كتاب الرأي

البرنامج تحت المجهر: قراءة في البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال «وطني مستقبلي»


الحلقة الثانية: الأسرة والقيم... لماذا يبدأ حزب الاستقلال من المجتمع؟



بقلم: أيوب مشموم

قد يبدو للوهلة الأولى أن افتتاح برنامج انتخابي بمحور حول الأسرة والقيم، قبل القدرة الشرائية أو الصحة أو التعليم أو الاستثمار، اختيار غير مألوف. لكن قراءة برنامج حزب الاستقلال «وطني مستقبلي» تكشف أن الأمر ليس ترتيباً شكلياً، بل يعكس تصوراً سياسياً محدداً: الإصلاح لا يبدأ فقط من الاقتصاد أو الإدارة، وإنما من الإنسان والفضاء الأول الذي يتشكل داخله، أي الأسرة.

فالبرنامج ينطلق من تشخيص لتحولات ديمغرافية وسوسيولوجية وقيمية متسارعة أثرت في بنية الأسرة المغربية ووظائفها، ويرصد ضمن آثارها تراجع بعض أشكال التضامن والتآزر بين أفراد الأسرة، وتصاعد الفردانية، إلى جانب تحديات أكثر حداثة مثل الإدمان وهشاشة الصحة النفسية.

هذه نقطة تستحق التوقف عندها. فالمقاربة التي يقترحها البرنامج لا تتعامل مع الأسرة باعتبارها شأناً خاصاً فقط، بل باعتبارها مؤسسة اجتماعية تؤدي وظائف تربوية وتضامنية ووقائية. وحين تضعف هذه المؤسسة، تنتقل الكلفة تدريجياً إلى المجتمع وإلى الدولة: طفل يحتاج إلى المواكبة، شاب يواجه الإدمان، مسن يحتاج إلى الرعاية، أسرة عاجزة عن التوفيق بين العمل وتربية الأبناء، أو مواطن يحتاج إلى علاج نفسي لا يجد إليه سبيلاً.

ومن هنا يمكن فهم اتساع هذا المحور. فهو ليس خطاباً عاماً عن «القيم»، بل حزمة من 23 إجراءً تمتد من المدرسة والإعلام والفضاء الرقمي، إلى الزواج والتماسك الأسري ورعاية المسنين والطفولة، ثم الإدمان والصحة النفسية.

القيم... من الخطاب إلى السياسة العمومية

أول تحول مهم في هذا المحور هو محاولة نقل مسألة القيم من مستوى الوعظ إلى مستوى السياسة العمومية.

يقترح البرنامج سياسات مندمجة تجمع الثقافة والتربية والتعليم والإعلام، بما يعزز الثوابت الجامعة والثقافة الوطنية وتاريخ الشخصية المغربية. ويقترح في المجال الإعلامي مراجعة دفاتر تحملات الإعلام السمعي البصري، ودعم الإنتاج الثقافي والإعلامي والمحتوى الرقمي الوطني، مع توظيف المدرسة والإعلام العمومي والفن والسينما في تقديم سردية مغربية تعزز الاعتزاز بالهوية والانتماء.

والفكرة هنا بسيطة: القيم لا تُحمى بالخطاب وحده. فإذا كان الطفل والشاب يقضيان جزءاً كبيراً من يومهما بين المدرسة والشاشة والمنصات الرقمية، فلا معنى لسياسة قيمية لا تدخل إلى هذه الفضاءات نفسها.

ولهذا يقترح البرنامج مشروع «مدرسة الانتماء»، من خلال برنامجين عمليين. الأول، «السفير»، يطلب من التلميذ تقديم شخصية وطنية أو نموذج ناجح أو حدث وطني أمام زملائه؛ والثاني، «المشاركة المدنية»، يربط التربية بالممارسة عبر التطوع والمحافظة على البيئة والتضامن ومساعدة الغير. كما يقترح مأسسة العلاقة بين المدرسة والأسرة بإحداث وحدات للمساعدة الاجتماعية داخل المؤسسات التعليمية وإعادة الاعتبار لأدوار جمعيات الآباء والأمهات والأولياء. 

وفي السياق نفسه، يضع البرنامج اللغتين الرسميتين، العربية والأمازيغية، داخل هذا البناء الهوياتي، مع الانفتاح في الوقت نفسه على اللغات الأكثر تداولاً باعتبارها أدوات للولوج إلى المعرفة. وهذه نقطة مهمة لأن التصور هنا لا يقيم تعارضاً بين ترسيخ الهوية والانفتاح على العالم. 

حماية الطفل انتقلت أيضاً إلى العالم الرقمي

من أكثر مقترحات هذا المحور ارتباطاً بالتحولات الجديدة ما يتعلق بالطفولة الرقمية.

