فن وفكر

هل أصبحت الخوارزميات تملك ذائقتنا الفنية؟


لم تعد علاقتنا بالفن تبدأ بالضرورة من معرض نزوره، أو كتاب يقع بين أيدينا، أو أغنية نسمعها صدفة. في جزء كبير من حياتنا اليومية، أصبحت الشاشة هي البوابة الأولى إلى الثقافة، وأصبحت الخوارزميات شريكاً صامتاً في تحديد ما نراه ونسمعه ونقرأه.



من «أنا أحب هذا العمل» إلى «الخوارزمية اقترحت عليّ أن أحبه»... من يصنع ذائقتنا اليوم؟

على TikTok وInstagram ومنصات البث، لا نبحث دائماً عن العمل الفني؛ في كثير من الأحيان، هو الذي يأتي إلينا. أغنية تظهر في مقطع قصير، فيلم تقترحه المنصة، فنان جديد يتكرر أمامنا في الصفحة الرئيسية، أو كتاب تنتشر حوله عشرات المقاطع والتوصيات. ومع تكرار الاقتراح، يتحول المجهول إلى مألوف، ثم قد يتحول المألوف إلى مفضل.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: هل نحن نختار ذائقتنا الفنية، أم أن الخوارزميات أصبحت تشارك في صناعتها؟

 من الاقتراح إلى صناعة الرغبة

الخوارزمية لا تقول لنا صراحة ما الذي ينبغي أن نحب، لكنها تتعلم من سلوكنا. ما نتوقف عنده، وما نعيد مشاهدته، وما نتخطاه، وما نشاركه، والوقت الذي نقضيه أمام محتوى معين، كلها إشارات تساعد المنصات على بناء صورة عن اهتماماتنا.

وبناءً على هذه البيانات، تبدأ المنصة في تقديم محتوى يشبه ما شاهدناه سابقاً. وهكذا تتشكل دائرة تبدو بسيطة: نحن نختار ما نراه، وما نراه يؤثر بدوره في اختياراتنا المقبلة.

المشكلة هنا ليست في التوصية في حد ذاتها. فمن الطبيعي أن تساعدنا التكنولوجيا على اكتشاف فنانين وأعمال لم نكن لنعثر عليها بسهولة. لكن السؤال يصبح أكثر تعقيداً عندما تتحول التوصية إلى آلية شبه دائمة لتنظيم علاقتنا بالثقافة.

فهل نكتشف العمل لأنه يستحق فعلاً، أم لأن النظام قرر أنه مناسب لنا؟

عندما يصبح الانتشار معياراً للجودة

أحد التحولات اللافتة التي أحدثتها المنصات الرقمية هو الخلط المتزايد بين الأكثر انتشاراً والأكثر قيمة.

عدد المشاهدات قد يمنح أغنية ما حضوراً هائلاً، وانتشار مقطع من فيلم قد يعيد العمل إلى الواجهة، كما يمكن لفيديو قصير أن يحول فناناً مجهولاً إلى اسم معروف في غضون أيام.

لكن الانتشار لا يعني بالضرورة الجودة.

فالفن يحتاج أحياناً إلى وقت وتأمل. بعض الأعمال لا تكشف قيمتها في ثوانٍ، ولا يمكن اختزالها في مقطع قصير قابل للمشاركة. رواية تحتاج إلى مئات الصفحات، ولوحة تحتاج إلى الوقوف أمامها، وموسيقى قد تحتاج إلى الاستماع إليها أكثر من مرة حتى تكشف طبقاتها.

في المقابل، تكافئ المنصات غالباً المحتوى القادر على جذب الانتباه بسرعة.

وهنا يظهر توتر جديد بين منطق الفن ومنطق المنصة: الأول قد يحتاج إلى الصبر، بينما الثاني يقوم على إبقاء المستخدم متفاعلاً لأطول فترة ممكنة.

هل تضيق الخوارزمية مجال اكتشافنا؟

المفارقة أن الخوارزميات، التي فتحت أمامنا أبواباً لا حصر لها، قد تجعلنا في الوقت نفسه أكثر انغلاقاً داخل ذائقتنا الخاصة.

فإذا كنت تستمع باستمرار إلى نوع معين من الموسيقى، فمن المرجح أن تقترح عليك المنصة أعمالاً قريبة منه. وإذا كنت تشاهد نوعاً محدداً من الأفلام، فستظهر أمامك اقتراحات مشابهة.

وهكذا يمكن أن نجد أنفسنا داخل فقاعة ثقافية صغيرة، نستهلك فيها ما يشبه ما نعرفه أصلاً.

بينما كان اكتشاف عمل فني جديد في الماضي قد يكون نتيجة مصادفة أو توصية من صديق أو زيارة لمكتبة أو معرض، أصبح الاكتشاف اليوم أكثر ارتباطاً بالبيانات السابقة لسلوكنا.

