فن وفكر

هل ما زالت المكتبات تصنع المثقف في عصر الهاتف؟


كان الطريق إلى المعرفة، في زمن ليس ببعيد، يمر غالباً عبر المكتبة. رفوف طويلة، كتب متراصة، ورائحة الورق، وهدوء يسمح للقارئ بأن يترك العالم خارج الباب، ويدخل في عالم آخر تصنعه الكلمات والأفكار. كانت المكتبة أكثر من مكان لحفظ الكتب؛ كانت فضاءً لتكوين الإنسان، وتوسيع أسئلته، وبناء علاقته الهادئة مع المعرفة.



أما اليوم، فقد انتقلت مكتبة كاملة تقريباً إلى شاشة صغيرة يحملها الإنسان في جيبه. بضغطة واحدة، يستطيع الوصول إلى آلاف الكتب والمقالات والمحاضرات والوثائق، كما يستطيع الانتقال من فكرة إلى أخرى في ثوانٍ معدودة. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً يتجاوز شكل الكتاب ومكان القراءة: هل ما زالت المكتبة تصنع المثقف، أم أن الهاتف أصبح هو المكتبة الجديدة؟

لا شك أن التكنولوجيا وسّعت إمكان الوصول إلى المعرفة بصورة غير مسبوقة. لم يعد الحصول على كتاب نادر أو بحث أكاديمي أو محاضرة متخصصة مرتبطاً دائماً بموقع جغرافي أو بمكتبة كبيرة. وأصبح بإمكان شاب يعيش بعيداً عن المراكز الثقافية أن يتابع نقاشات فكرية، ويقرأ أعمالاً أدبية وفلسفية، ويتعلم لغات وعلومًا مختلفة من خلال هاتفه.

لكن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة وفرة الثقافة.

فهناك فرق بين الوصول إلى المعلومات وبين القدرة على التفكير فيها. قد يقرأ الإنسان عشرات العناوين في يوم واحد، وينتقل بين مقاطع الفيديو والمنشورات والتعليقات، لكنه لا يمنح فكرة واحدة الوقت الكافي لكي تتشكل داخله. وفي عالم المحتوى السريع، أصبحت المعرفة أحياناً شبيهة بومضات متتالية: كثيرة، جذابة، لكنها سرعان ما تختفي لتحل محلها ومضة أخرى.

وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات التي فرضها العصر الرقمي: لقد أصبح الإنسان أقرب إلى المعلومات، لكنه قد يكون أبعد عن القراءة العميقة.

فالكتاب لا يطلب من القارئ مجرد الانتباه، وإنما يطالبه بالصبر. الرواية تحتاج إلى وقت، والفلسفة تحتاج إلى تأمل، وعلم الاجتماع يحتاج إلى قراءة ومقارنة ونقاش. أما الهاتف، بطبيعته، فيدفع غالباً نحو الانتقال السريع بين المحتويات، ويجعل التركيز الطويل أكثر صعوبة.

ومع ذلك، سيكون من الظلم النظر إلى الهاتف باعتباره عدواً للثقافة. فالمشكلة ليست في الأداة نفسها، وإنما في طريقة استخدامها. يمكن للهاتف أن يكون نافذة إلى مكتبة عالمية، كما يمكن أن يتحول إلى آلة لاستهلاك المحتوى بلا نهاية. والفرق بين الحالتين لا تصنعه التكنولوجيا، بل يصنعه وعي المستخدم.

بل إن الثقافة نفسها لم تعد محصورة في الكتاب الورقي. فالمثقف المعاصر قد يقرأ كتاباً، ويستمع إلى محاضرة، ويتابع بودكاست، ويشاهد فيلماً وثائقياً، ويقرأ دراسة أكاديمية على شاشة حاسوبه. تعددت الوسائط، لكن السؤال الأساسي بقي كما هو: ماذا يفعل الإنسان بما يقرأ ويشاهد ويسمع؟

فالمثقف ليس من يعرف أكبر عدد من المعلومات، وإنما من يستطيع أن يحول المعرفة إلى أسئلة، والأسئلة إلى تفكير، والتفكير إلى موقف ورؤية للعالم.

ولهذا، ربما لا تكون المعركة الحقيقية بين المكتبة والهاتف، ولا بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي، وإنما بين القراءة العميقة والاستهلاك السريع.

المكتبة التقليدية كانت تمنح القارئ شيئاً مهماً: العزلة الضرورية للتفكير. أما اليوم، فقد أصبح التحدي هو أن يصنع الإنسان هذه العزلة بنفسه. أن يضع هاتفه جانباً، ويمنح كتاباً ساعتين من انتباهه، ويقرأ دون أن ينتظر إشعاراً جديداً أو ينتقل كل بضع دقائق إلى محتوى آخر.

وقد تكون هذه القدرة على التركيز واحدة من أثمن المهارات الثقافية في عصرنا.

فالكتاب لم يفقد قيمته، والمكتبة لم تفقد دورها، لكن مفهوم الثقافة نفسه يتغير. لم يعد المثقف يعيش بالضرورة داخل رفوف الكتب وحدها، وإنما يعيش في فضاء معرفي واسع ومفتوح. غير أن اتساع هذا الفضاء يفرض مسؤولية أكبر: أن نعرف كيف نختار، وكيف نتحقق، وكيف نقرأ بعمق، وكيف نميز بين المعرفة الحقيقية والضجيج المعلوماتي.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: هل ما زالت المكتبات تصنع المثقف؟ بل: هل ما زال الإنسان يريد أن يمنح نفسه الوقت الكافي لكي يصبح مثقفاً؟

فالمكتبة تستطيع أن تضع أمامنا آلاف الكتب، والهاتف يستطيع أن يفتح لنا أبواب العالم بأكمله، لكن لا هذا ولا ذاك يستطيع أن يفكر بدلاً منا.

المعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى، أما الثقافة، فلا تزال تحتاج إلى ذلك الجهد الإنساني القديم: أن نقرأ، وأن نتأمل، وأن نشك، وأن نسأل، ثم أن نعود إلى الكتاب مرة أخرى.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 7 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic