يكشف البحث الوطني الثالث حول الإعاقة عن واقع اجتماعي أوسع مما قد توحي به الأرقام للوهلة الأولى، فقد بلغ معدل انتشار الإعاقة على المستوى الوطني 8,7 في المائة، فيما تضم قرابة ثلاث أسر مغربية من كل عشر شخصًا واحدًا على الأقل في وضعية إعاقة. ومع ذلك، لا يتوفر على تشخيص طبي سوى 29,7 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة، بينما لا تتجاوز نسبة التشغيل 12,7 في المائة.
هذه ليست مجرد أرقام تضاف إلى سجل الإحصاءات الوطنية، بل مؤشرات تكشف حجم تحدٍّ اجتماعي يمتد أثره إلى الأسرة والمدرسة وسوق الشغل والحماية الاجتماعية. ولهذا، فإن أهمية البحث لا تكمن فقط في أنه يخبرنا بحجم الظاهرة، وإنما في أنه يجعل تجاهلها أكثر صعوبة، فبعد أن أصبحت الصورة أوضح، يبقى السؤال الأهم : ماذا سنفعل بهذه الحقيقة؟
أخيرًا دراسة
قد تبدو هذه العبارة غير منصفة، فالمغرب ليس أمام أول بحث وطني حول الإعاقة، إذ يتعلق الأمر تحديدًا بالبحث الوطني الثالث، كما أن هذه الدراسات تُنجز بشكل دوري، لكن كلمة «أخيرًا» تكتسب هنا معنى آخر : أخيرًا، أصبح لدينا تشخيص واسع بما يكفي حتى لا تظل الإعاقة تُنظر إليها فقط باعتبارها قضية تضامن اجتماعي، أو شأنًا يخص الجمعيات المتخصصة والأسر المعنية مباشرة، أو ملفًا تتولاه بعض الإدارات.
ويتجاوز البحث الوطني الثالث حول الإعاقة مجرد عملية إحصاء أعداد الأشخاص المعنيين، فهو يطرح طموحًا أكثر أهمية، يتمثل في الانتقال من المعرفة إلى القرار العمومي، ومن القرار إلى الفعل، ثم من الفعل إلى قياس الأثر؛ أي الانتقال من الاعتراف بالحقوق إلى قياس مدى تمتع الأشخاص بها فعليًا.
ولعل هذه هي الفكرة الأهم التي تتضمنها الصفحات الست عشرة للنتائج الأولية، فالمغرب يعرف كيف يسن القوانين، ويقر الحقوق، ويضع الاستراتيجيات، ويطلق البرامج، ويعلن عن مختلف الآليات والتدابير، لكن السؤال الأهم الآن هو : هل ستترك هذه السياسات أثرًا ملموسًا في حياة الناس اليومية؟
8,7 في المائة: وراء النسبة، أسرة من كل ثلاث تقريبًا
تمثل هذه النسبة معدل انتشار الإعاقة على المستوى الوطني، وفق تقديرات البحث لسنة 2026، مقابل 6,8 في المائة سنة 2014، أي بزيادة قدرها 1,9 نقطة مئوية. غير أن المقارنة تستوجب الحذر، إذ توضح الوثيقة نفسها أن هذا التطور يرتبط، من بين عوامل أخرى، بتوسيع المنهجية واعتماد أدوات قياس أكثر دقة تسمح برصد الصعوبات الوظيفية أو حالات الإعاقة الأقل ظهورًا، بما في ذلك الحالات التي لم يسبق تشخيصها أو التصريح بها إداريًا، لذلك سيكون من المتسرع، من الناحية العلمية، الاستنتاج بأن الإعاقة «ارتفعت» ببساطة وبالنسب نفسها.
لكن ثمة رقمًا آخر يستحق كل الانتباه : نحو 29 في المائة من الأسر المغربية تضم شخصًا واحدًا على الأقل في وضعية إعاقة،أي أسرة واحدة تقريبًا من كل ثلاث، وفي سنة 2014، كانت النسبة في حدود أسرة واحدة من كل أربع.
ومن هنا، يصبح من الضروري تغيير طريقة النظر إلى المسألة، فالإعاقة ليست مشكلة تخص أقلية محدودة تنتظر من الأغلبية أن تمد لها يد المساعدة بدافع التضامن فقط، بل هي واقع اجتماعي يمس بشكل مباشر أو غير مباشر شريحة واسعة من المجتمع المغربي.
ذلك أن وجود شخص في وضعية إعاقة داخل الأسرة قد تكون له انعكاسات على أفرادها جميعًا : من حيث المواكبة، والتنقل، والعلاج، والأدوية، وتفرغ أحد الوالدين أو أفراد الأسرة للرعاية، والتمدرس، والدخل، وتهيئة المسكن وغيرها.
للإعاقة، إذن، كلفة أسرية غير مرئية أيضًا.
سبعة أشخاص من كل عشرة من دون تشخيص
لعل هذا هو الرقم الذي ينبغي أن يثير أكبر قدر من الانتباه، حيث لا يتوفر على تشخيص سوى 29,7 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة، أي ثلاثة أشخاص تقريبًا من كل عشرة، وهذا يعني، بصورة تلقائية، أن أغلبية ساحقة من الأشخاص الذين رصد البحث لديهم صعوبات وظيفية لا يتوفرون على تشخيص طبي يحدد طبيعة وضعيتهم.
وهنا يبرز سؤال أكثر إثارة للقلق : كم من المغاربة يعيشون منذ سنوات مع صعوبة أو اضطراب لم يتم التعرف إليه وتحديد طبيعته بشكل صحيح؟
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر باضطرابات النمو العصبي، فالبحث نفسه يحذر من قراءة خاطئة لمعطياته، إذ إن ضعف حضور بعض الاضطرابات ضمن التشخيصات المسجلة لا يعني بالضرورة أنها نادرة في المغرب، فقد يعكس، في المقابل، محدودية الكشف المبكر، ونقص الموارد المتخصصة، وصعوبة الولوج إلى خدمات التشخيص، أو قصور آليات الكشف داخل المؤسسات التعليمية.
وبعبارة أخرى، يقيس هذا البحث، بشكل غير مباشر، أيضًا حجم ما لا تزال منظومتنا عاجزة عن رصده بالشكل الكافي.
التعليم الدامج؟ لننظر إلى الأرقام
نتحدث منذ سنوات عن التعليم الدامج، جيد، لكن لننظر الآن إلى ما تقوله المعطيات: تبلغ نسبة التمدرس لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و17 سنة ويعانون من صعوبات وظيفية نحو 65 في المائة. وهنا أيضًا، يدعو البحث إلى توخي الحذر عند إجراء المقارنات التاريخية، بالنظر إلى اختلاف المنهجية المعتمدة.
لكن ثمة رقمًا آخر يصعب كثيرًا التقليل من أهميته: 42,4 في المائة، فمن بين الأسباب المصرح بها لعدم الولوج إلى المدرسة، يأتي رفض التسجيل بسبب الإعاقة في المرتبة الأولى، بنسبة 42,4 في المائة، متبوعًا بعدم قدرة الأسرة على توفير خدمة المواكبة، بنسبة 26,9 في المائة.
يمكننا بناء المزيد من المدارس، وتكوين عدد أكبر من المدرسين، ورقمنة البرامج، وإصلاح منظومة الامتحانات. لكن السؤال الأول الذي يطرحه التعليم الدامج أبسط من ذلك بكثير: هل تستقبل المدرسة المغربية فعلًا جميع الأطفال المغاربة؟
ثم يأتي جدار التشغيل
إذا كان وضع المدرسة يثير القلق، فإن واقع التشغيل يطرح تحديًا أكبر، فمن بين الأشخاص في وضعية إعاقة الذين تبلغ أعمارهم 15 سنة فما فوق، يوجد 78,4 في المائة خارج سوق الشغل وغير نشطين اقتصاديًا. ولا يشغل سوى 12,7 في المائة منهم عملًا، في حين تبلغ نسبة البطالة 8,9 في المائة.
وعند تفكيك هذه المعطيات حسب الجنس، تظهر فجوة داخل الفجوة، فمعدل التشغيل يبلغ 23 في المائة لدى الرجال في وضعية إعاقة، أما لدى النساء؟ فلا يتجاوز 4 في المائة، أربعة في المائة فقط.
وسيكون من الضروري، بطبيعة الحال، التعمق في هذه النتائج عند توفر المعطيات النهائية والتفصيلية. غير أن هذا الرقم وحده يكفي لطرح سؤال سياسي كبير: ما الذي يعنيه مفهوم «الإدماج» فعلًا، عندما تظل المرأة في وضعية إعاقة بعيدة إلى هذا الحد عن سوق الشغل؟
ويشير البحث كذلك إلى أن 47,5 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة الذين يشتغلون يعملون لحسابهم الخاص، بينما يشكل أجراء القطاع الخاص 42,5 في المائة، ولا تتجاوز نسبة العاملين في القطاع العام 6 في المائة، لم نعد هنا أمام مسألة تستدعي التعاطف فقط، بل أمام قضية تتعلق بالاستقلالية الاقتصادية.
الاستفادة من التغطية لا تعني بالضرورة الحماية الفعلية
هناك أيضًا معطيات إيجابية، فما يقارب ثلثي الأشخاص في وضعية إعاقة يستفيدون، وفق المعطيات، من الحماية الاجتماعية. ويرى البحث في ذلك تقدمًا مهمًا في سياق تعميم الحماية الاجتماعية.
وهذا تقدم ينبغي الاعتراف به. غير أن رقمًا آخر، يرد بعد ذلك ببضع فقرات، يفرض قدرًا كبيرًا من التحفظ في تقييم هذه النتيجة: إذ يصرح 65,6 في المائة من الأشخاص المستجوبين بأن نفقات الأدوية والصيدلة لا تزال تتحملها الأسر.
وهنا يظهر الفرق بين التغطية الإدارية والحماية الفعلية، فعلى الورق، تتوسع التغطية، لكن عند الصيدلية، تواصل الأسرة في كثير من الحالات تحمل النفقات، ولا تتوقف الكلفة الفعلية للإعاقة، بطبيعة الحال، عند الأدوية، بل تشمل أيضًا النقل، وإعادة التأهيل، والأجهزة التعويضية، والمواكبة، وتهيئة المساكن، والمساعدات التقنية وغيرها، وسيكون من الضروري، في مرحلة ما، قياس الحجم الإجمالي للنفقات التي تظل على عاتق الأسر بسبب الإعاقة في المغرب.
تبدأ الإعاقة أحيانًا أمام باب المنزل
يكشف البحث أيضًا أن 43,9 في المائة من الأشخاص المستجوبين يرون أن ضعف الولوجية يحد من مشاركتهم في الحياة اليومية والاجتماعية، فيما يحتاج 40 في المائة منهم إلى مواكبة منتظمة، ويواجه 34,2 في المائة صعوبات في الولوج إلى مساكنهم دون مساعدة.
وبعبارة أخرى، لا ترتبط الإعاقة فقط بقصور أو صعوبة وظيفية لدى الفرد، بل قد تتفاقم بفعل درج، أو رصيف، أو مدخل بناية، أو حافلة غير مهيأة، أو إدارة لم تُصمم بما يراعي احتياجات الجميع.
واليوم، أصبح الفضاء الرقمي بدوره جزءًا من هذه المعادلة، حيث يكشف البحث عن رقم لافت : 64,9 في المائة من الأشخاص المعنيين يتوفرون على هاتف، لكن 20 في المائة فقط يستطيعون الولوج إلى الإنترنت، ولا يمتلك سوى 1,8 في المائة منهم جهاز حاسوب.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب رقمنة خدماته العمومية تدريجيًا، لم تعد الولوجية الرقمية مجرد رفاهية إضافية، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لضمان الحق في الولوج إلى الدولة والمعلومة والتعليم وفرص الشغل.
أخيرًا دراسة، لكن ماذا بعد؟
لهذا السبب تحديدًا، لا ينبغي أن ينتهي هذا البحث فوق رف، أو داخل ملف PDF مؤسساتي، أو في عدد من العروض التقديمية، بل ينبغي أن يشكل نقطة انطلاق، فلماذا لا يتحول، ابتداءً من سنة 2026، إلى أساس لبناء لوحة قيادة وطنية عمومية حول الإعاقة؟
قد تكون عشرة أو خمسة عشر مؤشرًا كافية لذلك : التشخيص، والتمدرس، ورفض التسجيل، والتشغيل، وتشغيل النساء، والحماية الاجتماعية، والنفقات التي تتحملها الأسر، وولوجية السكن ووسائل النقل، والولوج الرقمي، والفوارق المجالية وغيرها.
فهذه الفوارق كبيرة بالفعل : إذ يسجل البحث معدل انتشار يتراوح بين 14,2 في المائة بجهة بني ملال-خنيفرة و2,4 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، فيما تتجاوز خمس جهات المعدل الوطني. ويشير البحث، بحق، إلى أن هذه الفوارق تستدعي اعتماد سياسات أكثر مراعاة للخصوصيات المجالية.
فلننشر المؤشرات إذن، جهةً بجهة، وسنةً بعد سنة كلما سمحت المعطيات بذلك. ولنسائل السياسات العمومية، لا فقط عما تعد به، وإنما عما تغيره فعليًا في حياة الناس.
في نهاية المطاف هذه هي القيمة الكبرى لهذا البحث الوطني الثالث، فهو لا يمنحنا مزيدًا من الأرقام حول الإعاقة فحسب، بل يسلبنا تدريجيًا ذريعة قديمة.
أخيرًا، دراسة. وأخيرًا، أرقام. لم يعد بإمكاننا، بعد اليوم، القول إننا لم نكن نعرف. ومن الآن فصاعدًا، لن يبقى سوى سؤال واحد، بسيط في صياغته وحاسم في مضمونه: ماذا فعلنا بما أصبحنا نعرفه؟
الرئيسية















