدد من الإجراءات، فإن مكانته تتجاوز حدود محور مستقل. فهو يوجد في قلب الأسئلة التي يطرحها البرنامج حول المستقبل.
السكن، والتشغيل، والتكوين، والمهارات الرقمية، والصحة النفسية، والتنقل، والمشاركة في الشأن العام، كلها قضايا تتقاطع في النهاية مع سؤال واحد: هل يستطيع الشاب المغربي بناء مشروع حياة داخل بلده؟
ولهذا، فإن نجاح البرنامج لن يقاس فقط بعدد الإجراءات التي ستدخل حيز التنفيذ، وإنما بمدى شعور الأجيال الجديدة بأن المغرب يوفر لها فرصًا حقيقية للدراسة والعمل والاستقرار والابتكار والمشاركة.
من «مغرب بسرعات متعددة» إلى مغرب أكثر إنصافًا
من أبرز الصور التي يقترحها البرنامج الانتقال من مغرب «بسرعات متعددة» إلى مغرب يسير بالسرعة نفسها.
ولا يعني ذلك توحيد خصوصيات الجهات أو فرض نموذج واحد عليها، وإنما تقليص الفوارق في الولوج إلى الحقوق والخدمات والفرص.
فالإنصاف المجالي في التعليم والصحة، وتوفير الخدمات في المناطق القروية والجبلية، ودعم التشغيل الجهوي، وتطوير التدبير المحلي، كلها تدخل في صميم هذا التصور.
ويبقى التحدي في تحويل العدالة المجالية من مبدأ عام إلى مؤشرات قابلة للقياس، حتى يصبح بالإمكان معرفة ما إذا كانت الفوارق بين المجالات تتراجع بالفعل.
من 99 إجراءً إلى سؤال التنفيذ
في النهاية، تكمن أهمية البرنامج في حجم ما يقترحه، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد مرحلة الإعلان.
فالإجراء السياسي لا يصبح سياسة عمومية ناجحة بمجرد إدراجه في برنامج انتخابي، بل يحتاج إلى تمويل واضح، وأولويات محددة، وآجال مضبوطة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ومؤشرات لقياس النتائج.
وهنا تبرز خمسة معايير حاسمة: قابلية التتبع، والانسجام المالي، والعدالة المجالية، والقدرة على التنفيذ، والأثر الفعلي على حياة المواطن.
فإحداث منصة أو وكالة أو صندوق لا يمثل في حد ذاته نجاحًا، كما أن الإعلان عن برنامج جديد لا يضمن بالضرورة تحقيق أهدافه. المقياس الأهم هو النتيجة: هل تحسن التعليم؟ هل أصبح العلاج أكثر سهولة؟ هل تحسنت القدرة الشرائية؟ هل أصبح السكن في متناول الشباب؟ هل تراجعت الفوارق المجالية؟ وهل استعادت المؤسسات جزءًا من ثقة المواطنين؟
«وطني، مستقبلي».. بين حماية الحاضر وصناعة الغد
تقدم القراءة الشاملة للبرنامج التشريعي لحزب الاستقلال تصورًا يتقاطع فيه الاجتماعي مع الاقتصادي، والوطني مع الاستراتيجي، والحاضر مع المستقبل.
فالالتزامات الخمسة، رغم اختلاف مجالاتها، تبدو مترابطة داخل معادلة واحدة: أسرة أكثر تماسكًا، مواطن أكثر حماية، خدمات عمومية أكثر جودة، مؤسسات أكثر نزاهة، ودولة أكثر قدرة على اتخاذ القرار.
وبذلك يصبح شعار «وطني، مستقبلي» أكثر من عنوان انتخابي؛ إنه محاولة لصياغة علاقة بين قوة الوطن ومستقبل المواطن.
غير أن المسافة بين البرنامج والواقع تظل هي الامتحان الحاسم. فـ99 إجراءً يمكن أن ترسم ملامح مشروع، لكن قيمتها السياسية والاجتماعية ستتحدد بقدرتها على الانتقال من الورق إلى التنفيذ، ومن الخطاب إلى النتيجة، ومن الوعود إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمغاربة.
وهنا تحديدًا تبدأ المراقبة الديمقراطية الحقيقية: أن تُقرأ البرامج لا فقط بما تعد به، وإنما بما تستطيع أن تنجزه، وأن تُقاس السياسات لا بجاذبية شعاراتها، بل بما تتركه من أثر في حياة المواطن.
الرئيسية























































