بين السطور

صمت ما بعد الانتخابات.. من سيدخل الحكومة ومن سيبقى خارجها؟


نادراً ما كان الصمت السياسي في المغرب بهذا القدر من الوضوح.



بقلم : عدنان بنشقرون

لا تسريبات جدية، ولا أسماء مؤكدة، ولا مؤشرات حاسمة بشأن شكل الأغلبية المقبلة. حتى تلك الأخبار التي كانت تجد طريقها عادة إلى الصحافة عبر الكواليس الحزبية تبدو هذه المرة شبه غائبة.


فمنذ الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، دخل المشهد السياسي مرحلة انتظار ثقيلة بالأسئلة: من سيشارك في الحكومة المقبلة؟ من سيتجه إلى المعارضة؟ أي الوزراء سيستمرون؟ ومن سيغادر؟ وهل تحمل التشكيلة الحكومية المقبلة وجوهاً جديدة؟


الأسئلة تتوالى، لكن الإجابات لم تنضج بعد.
 

صالونات الرباط والدار البيضاء تبحث عن معلومة


اعتادت الصالونات السياسية في الرباط أن تتحول، عند كل محطة حكومية، إلى مختبر واسع للتوقعات. جلسة قهوة قد تكفي لصناعة سيناريو كامل للحكومة، وأحياناً لتوزيع الحقائب قبل أن تبدأ المفاوضات فعلياً.


لكن الوضع هذه المرة مختلف، وزراء سابقون لا يملكون معلومات إضافية. برلمانيون خرجوا لتوهم من الانتخابات لا يعرفون أكثر مما يعرفه الرأي العام. وحتى المقربون من بعض القيادات الحزبية يتحدثون بحذر، أو يفضلون عدم الحديث أصلاً.


في الدار البيضاء، حيث تتابع الأوساط الاقتصادية عادة كل تغيير سياسي بحثاً عن إشارات لما قد يحمله من تحولات في السياسات العمومية، لا تبدو الصورة أكثر وضوحاً.


الأسماء موجودة في التداول، والسيناريوهات كثيرة، لكن الفاصل بين المعلومة والتخمين أصبح أكبر من المعتاد.


ومع ندرة المعطيات، يبدأ الجميع في قراءة التفاصيل الصغيرة: لقاء عادي يتحول إلى مؤشر على تحالف محتمل، وغداء بين شخصيتين يفسر باعتباره اجتماعاً سياسياً، وحتى هاتف مغلق قد يصبح مادة لبناء سيناريوهات كاملة.


وفي أحيان كثيرة، يولّد غياب المعلومة إشاعات أكثر مما تولده التصريحات نفسها. 


الصحافة أيضاً أمام منطقة ضبابية


في محطات سياسية سابقة، كان تشكيل الحكومات مناسبة لسباق حقيقي بين وسائل الإعلام حول أسماء الوزراء والتحالفات المرتقبة.


لكل صحيفة مصادرها، ولكل صحافي قنواته، وكانت بعض الأسماء تصل إلى غرف التحرير قبل أن تصبح موضوعاً رسمياً للنقاش.


هذه المرة، تبدو قواعد اللعبة مختلفة.


يمكن تحليل نتائج الانتخابات، وحساب الأغلبية الممكنة نظرياً، وقراءة مواقف الأحزاب وموازين القوى داخل البرلمان. لكن الحساب العددي شيء، والتوصل إلى اتفاق سياسي شيء آخر تماماً.


وبالمثل، فإن تداول اسم شخصية ما لا يعني أنها أصبحت مرشحة فعلياً للاستوزار.


لذلك تبدو الحيطة ضرورية. فالصحافة مسؤولة عن التمييز بين الخبر والتوقع، وبين ما جرى الاتفاق عليه وما يمكن فقط أن يحدث.


لكن المشكلة لا تتعلق هذه المرة بالتحقق وحده؛ فحتى قنوات المعلومات التي كانت تغذي الكواليس السياسية تبدو أقل نشاطاً.


والنتيجة واحدة: لا تزال ملامح الحكومة المقبلة غير واضحة.


الأحزاب تتحدث.. لكن أوراقها لم تُكشف بعد


داخل مقرات الأحزاب، للصمت حسابات أخرى.


منذ تعيين فاطمة الزهراء المنصوري في 29 شتنبر، انطلقت جولة من المشاورات شملت التجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري، والحركة الديمقراطية الاجتماعية.


اللقاءات معلنة، والصور منشورة، والتصريحات موجودة، لكن السؤال المركزي ما يزال بلا جواب: كيف ستتشكل الأغلبية المقبلة؟


المفارقة أن المشاورات تجري تحت الأضواء، في حين تظل نتائجها الفعلية خلف الستار.


الخطاب السياسي يتحدث عن البرنامج والمسؤولية والتقارب والأولويات الوطنية، وهي كلها عناوين أساسية، لكنها لا تكشف حتى الآن عن تركيبة التحالف المقبل.


التجمع الوطني للأحرار أبدى رغبته في المشاركة، فيما تظل الكلمة الأخيرة لمؤسساته. حزب الاستقلال بدوره يربط المرحلة المقبلة بقرارات هياكله. أما الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية فيركزان على التقارب في البرامج، بينما حسم حزب العدالة والتنمية موقعه في المعارضة.


إذن، هناك مواقف أولية، لكن البناء النهائي للأغلبية ما يزال مفتوحاً.


والأهم أن كل طرف يفضل الاحتفاظ بأوراقه إلى أن تتضح شروط اللعبة. 


معركة أخرى خلف التحالفات : من يدخل ومن يغادر؟


تشكيل الحكومة لا يتعلق فقط بعدد الأحزاب التي ستشكل الأغلبية، بل أيضاً بالأسماء التي ستتولى المسؤوليات، وهنا تبدأ الحسابات الأكثر حساسية.


وزراء الحكومة المنتهية ولايتها ينتظرون معرفة مصيرهم. نواب جدد قد يرون في نتائج الانتخابات بوابة إلى مسؤوليات تنفيذية. أطر حزبية تنتظر الاعتراف بمسارها، بينما تبقى أسماء تكنوقراطية محتملة في دائرة الترقب.


لكن لا توجد حتى الآن معطيات تسمح بإعداد لائحة جدية للوزراء القادمين أو المغادرين.


من الممكن أن يعود وزير سابق. ويمكن أن يستمر وزير حالي. وقد ينتقل برلماني جديد إلى السلطة التنفيذية.


كل هذه السيناريوهات ممكنة، لكنها لا تصبح أخباراً لمجرد أنها قابلة للحدوث.


ومن هنا يأتي خطر تحويل تشكيل الحكومة إلى مسابقة توقعات، تُنشر فيها أسماء تحت عبارات فضفاضة من قبيل «مصادر مطلعة» أو «اسم يتردد بقوة»، من دون أن تكون هذه الأسماء قد وصلت أصلاً إلى طاولة التفاوض.


فالسبق الصحفي يفقد معناه عندما يسبق الوقائع نفسها. 


هل يتعلق الأمر بتكتم سياسي أم أن المفاوضات لا تزال في بدايتها؟


قد يبدو من السهل تفسير الصمت الحالي على أنه نتيجة قرار متعمد بإغلاق أبواب التسريبات، لكن الاحتمال الآخر لا يقل واقعية: ربما لا توجد حتى الآن قرارات جاهزة كي يتم تسريبها.


فاللقاءات الأولى خصصت، وفق ما هو متاح، لاستعراض مواقف الأحزاب والاستماع إلى تصوراتها، بينما لم تدخل المفاوضات بعد بكل ثقلها في تفاصيل المشاركة وتوزيع المسؤوليات.


وهنا يصبح الصمت مفهوماً بصورة مختلفة، فلا يمكن كشف قرار لم يُتخذ بعد.


كما أن المرحلة تحمل رهانات خاصة. فالحكومة المقبلة مطالبة ليس فقط بجمع أغلبية برلمانية، وإنما أيضاً بصياغة برنامج مشترك قادر على الاستجابة لانتظارات اقتصادية واجتماعية كبيرة.


وقد يكون من مصلحة جميع الأطراف إبقاء المفاوضات بعيداً عن ضغط التسريبات، على الأقل في بدايتها، حتى لا تتحول الأسماء والحقائب إلى التزامات قبل أوانها.


لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما ينتقل النقاش من المبادئ والبرامج إلى توزيع المسؤوليات، عندها، غالباً ما يصبح الصمت أصعب. 


الوقت لا ينتظر انتهاء المفاوضات


مهما طال أمد المشاورات، فإن الأجندة المؤسساتية لن تتوقف

مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقترب، ومعه قرارات مالية واقتصادية لا يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.


وفي الوقت نفسه، تظل ملفات القدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم والاستثمار مطروحة بإلحاح، بصرف النظر عن المدة التي سيستغرقها تشكيل الأغلبية.


الحكومة المقبلة لن تبدأ من صفحة بيضاء، بل ستجد أمامها ملفات جاهزة تنتظر القرار والتنفيذ، ولهذا، فإن مرحلة الغموض الحالية لها أجل محدود.


في النهاية، ستعلن الأحزاب مواقفها، وستتضح التحالفات، وستوزع المسؤوليات، وتصبح الالتزامات السياسية معلنة.


وعندها ستنتقل الحياة السياسية من لغة الإشارات والكواليس إلى لغة القرارات الرسمية. 


ربما يكون هذا الصمت رسالة بحد ذاته


قد لا يكون غياب التسريبات مجرد تفصيل عابر، بل تعبيراً عن طبيعة المرحلة نفسها.


الأحزاب تعرف جيداً وزنها الانتخابي وعدد مقاعدها، وتستطيع حساب التحالفات الممكنة على الورق.


لكن ما لم يُحسم بعد هو الثمن السياسي لكل تحالف: ما التنازلات المطلوبة؟ ما الأولويات المشتركة؟ وكيف ستوزع المسؤوليات؟


لذلك  الجميع ينتظر.


في الرباط، تراقب الصالونات السياسية الأوضاع. وفي الدار البيضاء، تحاول الأوساط الاقتصادية قراءة الاتجاه القادم. داخل الأحزاب، تستمر الحسابات. وفي محيط الأسماء المرشحة للاستوزار، لا يغيب الأمل.


أما الصحافة، فعليها أن تتحقق قبل أن تتكهن.


ويبقى المواطن، في نهاية الأمر، أقل اهتماماً بلعبة «من سيدخل ومن سيخرج» من اهتمامه بالسؤال الأهم: ماذا ستفعل الحكومة المقبلة عندما تبدأ عملها؟


فالقيمة الحقيقية لأي أغلبية لن تحددها أسماء من سيجلسون حول طاولة الحكومة، وإنما ما سيتمكنون من تحقيقه بعد ذلك.


وإلى أن تنتهي المشاورات، قد تكون أكثر جملة صادقة في الكواليس السياسية اليوم هي:


«عندما تتضح الصورة، سنتحدث».


هذه المرة، قد لا تكون العبارة محاولة لإخفاء معلومة، قد تعني ببساطة أن المعلومة نفسها لم تتشكل بعد





الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic