كتاب الرأي

​ملف الصحراء المغربية.. بين حق الرأي ووهم امتلاك الحقيقة


مع صدور التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء المغربية، واقتراب اجتماع مجلس الأمن، امتلأت المنابر الإعلامية ووسائط التواصل الاجتماعي بالقراءات والتأويلات والتوقعات. لكل واحد طريقته في قراءة التطورات، ولكل زاويته التي ينظر منها إلى المشهد، ولكل قناعة تشكلت لديه من خلال ما قرأ وسمع وتابع.



الحسين خاوتي

ذلك أمر طبيعي في مجتمع تتسع فيه مساحة النقاش العمومي، وتتاح فيه للمواطن فرصة التعبير عن موقفه تجاه القضايا التي تعنيه وتستحوذ على اهتمامه. وقضية الصحراء المغربية، بما تحمله من حمولة وطنية وتاريخية، تستدعي هذا الاهتمام وتستحق نقاشا حيا ومسؤولا.

غير أن حيوية النقاش شيء، والاعتقاد بامتلاك مفاتيح الملف شيء آخر.

ثمة لحظة يخرج فيها الرأي من حدوده الطبيعية، فيتحول صاحبه من مواطن يقرأ ويحلل إلى شخص يتحدث بلهجة من يملك الصورة الكاملة.

فالذي يتابع الأخبار، ويقرأ الوثائق المنشورة، ويستمع إلى التصريحات، ويقارن بين المواقف، يستطيع أن يبني قراءة خاصة به. لكنها تظل قراءة صادرة عن موقع محدد، وعن معطيات محددة، وعن مساحة من المعرفة تسمح بها المعلومات المتاحة للرأي العام.

أما الدولة فتنطلق من معطيات لا يملكها الرأي العام. الدبلوماسية المغربية لا تشتغل على ما يصل إلى المواطن عبر شاشة الهاتف، ولا تبني تقديراتها على ما تتناقله المنصات. وراء الموقف الرسمي مؤسسات وأجهزة وذاكرة دبلوماسية واتصالات ومعطيات وتقديرات، ومتابعة مستمرة لمواقف الدول وتوجهات القوى الدولية وحساباتها.

وهذا الفرق في الموقع يصنع فرقا في طبيعة المعرفة.

لا يتعلق الأمر بمن يملك الوطنية ومن يفتقدها، ولا بمن يحب المغرب ومن يختلف معه. فالمواطن الذي يدافع عن الوحدة الترابية يعبر عن شعور وطني أصيل، لكن الغيرة الوطنية لا تمنحه تلقائيا معرفة بتفاصيل العمل الدبلوماسي. يمكن للإنسان أن يكون وطنيا، وصاحب رأي قوي، وواسع الاطلاع، ثم تظل معرفته بالملف محدودة بما توفر له من معطيات. ومتى أدرك حدود ما يعرفه، اكتسب رأيه قدرا أكبر من النضج.

اللافت في النقاش الذي رافق التقرير الأخير أن بعض القراءات أخذت طابع اليقين. صاحب الرأي لا يقول: «أفهم الوثيقة بهذه الطريقة»، وإنما يتحدث أحيانا كما لو أنه يعرف ما دار في الغرف المغلقة، وما قيل في الاتصالات الدبلوماسية، وما تفكر فيه مؤسسات الدولة، وما ستفعله الأطراف خلال الأيام المقبلة. وهنا يتحول التحليل إلى ادعاء معرفة.

وهكذا يصير الرأي قابلا لأن يرتدي ثوب الحقيقة.

والأخطر من الخطأ في قراءة المعطيات أن يتحول الاستنتاج إلى يقين، ثم يتحول اليقين إلى حقيقة مكتملة في ذهن صاحبه. عندها لا يعود الرأي محاولة لفهم الوقائع، وإنما يصبح إطارا تُرتب داخله الوقائع حتى تؤكد النتيجة التي سبق الوصول إليها.

ذلك هو وهم امتلاك الحقيقة: أن ينسى الإنسان المسافة الفاصلة بين ما قيل وما فهمه، وبين ما يعرفه وما استنتجه، وبين الاحتمال الذي ترجحه قراءته والحقيقة التي لا تحتمل غيرها. وحين يرتقي الاستنتاج إلى مرتبة اليقين، يفقد الرأي مرونته؛ ويصبح صاحبه أقل استعدادا لمراجعة قناعته، وأكثر ميلا إلى تأويل كل جديد بما ينسجم معها. المشكلة لا تخص قضية الصحراء وحدها؛ غير أن حساسية الملف تجعل آثارها أكثر وضوحا. فالحديث عن قضية وطنية بهذا الحجم يحتاج إلى عقل بارد، وإلى قدرة على الفصل بين ما نعرفه وما نعتقده، وبين ما نقرأه في وثيقة وما نستنتجه منها، وبين ما نسمعه من مسؤول وما نفترضه وراء كلامه. هذه ليست دعوة إلى الصمت.

إنها دعوة إلى احترام الفرق بين الرأي والمعرفة.

ومن حق المواطن أن يختلف مع المقاربة الرسمية، وأن يطرح أسئلة حول أداء الدبلوماسية، وأن يناقش اختياراتها، وأن يقترح رؤى أخرى. النقاش الديمقراطي يفقد معناه إذا تحولت القضايا الوطنية إلى موضوعات مغلقة لا يحق للمجتمع الاقتراب منها.

لكن الاختلاف يحتاج إلى لغة الاختلاف، كما تحتاج المعرفة إلى أدلة المعرفة.

فالملفات الاستراتيجية تسير وفق مسارات مؤسسية لا يراها الجمهور لحظة بلحظة. جزء من العمل الدبلوماسي يجري عبر القنوات الرسمية، وجزء من المعلومات يظل داخل المؤسسات، وجزء من الاتصالات لا يصل إلى الإعلام، وجزء من التقديرات لا يظهر إلا بعد انتهاء مرحلة معينة من التفاوض. ولهذا يصعب على المتابع من خارج المؤسسات أن يرى الصورة التي تراها الدولة.

قد يملك الصحفي وثيقة مهمة، وقد يمتلك الباحث معرفة واسعة بتاريخ الملف، وقد يقدم المثقف قراءة عميقة، وقد يلتقط مواطن ذكي إشارة دقيقة في خطاب سياسي. لكن هذه العناصر، مهما بلغت قيمتها، لا تمنح صاحبها وحدها الصورة التي تتوفر عليها الدولة وهي تدير الملف.
إن احترام الدبلوماسية المغربية لا يعني وضعها فوق النقاش، كما أن ممارسة النقد لا تعني امتلاك بديل دبلوماسي.

الدولة تتحمل مسؤولية القرار، والمواطن يمارس حقه في النقاش. الدبلوماسي يفاوض، والباحث يحلل، والصحفي يسأل، والمثقف يناقش، والمواطن يتابع ويعبر عن موقفه. لكل موقع وظيفته، ولكل موقع حدوده. وحين يحترم النقاش هذه الحدود، يصبح الاختلاف أكثر فائدة. لذلك ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه بعد هذا السيل من القراءات والتأويلات هو: هل نريد أن نفهم الملف، أم نريد فقط أن نثبت أننا نفهمه؟

الرغبة في الفهم تدفع الإنسان إلى القراءة، والمقارنة، والتثبت، والإنصات، والاعتراف بحدود معرفته. أما الرغبة في إثبات الفهم فتدفعه إلى اليقين السريع، وإلى إطلاق الأحكام، وإلى التعامل مع الاحتمالات باعتبارها حقائق، وإلى منح رأيه سلطة لا يملكها.

ويظل أرقى ما يقدمه المواطن لقضيته الوطنية أن يصون حقه في الكلام، وأن يعرف في الوقت نفسه حدود ما يعرفه. فالوطنية شعور، والرأي حق، والتحليل اجتهاد، أما القرار الدبلوماسي فمسؤولية دولة.




الاربعاء 7 أكتوبر 2026

في نفس الركن
< >

الاربعاء 7 أكتوبر 2026 - 13:39 ​قهوة نورمال

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 16:31 دروس فنلندا دولة التعليم بامتياز


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic