بقلم : عائشة بوسكين
المغرب أمام انتخابات قد تغيّر لهجة مدريد
العلاقة المغربية الإسبانية عرفت خلال السنوات الأخيرة انتقالاً مهماً نحو قدر أكبر من التنسيق، خاصة منذ موقف مدريد في 2022 الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء. ومنذ ذلك الحين توسع التعاون بين البلدين في الأمن والهجرة والاقتصاد، رغم استمرار حساسية ملفي سبتة ومليلية.
لكن أزمة سبتة خلال يوليو الماضي أعادت المغرب بقوة إلى قلب الجدل السياسي الإسباني. أكثر من 70 ألف شخص عبروا من المغرب نحو المدينة، ما فجّر انتقادات واسعة داخل إسبانيا، خصوصاً من أحزاب المعارضة، ضد الحكومة وضد طبيعة العلاقة التي بنتها مع الرباط. المغرب نفى مسؤوليته عن تنظيم عمليات العبور ورفض، بحسب وزارة خارجيته، تحويله إلى ورقة في الصراع الانتخابي الإسباني.
من هنا أصبحت العلاقة مع المغرب جزءاً من النقاش الانتخابي نفسه، وليس مجرد ملف خارجي.
PSOE.. الاستمرارية في العلاقة مع الرباط
يقود سانشيز الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، PSOE، الذي يمثل يسار الوسط. استمرار الاشتراكيين في قيادة الحكومة يعني، على المستوى الثنائي، الحفاظ بدرجة كبيرة على البنية السياسية التي حكمت العلاقة مع المغرب خلال السنوات الأخيرة.
لكن سانشيز لا يستطيع الاعتماد على حزبه وحده. المشهد الإسباني شديد التفتت، والأغلبية المطلقة تحتاج إلى 176 مقعداً من أصل 350 في مجلس النواب. النواب يُنتخبون عبر قوائم حزبية مغلقة داخل المحافظات، بينما تنتخب سبتة ومليلية نائباً واحداً لكل منهما.
هذه الهندسة تجعل تشكيل الحكومة مسألة تحالفات أكثر منها مسألة حزب فائز وحده.
اليسار بعد Sumar.. تحالف جديد قد يحسم بقاء سانشيز
إلى يسار PSOE تجري محاولة لإعادة تنظيم القوى التقدمية داخل منصة جديدة تحت اسم Frente Amplio، يفترض أن تحل محل Sumar في لعب دور الشريك الحكومي المحتمل للاشتراكيين. وفي الوقت نفسه، اختار Podemos حتى الآن البقاء خارج هذه الصيغة ما لم تتحقق شروطه المتعلقة بالانتخابات التمهيدية.
هذا الانقسام مهم للمغرب بشكل غير مباشر. كلما كانت قاعدة سانشيز البرلمانية أضعف، زاد اعتماده على أحزاب صغيرة وإقليمية، وبالتالي يصبح هامش حركته في ملفات السياسة الخارجية أكثر ارتباطاً بتوازنات داخلية دقيقة.
الأحزاب الإقليمية.. مقاعد قليلة ولكن قدرة كبيرة على التعطيل
من أكبر مفاتيح الحكم في إسبانيا اليوم الأحزاب القومية والإقليمية، وخصوصاً ERC وJunts في كتالونيا، وEH Bildu في إقليم الباسك، وBNG في غاليسيا.
هذه الأحزاب لا تملك بالضرورة كتلاً ضخمة، لكنها قد تصبح حاسمة عندما لا يملك PSOE أو PP أغلبية واضحة. وقد دعمت ERC وEH Bildu وBNG سانشيز في ملفات متعددة، بينما اتخذ Junts مواقف أكثر تقلباً، وسبق أن عرقل إجراءات حكومية، من بينها مراسيم مرتبطة بالسكن كانت من العوامل المباشرة التي دفعت نحو حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
وهذا يعني أن مستقبل العلاقة مع المغرب قد يتأثر ليس فقط باسم رئيس الحكومة، بل أيضاً بهوية القوى الصغيرة التي يحتاج إليها لتثبيت أغلبيته.
PP.. تغيير في النبرة أم تغيير في السياسة؟
على الضفة المقابلة يقف الحزب الشعبي PP بقيادة ألبرتو نونييث فييخو، وهو حزب يمين وسط محافظ. الحزب يتبنى خطاباً أشد تجاه الهجرة والسيادة والحدود، كما انتقد حكومة سانشيز مراراً في علاقتها مع الرباط.
لكن وصول PP إلى الحكم لا يعني تلقائياً قطيعة مع المغرب. فالعلاقات بين الدول محكومة أيضاً بالمصالح الاقتصادية والأمنية والجغرافية، وليس فقط بالمواقف الحزبية.
المهم هنا هو: هل يستطيع PP الحكم منفرداً أم سيحتاج إلى Vox؟
Vox.. المتغير الأكثر حساسية بالنسبة إلى الرباط
هنا يظهر العامل الأكثر أهمية بالنسبة للمغرب. Vox ليس مجرد حزب يميني إضافي، بل قوة سياسية تتبنى مواقف أكثر تشدداً تجاه الهجرة وسبتة ومليلية والعلاقة مع المغرب.
الحزب طالب أخيراً بمنع منح التأشيرات للمغاربة إلى أن تعترف الرباط، وفق طرحه، بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية ومناطق أخرى، وهو مثال واضح على الفارق بين لهجته ولهجة الأحزاب التقليدية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن أي حكومة يقودها PP قد تكون بحاجة إلى دعم Vox إذا لم يتحقق له عدد كافٍ من المقاعد، وهو ما يمكن أن يمنح الحزب المتشدد قدرة على التأثير في برنامج الحكومة وشروط التحالف.
من زاوية الرباط، هذه النقطة أهم من سؤال من يأتي أولاً في الانتخابات.
سبتة.. من أزمة حدودية إلى ورقة لإعادة تشكيل اليمين
أزمة سبتة دفعت الهجرة إلى صدارة الحملة الانتخابية. وفي بلد يشهد صعوداً لخطاب قومي متشدد، أصبحت صور العبور الجماعي مادة سياسية قوية بالنسبة إلى Vox، كما دفعت PP أيضاً إلى رفع سقف خطابه في ملف الحدود.
وهنا يدخل المغرب إلى السياسة الإسبانية بطريقة غير مريحة: ليس فقط كشريك اقتصادي وأمني، بل أيضاً كموضوع انتخابي يمكن استخدامه في الصراع بين الأحزاب.
كلما اشتدت المنافسة بين PP وVox على الناخب المحافظ، ارتفعت احتمالات استخدام لغة أكثر صرامة تجاه الرباط، خصوصاً في ملفات سبتة ومليلية والهجرة.
نظام التحالفات هو الذي سيحدد السياسة تجاه المغرب
يمكن اختصار السيناريوهات السياسية الرئيسية في ثلاث صيغ :
إذا تمكن PSOE من بناء أغلبية مع اليسار والأحزاب الإقليمية، فمن المرجح أن تستمر الأسس الحالية للعلاقة مع المغرب، مع بقاء الضغوط الداخلية حول الهجرة وسبتة.
إذا قاد PP الحكومة مع هامش واسع من الاستقلال عن Vox، فقد تتغير النبرة تجاه الرباط وتصبح أكثر تشدداً، لكن المصالح الاقتصادية والأمنية ستظل تدفع نحو التعاون.
أما إذا أصبح Vox شريكاً حكومياً أساسياً أو قوة لا يمكن تشكيل الأغلبية بدونها، فإن الملف المغربي قد يتحول إلى نقطة تفاوض داخل الائتلاف نفسه، خصوصاً بسبب مواقف الحزب من سبتة ومليلية والهجرة. هذه ليست نتيجة محتومة، لكنها نتيجة منطقية لاختلاف البرامج والمواقف الحالية للأحزاب.
الانتخابات ليست منافسة بين شخصين فقط
لهذا سيكون خطأ قراءة انتخابات إسبانيا المقبلة باعتبارها مواجهة بسيطة بين سانشيز وفييخو.
وراء الرجلين توجد خريطة أوسع: PSOE، PP، Vox، اليسار الجديد، Podemos، Junts، ERC، EH Bildu، BNG وغيرها. والنتيجة الحقيقية لن تكون فقط عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب، بل من يحتاج إلى من كي يحكم.
في النظام الإسباني الحالي، قد يملك حزب صغير خمسة أو سبعة نواب فقط، لكنه يصبح صاحب الكلمة الحاسمة في تشكيل الأغلبية أو إسقاطها.
وهذه الحقيقة هي التي يجب أن تهم الرباط.
الرباط لا تراقب الفائز فقط.. بل من سيجلس إلى جانبه
بالنسبة إلى المغرب، بقاء سانشيز يعني استمرارية علاقة أصبحت معروفة القواعد نسبياً. وصول PP قد يعني تعديلاً في الخطاب وفي بعض الأولويات. أما صعود Vox إلى موقع مؤثر داخل الحكومة فقد يفرض على العلاقات الثنائية بيئة سياسية أكثر توتراً، خصوصاً حول ملفات الحدود والهجرة والسيادة.
لكن مهما تغيرت التحالفات، هناك واقع يصعب تجاوزه: المغرب وإسبانيا تجمعهما مصالح عميقة في الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والنقل البحري والطاقة ومونديال 2030.
لهذا لن يكون السؤال بعد 29 نونبر فقط: من فاز في إسبانيا؟
السؤال الأهم بالنسبة إلى الرباط سيكون: من سيشكل الحكومة مع من، وما الثمن السياسي الذي سيدفعه رئيسها لشركائه؟
هناك تحديداً قد يتقرر جزء مهم من مستقبل العلاقة المغربية الإسبانية
الرئيسية