فالبرنامج يقترح قانوناً لحماية الناشئة من الاستعمالات غير المشروعة لوسائط التواصل، يتضمن حظر ولوج الأطفال دون 15 سنة إلى منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية الخطيرة، إلى جانب برنامج وطني للطفولة الرقمية يقوم على التدرج في الولوج بحسب السن، ومنع الهواتف الذكية داخل المؤسسات التعليمية الابتدائية، وإدماج التربية الرقمية في المناهج، وتوفير أدوات للمراقبة والمواكبة الأبوية. 

وهنا ننتقل من تصور تقليدي لحماية الطفل، يركز أساساً على محيطه المادي، إلى تصور يعتبر أن للطفل محيطاً رقمياً ينبغي هو الآخر أن يكون موضوعاً للحماية والتربية والتنظيم.

الأسرة تحتاج إلى المواكبة لا إلى الشعارات

القسم الثاني من المحور ينتقل مباشرة إلى شروط صمود الأسرة نفسها.

البداية من الزواج. يقترح البرنامج دعماً مالياً يصل إلى 5000 درهم للشباب المقبلين على الزواج، وبرنامجاً اختيارياً للتحضير للحياة الأسرية يشمل التواصل والتدبير المالي والصحة النفسية والتربية الإنجابية، فضلاً عن «منحة الانطلاقة الأسرية» للشباب من ذوي الدخل المحدود والمتوسط للمساهمة في السكن الأول أو التجهيزات الأساسية، وآلية ادخار تحفيزية تساهم فيها الدولة بحسب الدخل والوضع الاجتماعي.

لكن اللافت أن التدخل لا يتوقف عند المساعدة على الزواج، بل يمتد إلى السنوات الأولى منه. فالبرنامج يقترح تعميم بنيات الوساطة الأسرية وإحداث شبكة للمواكبة والتوجيه، بهدف معالجة النزاعات قبل انتقالها إلى القضاء وحماية المصلحة الفضلى للأطفال. 

وهو انتقال في المقاربة من التدخل بعد وقوع التفكك إلى محاولة الوقاية منه.

وفي الجانب الاجتماعي، يقترح البرنامج مراجعة معايير الدعم المالي المباشر حتى تراعي الأسر التي تتكفل بالمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة والأرامل والمطلقات، لكنه لا يريد أن يبقى الدعم مجرد تحويل مالي دائم؛ إذ يربطه ببرامج لمواكبة الأسر للخروج من الفقر، عبر تمويل أنشطة أسرية مدرة للدخل والتجهيز والتكوين.

من يرعى من يرعون الآخرين؟

من الأفكار التي تستحق الاهتمام في هذا المحور الاعتراف بما يمكن تسميته الكلفة الاجتماعية للرعاية.

فالأسرة التي ترعى مسناً أو شخصاً في وضعية إعاقة تؤدي وظيفة اجتماعية حقيقية، لكنها تتحمل مقابل ذلك أعباء مالية وزمنية ونفسية. لذلك يقترح البرنامج تنظيم خدمات الرعاية والمساعدة المنزلية وإحداث مهنة «المساعد الأسري» وتأطيرها، إلى جانب خدمات للمواكبة الاجتماعية للأسر. كما يقترح تطوير النوادي النهارية للمسنين، والتعريفة التفضيلية في النقل والأنشطة الثقافية والرياضية، والنهوض بطب الشيخوخة وإحداث أجنحة طبية متخصصة. 

وتتواصل الفلسفة نفسها بالنسبة للآباء العاملين، من خلال التعميم التدريجي للحضانات الاجتماعية ودعم التعليم الأولي بأسعار تراعي القدرة الشرائية، وإقرار خصم ضريبي على الدخل للأسر التي تتحمل تكاليف تمدرس أطفالها، فضلاً عن عطلة مرنة لرعاية الطفولة يمكن تقاسمها بين الأم والأب وفق شروط قانونية وتنظيمية. 

وهنا يظهر بوضوح أن مفهوم «دعم الأسرة» في البرنامج لا يعني فقط تقديم مساعدة مالية، وإنما محاولة إعادة تنظيم العلاقة بين الأسرة والعمل والرعاية والسياسة الاجتماعية.

الإدمان: من الإدانة إلى العلاج

أما القسم الثالث، فيتناول موضوعاً كثيراً ما تتم مقاربته مجتمعياً من زاوية أخلاقية أو أمنية فقط: الإدمان.
البرنامج يقترح أولاً سياسة للوقاية في الوسط المدرسي، والتصدي لسهولة وصول القاصرين إلى مواد الإدمان، إلى جانب حملات حول الإدمان السلوكي، بما فيه الشاشات وألعاب القمار.

لكن التحول الأهم هو اقتراح الاعتراف بالإدمان مرضاً مزمناً وبعلم الإدمان تخصصاً طبياً قائماً بذاته، مع تكوين المختصين وإدراج الوقاية في الوسط المهني ضمن طب الشغل.

ثم تأتي مسألة العرض العلاجي. فالبرنامج يشير إلى خمس جهات لا تتوفر على أي بنية متخصصة في هذا المجال، ويقترح توسيع التغطية، وإدماج التكفل بالإدمان ضمن خدمات الصحة الأولية في الجهات التي تفتقر إلى المراكز المتخصصة، وتعميم العلاجات التعويضية وإحداث بنيات لما بعد العلاج ووحدات مخصصة للنساء. 

ويضيف برنامج «حنا معك» للفرصة الثانية، الموجه للشباب الذين يواجهون صعوبات مرتبطة بالصحة النفسية أو الإدمان أو الإدماج، بحيث يجمع بين الإنصات والدعم النفسي والتأهيل المهني وإعادة الإدماج.

وهذا مهم سياسياً واجتماعياً: لأن المقاربة لا تسأل فقط كيف نمنع الإدمان؟، بل أيضاً كيف نعيد من سقط فيه إلى المجتمع؟

الصحة النفسية ليست ترفاً

يختتم المحور بملف الصحة النفسية، وهو ربما أفضل مثال على اتساع مفهوم الأسرة في البرنامج.

يقترح حزب الاستقلال خريطة وطنية للصحة النفسية تحدد العرض المتوفر وحاجيات كل جهة وإقليم، وربطها بآجال للتوسع والتغطية، مع إحداث شبكة من المراكز الجهوية تعتمد منطق القرب بدلاً من تركيز الخدمات في عدد محدود من المراكز الحضرية. 

والاقتراح الأكثر مباشرة بالنسبة للمواطن هو إدراج الاستشارة النفسية ضمن التغطية التي يوفرها التأمين الإجباري عن المرض، أي التعامل معها باعتبارها جزءاً من الصحة الشاملة وليست خدمة إضافية أو ترفاً. 

ويضاف إلى ذلك برنامج لمحاربة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية، ودعم موجه للشباب العاطلين والنساء ضحايا العنف وكبار السن والأطفال في وضعيات صعبة. أما داخل المدرسة، فيقترح البرنامج تكوين الأساتذة والأطر في الرصد المبكر، وإحداث مراكز إنصات متنقلة، ومنصة رقمية للاستشارة النفسية عن بعد مدعومة بخط هاتفي، فضلاً عن تكوين مجاني للحصول على «شهادة الإسعاف النفسي الأولي». 

الأسرة كسياسة عمومية أفقية

عند جمع هذه الإجراءات، تتضح الفكرة التي يقوم عليها المحور الأول.

فحزب الاستقلال لا يحصر السياسة الأسرية في وزارة أو برنامج اجتماعي بعينه. الأسرة، وفق هذا التصور، توجد في التعليم والإعلام والثقافة والصحة والضرائب والحماية الاجتماعية والشغل والسياسة الرقمية في الوقت نفسه.

وهذه، في تقديري، هي القيمة السياسية الأساسية لهذا المحور.
يمكن بطبيعة الحال مناقشة بعض المقترحات، وتقدير كلفتها وشروط تنفيذها، بل إن بعض التدابير ستحتاج بالضرورة إلى صياغة قانونية دقيقة وآليات تمويل وتنزيل واضحة. وهذا أمر طبيعي في تقييم أي برنامج انتخابي. لكن ما يميز البناء العام لهذا المحور هو أنه لا يتعامل مع الأسرة باعتبارها شعاراً محافظاً أو قيمة مجردة، بل باعتبارها وحدة أساسية للاستثمار الاجتماعي والوقاية والتضامن.

ومن هنا نفهم لماذا بدأ برنامج «وطني مستقبلي» بالأسرة.

لأن السؤال بالنسبة إليه ليس فقط: كيف نساعد الأسرة عندما تصبح هشة؟ بل كيف نبني سياسات تمنع هشاشتها أصلاً، وكيف نساعدها على أداء أدوارها دون أن تُترك وحدها أمام التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية والنفسية التي يعرفها المجتمع المغربي.

وهذا ربما هو جوهر المحور الأول: أسرة أقوى لا تعني فقط مجتمعاً أكثر تماسكاً؛ بل تعني أيضاً طفلاً أكثر حماية، وشاباً أكثر توازناً، ومسنّاً أكثر كرامة، ومواطناً أكثر قدرة على بناء مستقبله داخل وطنه.

وفي الحلقة المقبلة من «البرنامج تحت المجهر» ننتقل من الأسرة إلى أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة العامة: الفساد والريع وتضارب المصالح. وسنبحث في سؤال محدد: هل يقدم برنامج حزب الاستقلال مجرد موقف سياسي من الفساد، أم يقترح آليات عملية للوقاية منه وكشفه وربط المسؤولية بالمحاسبة؟




الاثنين 7 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic