بين السطور

لا أعرف شيئاً… لأنه لم يتضح بعد ما يمكن معرفته

الحكومة والوزارات والأسماء.. الشائعات تسبق التعيينات من سيتولى الحقائب الوزارية في حكومة المنصوري؟


منذ أيام، تعج الرباط بقوائم جاهزة، وحقائب موزعة، وأسماء قيل إنها حجزت مقاعدها في الحكومة المقبلة. المشكلة الوحيدة أن المشاورات السياسية لم تنته بعد، ولم تُعلن أي تركيبة رسمية للحكومة. لذلك، قد يكون أكثر ما يمكن قوله مهنياً في هذه اللحظة بسيطاً جداً: لا أعرف، لأن ما يستحق أن نعرفه بيقين لم يُحسم بعد.



بقلم : عدنان بنشقرون

يوجد في المغرب طقس سياسي وإعلامي يتكرر مع كل تكليف بتشكيل حكومة جديدة، لا تكاد هوية رئيس الحكومة تُعرف حتى ينطلق ما يشبه «الميركاتو» السياسي في الرباط.
 

من سيتولى المالية؟ ومن سيذهب إلى الخارجية؟ ومن سيقود الداخلية؟ ومن سيحصل على التربية أو الصحة أو الصناعة؟ من سيبقى في منصبه؟ ومن سيغير حقيبته؟ ومن سيدخل الحكومة لأول مرة؟ ومن سيغادرها؟
 

ثم يأتي السؤال الذي يبدو أكثر أهمية من كل ما سبق: من يملك «اللائحة»؟
 

منذ تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر وتكليفها بتشكيل الجهاز التنفيذي الجديد، هناك حقيقة رسمية واحدة لا تحتمل التأويل: المنصوري مكلفة بتشكيل الحكومة، أما ما عدا ذلك، فالمشاورات لا تزال جارية.


وحتى خلال الأيام الأخيرة، كانت هيئات عدد من الأحزاب، من بينها الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، تناقش شروط المرحلة المقبلة وتمنح قياداتها صلاحية مواصلة التفاوض.


بعبارة أخرى، في الوقت الذي يجلس فيه البعض لتوزيع الوزارات، لا تزال الأحزاب نفسها تناقش شكل الأغلبية وموقعها داخل الحكومة المقبلة.


لكن القوائم جاهزة دائماً


مع ذلك، تنتشر القوائم، رأيت بعضها، وربما وصلت إليك أنت أيضاً.


والمثير أنها لا تأتي عادة في صيغة احتمالات. بل تبدو كأنها نسخة مسربة من مرسوم لم يصدر بعد: فلان للاقتصاد، وفلانة للتربية، وآخر للعدل، ورابع للصحة. وأحياناً نعرف، وفق هذه القوائم، عدد الوزارات التي حصل عليها كل حزب قبل أن يُحسم حتى شكل الأغلبية.


ولا ينقص المشهد سوى الصورة الرسمية لأعضاء الحكومة، ثم تظهر العبارة السحرية التي تمنح كل هذه الأسماء جرعة إضافية من الهيبة: «بحسب مصدر مطلع».


و«المصدر المطلع» شخصية أساسية في الحياة السياسية المغربية. لا اسم له، ولا صفة واضحة، ولا يظهر أمام الكاميرات، لكنه، بطريقة مدهشة، يعرف ما يدور داخل اجتماعات الأحزاب، وما يقال في المفاوضات، وما ستؤول إليه الحقائب، وأحياناً ما لم يتقرر بعد أصلاً.


ولا بد من الاعتراف له بميزة واحدة على الأقل: إنه سريع جداً.


الاسم المحتمل ليس خبراً

 

هنا يصبح العمل الصحافي أقل إثارة، لكنه أكثر جدية، فالخبر المحتمل يظل احتمالاً، مهما بدا منطقياً.


كون مسؤول سياسي يمتلك المؤهلات المناسبة لوزارة معينة لا يعني أنه سيتولاها. واحتمال استمرار وزير في منصبه لا يعني أنه سيستمر فعلاً. ومطالبة حزب بحقيبة معينة لا تعني أنه حصل عليها.


والأهم من ذلك كله أن اللائحة التي يعاد إرسالها مئة مرة على «واتساب» لا تتحول في المرة المئة وواحد إلى معلومة مؤكدة.


ربما تكون هذه إحدى مشكلات عصرنا الرقمي: سرعة انتشار الخبر تمنحه أحياناً مظهراً من مظاهر الحقيقة.


لم نعد نسأل: «هل تأكد الأمر؟»، بل أصبح السؤال: «ألم ترَ اللائحة التي يتم تداولها؟»

 
نعم، رأيتها، ولهذا بالضبط أفضل أن أنتظر إلى أن تتضح حقيقتها.
 

الحكومة ستتشكل بالتأكيد.. لكن بأي صيغة؟


من الطبيعي أن تكون هناك أسماء مطروحة، وأن تناقش الأحزاب الحقائب، وأن تبحث التوازنات، وأن تُقارن الكفاءات، وأن يجري التفكير في أكثر من سيناريو.


هذا كله جزء طبيعي من عملية تشكيل أي حكومة، لكن غير الطبيعي هو أن تتحول كل فرضية إلى حقيقة منشورة.


لأن هناك أسئلة تسبق أسماء الوزراء أصلاً: ما هي الأغلبية؟ ما هو برنامجها؟ كيف ستكون هندسة الحكومة؟ كم عدد الوزارات؟ هل ستدمج بعض القطاعات؟ وما هي الأولويات التي ستلتزم بها الحكومة خلال الفترة 2026-2031؟


صحيح أن الاسم المكتوب على باب الوزارة مهم، لكن الأهم هو : ماذا سيُطلب من الشخص الذي سيدخل ذلك المكتب؟


فالمواطن لا يعيش بأسماء الوزراء، بل بنتائج السياسات التي ستطبقها وزاراتهم.


ربما يكون أجمل «سبق صحافي» هو ألا نخترع سبقاً


يعاني جزء من العمل الإعلامي اليوم من مرض غريب : الخوف من الوصول متأخراً، ولهذا يريد البعض أن يعرف اسم الوزير قبل أن يعرف الوزير نفسه أنه سيصبح وزيراً.


هناك سباق محموم على الأسبقية، حتى لو كانت المادة التي نتسابق عليها لم تصبح خبراً بعد.


أما أنا، فأفضل مخاطرة أخرى.


إذا سألتني اليوم عن التركيبة الدقيقة للحكومة المغربية المقبلة، فجوابي سيكون بسيطاً وربما غير مثير بما يكفي:


لا أعرف، ليس لأنني لا أبحث.


ولا لأن الرباط أصبحت فجأة مدينة بلا أخبار، ولا لأن الناس توقفوا عن الكلام.


بل لأنني لا أملك حتى الآن ما يكفي من اليقين لأقدم التكهن على أنه معلومة.


وسنعرف في النهاية، وعندما نعرف، سنكتب.


إلى ذلك الحين، يمكن للصالونات أن تتوقع، ولـ«واتساب» أن يشكل حكومته الخاصة، ويمكن لـ«المصادر المطلعة» أن تواصل توزيع الحقائب من هواتفها.


أما الصحافة، فمن حقها أحياناً أن تنتظر، لأن ثلاثة كلمات قد تكون، في لحظة معينة، أكثر مهنية من عشرات العناوين العاجلة : «لا أعرف بعد».





الاربعاء 7 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic