وطني مستقبلي

بين طموح السيادة واختبار التنفيذ.. كيف يعيد حزب الاستقلال صياغة معادلة «التعادلية»؟


«وطني.. مستقبلي».. شعار يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي وراءه محاولة سياسية لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين متطلبات السيادة الوطنية وشروط العدالة الاجتماعية.



في الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، لا يدخل حزب الاستقلال غمار المنافسة الانتخابية ببرنامج يقوم فقط على تعداد الوعود وتقديم الحلول القطاعية، وإنما يطرح، من خلال برنامجه الانتخابي، تصوراً يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة بناء مشروع سياسي يستمد بعض عناصره من المرجعية التاريخية للحزب، وفي مقدمتها فكرة «التعادلية الاجتماعية»، مع محاولة تكييفها مع أسئلة مغرب جديد تتنازعه تحولات اقتصادية عميقة، ورهانات جيوسياسية متسارعة، وثورة رقمية تعيد تعريف الدولة والاقتصاد والمجتمع.

ولعل السؤال الأهم الذي يطرحه البرنامج ليس فقط: ماذا يريد حزب الاستقلال أن يفعل؟ وإنما أيضاً: أي نموذج للدولة والمجتمع يريد أن يؤسس له؟

من «التعادلية الاجتماعية» إلى «السيادة الاستراتيجية»

يبدو أن الحزب يحاول أن يمنح مفهوم «التعادلية» نفساً جديداً. فإذا كانت الفكرة، في بعدها التقليدي، تقوم على البحث عن التوازن بين المبادرة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، فإن البرنامج الجديد يوسع دائرة هذا التوازن لتشمل معادلة أخرى لا تقل أهمية: السوق والدولة من جهة، والسيادة الوطنية والانفتاح على العالم من جهة ثانية.

فالبرنامج لا يتعامل مع السوق باعتباره خصماً للدولة، ولا مع الدولة باعتبارها بديلاً عن الاقتصاد المنتج. بل يحاول، نظرياً على الأقل، بناء علاقة تكاملية بينهما: سوق قادر على خلق الثروة والاستثمار، ودولة تمتلك القدرة على التنظيم والتوجيه والحماية الاجتماعية.

ومن هنا يبرز مفهوم «السيادة الاستراتيجية» بوصفه أحد أكثر المفاهيم دلالة في الوثيقة. فالسؤال لم يعد، وفق هذه الرؤية، متعلقاً فقط بكمية ما ينتجه الاقتصاد الوطني، وإنما بمدى قدرته على التحكم في مفاتيح أساسية مرتبطة بالأمن الاقتصادي والاستراتيجي: الماء، والطاقة، والغذاء، والدواء، والتكنولوجيا، وغيرها من المجالات التي كشفت التحولات الدولية الأخيرة هشاشتها أمام الأزمات وسلاسل الإمداد العالمية.

وإذا كان مقترح إحداث «البوصلة السيادية الوطنية» يراد له أن يصبح أداة لقياس مستوى التبعية للخارج، فإن القيمة السياسية للفكرة تتجاوز المؤشر في حد ذاته، لأنها تعكس انتقالاً من خطاب عام حول السيادة إلى محاولة تحويلها إلى مؤشرات قابلة للقياس والمساءلة.

برنامج يراهن على الأرقام بدل اللغة الإنشائية

من نقاط القوة اللافتة في البرنامج أنه لا يكتفي، في عدد من محاوره، بالعبارات العامة، بل يحاول تحديد أهداف رقمية وآجال زمنية.

رفع المحتوى المحلي في المشاريع الطاقية إلى 50 في المائة في أفق 2031، وربط عدد من الإصلاحات بآجال محددة، وتقديم تعهدات تشريعية ومؤسساتية في مجالات متعددة، كلها عناصر تمنح الوثيقة طابعاً أكثر تقنية مقارنة بالخطاب الانتخابي التقليدي.

والأهمية هنا ليست في الرقم وحده، وإنما في أن الرقم يخلق إمكانية للمحاسبة.

فالوعود السياسية حين تكون مطلقة ومفتوحة زمنياً يصعب قياس تحققها. أما حين ترتبط بسنة محددة ونسبة محددة وإجراء محدد، فإنها تتحول من خطاب سياسي إلى التزام يمكن، بعد سنوات، مساءلة أصحابه حول مدى تنفيذه.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم رهانات البرنامج: الانتقال من «سياسة النوايا» إلى «سياسة النتائج».

من محاربة الفساد إلى إعادة هندسة العلاقة مع الإدارة

في محور آخر، يرفع البرنامج سقف المواجهة مع الفساد والريع، من خلال مقترحات تتعلق بتضارب المصالح، وتوسيع نطاق التصريح بالممتلكات، وإعادة النظر في آليات الترخيص الإداري.

واللافت في هذا التصور أن محاربة الفساد لا تقدم فقط باعتبارها مسألة أخلاقية أو رقابية، وإنما باعتبارها أيضاً قضية مرتبطة بكفاءة الاقتصاد وعدالة المنافسة.

فالانتقال من منطق «الترخيص الإداري المسبق» إلى منطق أكثر ارتباطاً بدفاتر التحملات والشروط الواضحة، إذا ما تم تنزيله بشكل سليم، يمكن أن يساهم في تقليص المساحات الرمادية التي قد تنشأ فيها علاقات الريع والامتياز.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة القوانين فقط. فالمغرب لا يعاني بالضرورة من ندرة النصوص بقدر ما يعاني، في بعض المجالات، من إشكالية التنفيذ والفعالية والنجاعة.

ولهذا فإن المعركة ضد الفساد ستظل مرتبطة بمدى استقلالية آليات الرقابة، وفعالية المؤسسات، وسرعة القضاء، ووضوح قواعد المنافسة، وقدرة الإدارة على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

الطبقة الوسطى.. الاختبار الاجتماعي الأصعب

في المقابل، يضع البرنامج القدرة الشرائية وإعادة بناء الطبقة الوسطى في قلب معادلته الاجتماعية.

وهذا الاختيار مفهوم في سياق اقتصادي أصبحت فيه كلفة المعيشة، وأسعار بعض المواد، والسكن، والتعليم والصحة، من أكثر الملفات تأثيراً في المزاج الاجتماعي.

لكن حماية القدرة الشرائية لا يمكن أن تختزل في إجراءات ظرفية لضبط الأسعار. فالرهان الأكبر هو خلق شروط اقتصادية تسمح للمواطن بأن يرفع دخله الحقيقي، وأن يجد خدمة عمومية ذات جودة، وأن يمتلك قدرة أكبر على الولوج إلى السكن والتعليم والصحة.

ومن هنا تكتسب فكرة «عقد اجتماعي للخروج من الفقر» أهميتها، خصوصاً حين تربط الدعم الاجتماعي بالتعليم والمتابعة الصحية.

غير أن نجاح مثل هذه السياسات سيظل مشروطاً بقدرة الدولة على استهداف المستفيدين بدقة، وربط الدعم بسياسات إدماج اقتصادي حقيقية، حتى لا يتحول الدعم من وسيلة للتمكين إلى مجرد آلية دائمة لتعويض ضعف الدخل.

التعليم والصحة.. حين تصبح الرقمنة جزءاً من الإصلاح

ربما تكشف المقترحات المرتبطة بالتعليم والصحة عن محاولة واضحة لعدم فصل الإصلاح الاجتماعي عن التحول التكنولوجي.

إدماج الذكاء الاصطناعي في التعلم التكيفي، واستعمال التكنولوجيا في الحد من الهدر المدرسي، وإعادة التفكير في منظومة المستعجلات، واعتماد مفهوم «الطبيب المرجعي»، كلها أفكار تعكس انتقال النقاش من مجرد المطالبة بزيادة الموارد إلى البحث عن إعادة تنظيم طرق تقديم الخدمة العمومية.

لكن التكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن العنصر البشري.

فالذكاء الاصطناعي لن يعوض المدرسة الجيدة، كما أن الرقمنة لن تعوض الطبيب والممرض والمرفق الصحي المؤهل. التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة للرفع من الكفاءة، لكنها لا تصنع وحدها حكامة جيدة.

الأسرة والشباب.. السياسة في مواجهة سؤال المستقبل

وفي خلفية هذه الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية، يحضر سؤال الأسرة والشباب باعتبارهما مدخلاً أساسياً لبناء المستقبل.

فالدعم الموجه للشباب المقبلين على الزواج، وحماية الناشئة من المخاطر الرقمية، ومحاربة الإدمان، إلى جانب المقترحات المرتبطة بالشباب والمشاركة السياسية، تعكس محاولة لقراءة التحولات الاجتماعية باعتبارها جزءاً من المعادلة التنموية، وليس مجرد ملفات اجتماعية منفصلة.

وهنا يبدو شعار «وطني.. مستقبلي» أكثر وضوحاً: الوطن، في هذه الرؤية، لا يختزل في الدولة ومؤسساتها، والمستقبل لا يختزل في المؤشرات الاقتصادية، بل يلتقيان عند المواطن وقدرته على بناء حياة مستقرة وكريمة داخل مجتمعه.

لكن.. من يموّل كل هذا؟

هنا تبدأ المسافة بين البرنامج باعتباره وثيقة سياسية، والبرنامج باعتباره مشروعاً قابلاً للتنفيذ.

فكلما اتسعت دائرة الدولة الاجتماعية، ارتفعت كلفة الالتزامات العمومية. وكلما تعددت برامج الدعم والخدمات المجانية والتحفيزات الاجتماعية، أصبح السؤال حول الموارد أكثر إلحاحاً.

كيف يمكن تمويل هذه الالتزامات؟ وما حجم الكلفة السنوية لكل إجراء؟ وكيف ستتوزع الأعباء بين الميزانية العامة والاستثمار الخاص؟ وهل ستسمح المداخيل العمومية والموارد المتاحة بتنفيذ هذه السياسات دون الضغط على التوازنات المالية؟

هذه ليست أسئلة تقنية هامشية، بل هي في صميم أي برنامج انتخابي يريد الانتقال من الورق إلى الواقع.

فالبرنامج الطموح لا يقاس فقط بعدد تعهداته، وإنما بقدرته على الإجابة عن سؤال التمويل، وسؤال الأولويات، وسؤال التنفيذ.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات

في نهاية المطاف، تكمن أهمية البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال في أنه يحاول أن يقدم نفسه باعتباره أكثر من قائمة من الإجراءات القطاعية. إنه يسعى إلى بناء سردية سياسية جديدة حول الحزب، قوامها الانتقال من «التعادلية الاجتماعية» إلى معادلة أوسع تجمع بين السيادة والعدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية.

لكن قوة أي برنامج لا تُختبر في لحظة الإعلان عنه، وإنما في اليوم الذي تبدأ فيه مرحلة التنفيذ.

هناك فرق كبير بين تحديد هدف في وثيقة انتخابية، وتحويله إلى قانون، ثم إلى ميزانية، ثم إلى مؤسسة، ثم إلى خدمة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام حزب الاستقلال، إذا وجد نفسه في موقع المسؤولية خلال المرحلة المقبلة، لن يكون في الدفاع عن أفكار البرنامج، وإنما في إثبات قابليتها للتنفيذ.

فـ«السيادة الاستراتيجية» لن تكون مجرد مفهوم جذاب إذا لم تتحول إلى إنتاج وطني واستقلال في سلاسل الإمداد. و«التعادلية الاجتماعية» لن تستعيد معناها إذا لم يشعر المواطن بتراجع الفوارق الاجتماعية. ومحاربة الريع لن تصبح واقعاً إلا إذا أصبحت قواعد المنافسة واحدة للجميع. أما الدولة الاجتماعية فلن تحقق غايتها إذا لم تقترن بالاستدامة المالية وجودة الخدمات.

وهنا، ربما، تكمن المفارقة الجميلة في شعار «وطني.. مستقبلي»: فالوطن ليس فقط ما نرثه من الماضي، والمستقبل ليس مجرد وعد نؤجله إلى الغد. بينهما توجد مسؤولية سياسية كاملة اسمها الإنجاز.

وبذلك، فإن الرهان الحقيقي للبرنامج ليس أن يكون أكثر البرامج طموحاً، بل أن يكون من أكثرها قدرة على تحويل الطموح إلى أثر ملموس. فالمواطن المغربي لا ينتظر فقط أن يسمع ما الذي سيُنجز، وإنما يريد أن يعرف كيف سيُنجز، ومتى سيُنجز، وبأي كلفة، ومن سيحاسب إذا لم يُنجز.

تلك هي اللحظة التي تتحول فيها «التعادلية» من مرجعية فكرية إلى امتحان سياسي، وتتحول فيها «السيادة» من شعار استراتيجي إلى مسؤولية يومية، ويصبح فيها المستقبل، كما يوحي شعار الحزب، ليس مجرد أمنية وطنية، بل التزاماً سياسياً قابلاً للقياس والمساءلة.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 8 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ

















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...




ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.12 (5)
WhatsApp Image 2025-11-12 at 16.13.33 (1)
WhatsApp Image 2025-12-17 at 15.56.57 (2)
WhatsApp Image 2026-02-09 at 12.19.57
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.32
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.54.47
25
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.12
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59 (6)
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24 (3)
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.11 (9)
WhatsApp Image 2026-06-04 at 14.38.50
WhatsApp Image 2026-03-09 at 13.51.12 (1)
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.23
WhatsApp Image 2025-11-12 at 16.13.37
WhatsApp Image 2026-08-03 at 13.14.37 (1)
19
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24 (1)
WhatsApp Image 2025-12-05 at 17.34.07 (1)
WhatsApp Image 2026-02-20 at 12.42.48
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.23 (2)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.15
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.31.00 (4)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.26 (5)
WhatsApp Image 2026-05-25 at 14.18.25
WhatsApp Image 2026-03-05 at 13.43.18
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.11 (15)
WhatsApp Image 2026-05-06 at 14.21.53
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.33 (3)
WhatsApp Image 2026-04-01 at 15.23.23 (1)
WhatsApp Image 2026-02-24 at 20.45.23
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.13
WhatsApp Image 2025-11-12 at 16.13.37 (1)




Buy cheap website traffic