وهذا يطرح سؤالاً مهماً: هل نحتاج أحياناً إلى أن تقترح علينا الآلة شيئاً لا يشبهنا؟

ذائقة شخصية أم ذائقة مبرمجة؟

لطالما كانت الذائقة الفنية مرتبطة بالتجربة الشخصية والبيئة الاجتماعية والتعليم والطبقة والذاكرة والعلاقات الإنسانية. ما نعتبره جميلاً لا يتشكل في فراغ، بل يتأثر بالعائلة والمدرسة والمدينة والأصدقاء واللغة والكتب التي قرأناها.

اليوم دخل عنصر جديد إلى هذه المعادلة: المنصة الرقمية.

إنها لا تحدد ذائقتنا وحدها، لكنها أصبحت طرفاً مؤثراً فيها. وبينما كانت المؤسسات الثقافية التقليدية تلعب دوراً في تحديد ما يستحق العرض أو النشر، أصبحت المنصات الرقمية تؤدي وظيفة مشابهة، ولكن باستخدام معايير مختلفة، أبرزها التفاعل والانتشار والقدرة على جذب الانتباه.

وهنا يمكن أن نطرح السؤال بصيغة أكثر عمقاً: من يملك سلطة تحديد ما يستحق أن نراه؟

 الفنان أيضاً أمام سلطة جديدة

لا تؤثر الخوارزمية في الجمهور وحده، بل في الفنان كذلك.

فالفنان الذي يعرف أن نجاح عمله يرتبط بمدى ظهوره على المنصات قد يبدأ، بشكل واع أو غير واع، في التفكير في العمل وفقاً لقواعد المنصة: عنوان جذاب، مقطع قصير، بداية سريعة، صورة قابلة للتداول، أو محتوى يمكن تحويله بسهولة إلى «ترند».

وهنا قد يصبح الفنان أمام معادلة صعبة: هل يصنع ما يريد، أم ما تعرف الخوارزمية كيف تبيعه؟

الخطر ليس في استخدام الفنان للمنصات، فهي أصبحت أداة أساسية للوصول إلى الجمهور، وإنما في أن تتحول الأداة تدريجياً إلى معيار للإبداع نفسه.

الخوارزمية ليست عدواً

ومع ذلك، سيكون من السهل الوقوع في خطاب يضع التكنولوجيا في مواجهة الفن. والحقيقة أكثر تعقيداً.

فالخوارزميات ساهمت أيضاً في منح فنانين مستقلين فرصاً لم تكن متاحة لهم في السابق، وساعدت جمهوراً واسعاً على اكتشاف موسيقى وسينما وأدب وفنون من ثقافات مختلفة.

لقد أصبح الوصول إلى الأعمال الثقافية أسهل وأسرع وأكثر تنوعاً.

لكن المسألة تكمن في الوعي بطريقة هذا الوصول.

أن نعرف أن ما يظهر أمامنا ليس بالضرورة انعكاساً محايداً للعالم الثقافي كله، بل نتيجة اختيار آلي مبني على سلوكنا السابق، قد يكون الخطوة الأولى لاستعادة شيء من استقلال ذائقتنا.

 أن نبحث خارج ما تقترحه علينا الآلة

ربما لا تكمن المشكلة في أن تقترح علينا الخوارزميات ما نحب، وإنما في أن نكتفي بما تقترحه.

فالذائقة الحقيقية تحتاج إلى المغامرة أيضاً: أن نقرأ كاتباً لا نعرفه، ونستمع إلى موسيقى لا تشبه ما اعتدنا عليه، ونشاهد فيلماً بطيئاً لا يحقق ملايين المشاهدات، وندخل معرضاً لا نعرف فنانَه.

قد تكون أجمل الأعمال التي نكتشفها هي تلك التي لم تقترحها علينا الخوارزمية أصلاً.

في النهاية، لا تملك الخوارزمية ذائقتنا بالكامل، لكنها أصبحت حاضرة في الطريق الذي نسلكه للوصول إلى الفن. وبين الاختيار البشري والاقتراح الآلي، تبدو المعركة الحقيقية اليوم ليست حول من يختار فقط، بل حول قدرتنا على أن نعرف لماذا اخترنا ما اخترناه.

فربما لم يعد السؤال:ماذا أحب؟
بل أصبح: هل أحببته لأنني اخترته، أم لأنني رأيته كثيراً حتى ظننت أنني اخترته؟

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 4 نوفمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ






ميزانية 2027.. اسأل وافهم مع مساعد «L’ODJ» الذكي

وعدٌ تحقق: «L’ODJ ميديا» تطلق مساعدها بالذكاء الاصطناعي حول مشروع قانون المالية 2027





















Buy cheap website traffic