بقلم : بوشعيب حمراوي
شكراً روسيا، ليس لأن الفيتو أصبح فجأة أداة ديمقراطية، بل لأنه هذه المرة أنتج مفارقة سياسية تستحق أن تُخلّد في سجلات الدبلوماسية الدولية: موسكو تستعمل الفيتو لإسقاط المشروع الأمريكي، الذي كان يهدف إلى الإبقاء على المينورسو بدون حرف الراء، فيسقط مشروعها البديل، وتنتهي ولاية المينورسو نهائياً، فتخرج الجزائر تبكي رحيل البعثة، بينما تصدر البوليساريو بياناً تعبر فيه عن ارتياحها لإسقاط المشروع الأمريكي، وتشكر روسيا والجزائر معاً!
إنه مشهد عبثي مكتمل العناصر: روسيا تعطل، والجزائر تتحسر، والبوليساريو تشكر، والمينورسو ترحل!
والأغرب أن البيانات الثلاثة، الروسي والجزائري وبيان البوليساريو، تكاد تتفق على رفض المقاربة الأمريكية، لكنها تختلف في كيفية التعامل مع النتائج التي ترتبت على إسقاطها.
فهل نحن أمام توزيع للأدوار؟ أم أمام حسابات دبلوماسية لم تكن نتائجها محسوبة؟ أم أن لغة البيانات أصبحت وسيلة لإعلان الانتصارات حتى عندما تكون الحصيلة مخالفة للأهداف؟
الجزائر تبكي.. والبوليساريو تشكر من ساهم في إسقاط البعثة!
في 31 أكتوبر 2026، خرجت الخارجية الجزائرية ببلاغ رسمي تعرب فيه عن بالغ أسفها لعدم تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء، بعد خمسة وثلاثين عاماً من وجودها.
وبررت الجزائر النتيجة بما اعتبرته انحيازاً مفرطاً للمشروع الأمريكي لصالح المغرب، مؤكدة أنها حذرت أعضاء مجلس الأمن مسبقاً من تداعيات هذا التوجه.
إلى هنا، يمكن فهم الموقف الجزائري، حتى إن اختلفنا معه.
لكن المفاجأة جاءت من البوليساريو، الجهة التي تدعمها الجزائر سياسياً ودبلوماسياً منذ عقود.
ففي مساء اليوم نفسه، وتحديداً يوم السبت 31 أكتوبر، أصدرت جبهة البوليساريو بياناً أعلنت فيه ارتياحها لعدم اعتماد المشروع الأمريكي، وأعربت عن امتنانها العميق لروسيا بسبب معارضتها المشروع، وأشادت بامتناع الصين وباكستان والصومال عن التصويت، ثم خصصت فقرة لشكر الجزائر على مواقفها الداعمة.
يا للمفارقة!
الجزائر تأسف، والبوليساريو ترتاح!
الجزائر تتحسر على عدم تمديد مهمة البعثة، والبوليساريو تشكر موسكو على إسقاط مشروع كان سيضمن استمرار وجودها بصيغة معدلة!
والبوليساريو، وهي توجه عبارات الامتنان إلى الجزائر، تبدو وكأنها تشكر من يبكي على نتيجة أسهم حلفاؤه السياسيون في الوصول إليها!
البوليساريو لم تعلن احتفالها بانتهاء مهمة المينورسو نفسها، بل عبرت عن ارتياحها لإسقاط المشروع الأمريكي، مع تمسكها بالدور التقليدي للبعثة التي تبخرت.
لكن هذا التمييز لا يلغي المفارقة السياسية التي تكشفها المقارنة بين البلاغين.
فالجزائر ركزت على خسارة التمديد، بينما ركزت البوليساريو على نجاح تعطيل المشروع الأمريكي.
وكأن كل طرف اختار من النتيجة الجزء الذي يناسب خطابه، وترك الجزء الآخر يبحث لنفسه عن تفسير!
روسيا تسقط أحد عشر صوتاً.. ثم تبحث عن تسعة فلا تجد سوى ثلاثة!
لنعد إلى جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026.
تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار يقضي بتمديد الوجود الأممي سنة إضافية، مع إعادة النظر في اسم المينورسو ومهامها، وإعطاء مقترح الحكم الذاتي المغربي مكانة متقدمة في مسار التسوية.
وحصل المشروع على تأييد إحدى عشرة دولة من أصل خمس عشرة، وامتنعت ثلاث دول هي الصين وباكستان والصومال، بينما استعملت روسيا حق الفيتو لإسقاطه.
لقد نجحت موسكو في تعطيل مشروع حظي بالأغلبية المطلوبة.
لكنها لم تنتظر طويلاً لتكتشف أن القوة التي تمكنها من إسقاط مشاريع الآخرين لا تمنحها بالضرورة القدرة على تمرير مشاريعها.
فقد تقدمت بمشروع بديل لتمديد مهمة المينورسو سنة إضافية بصيغتها التقليدية.
وهنا حدثت المفاجأة: ثلاثة أصوات فقط! روسيا والصين والصومال.
أما الدول الإحدى عشرة الأخرى فامتنعت عن التصويت، بينما صوتت الولايات المتحدة ضد المشروع. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن في حاجة إلى إطلاق رصاصة الفيتو نفسها في اتجاه روسيا.
فالمشروع لم يكن يحتاج إلى فيتو أمريكي حتى يسقط، لأن الحساب العددي كان كافياً لإجهاضه.
وسقط النص الروسي لأنه لم يبلغ الحد الأدنى المطلوب لاعتماد القرارات، وهو تسعة أصوات مؤيدة.
وهكذا، فإن روسيا التي استعملت الفيتو لإسقاط إرادة إحدى عشرة دولة، عجزت عن جمع تسع دول لإنقاذ مشروعها!
وهنا يمكن القول، بسخرية سياسية، إن الفيتو الروسي اصطدم للمرة الأولى في هذه المعركة بحسابات الأغلبية التي اعتاد تجاوزها.
هل وضعت الجزائر ثقلها النفطي والغازي في رهان خاسر؟
تفرض هذه النتيجة سؤالاً حول حجم الرهانات الجزائرية على الموقف الروسي.
فالجزائر ترتبط بموسكو بعلاقات سياسية وعسكرية واستراتيجية معروفة، كما تمتلك مصالح اقتصادية وطاقية كبيرة، وتعتبر ملف الصحراء من أهم ملفات سياستها الخارجية.
وطبعاً، روسيا لا تحتاج فقط إلى النفط والغاز الجزائريين، لكنها تنظر أيضاً إلى الجزائر باعتبارها موقعاً استراتيجياً مهماً لحضورها في المنطقة.
وقد كشفت الخارجية الجزائرية بنفسها أنها وجهت مراسلات إلى أعضاء مجلس الأمن للتحذير من المشروع الأمريكي.
والجزائر لم تكتف بالمراسلات، بل سخرت علاقاتها الاستراتيجية وثقلها الدبلوماسي والاقتصادي.
لكن ما لا يحتاج إلى افتراض هو أن الجزائر عارضت المشروع الأمريكي، وأن موسكو أسقطته، وأن المشروع الروسي البديل فشل في تحقيق التمديد الذي كانت الجزائر تطالب به.
وهنا تتضح المفارقة: لقد كان المطلوب جزائرياً الحفاظ على المينورسو، وكانت النتيجة انتهاء ولايتها!
فهل راهنت الجزائر على الفيتو الروسي دون أن تحسب احتمال سقوط البديل؟
وهل اعتقدت أن إسقاط المشروع الأمريكي سيجبر مجلس الأمن على اعتماد المشروع الروسي؟
أم أنها كانت تدرك المخاطرة، لكنها فضلت رفض أي تحول في طبيعة المينورسو حتى لو كان الثمن عدم تمديدها؟
أسئلة لا يجيب عنها البلاغ الجزائري، وإن كانت نتائج التصويت تجعلها أكثر إلحاحاً.
بيان البوليساريو.. شكرا روسيا والجزائر على ماذا بالضبط؟
أكثر ما يستوقف القارئ في بيان البوليساريو ليس انتقادها الولايات المتحدة أو المغرب، فهذه مواقف معروفة، بل قائمة الشكر التي تضمنها البلاغ.
فالجبهة شكرت روسيا على معارضة المشروع الأمريكي، وأشادت بمواقف الدول الممتنعة عن التصويت، ثم عبرت عن امتنانها للجزائر.
لكن ماذا عن النتيجة؟
إذا كانت روسيا قد استعملت الفيتو لمنع تحول المينورسو إلى بعثة جديدة، ثم فشلت في ضمان استمرارها بالصورة القديمة، فهل يُعد ذلك نجاحاً يستحق الشكر أم إخفاقاً يستحق المراجعة؟
وإذا كانت الجزائر تعلن أسفها العميق لانتهاء المهمة، فلماذا لا ينعكس هذا الأسف بالوضوح نفسه في بيان البوليساريو؟
وهل يكفي سقوط المشروع الأمريكي لإعلان الارتياح، ولو أدى ذلك إلى نهاية الولاية الأممية التي ظل الطرفان يدافعان عن تمديدها؟
إنها أسئلة تضع البيانين أمام امتحان الاتساق السياسي.
فالجزائر تعتبر عدم التمديد نتيجة مؤسفة، والبوليساريو تعتبر إسقاط المشروع الأمريكي باعثاً على الارتياح، مع أن الحدثين مرتبطان بالسياق السياسي والتصويتي نفسه.
ليست المفارقة هنا في اختلاف الألفاظ فقط، بل في اختلاف ترتيب الأولويات: الجزائر تضع استمرار البعثة في الواجهة، والبوليساريو تضع منع تغيير مهامها في الواجهة.
لكن النتيجة واحدة: البعثة لم تحصل على تمديد، والمشروع الروسي الذي كان يفترض أن ينقذها لم يمر.
الجزائر والبوليساريو.. حتى قاموس الاتهامات لم يتغير!
لم يقتصر التشابه بين البيانين على معارضة المشروع الأمريكي، بل امتد إلى المفردات المستعملة في الحديث عن المغرب.
فالخارجية الجزائرية وظفت تعبيرات تشكك في السيادة المغربية على الصحراء، وتحدثت عن الاحتلال والاستيلاء على الأراضي بالقوة.
أما بيان البوليساريو فاستعمل وصف «دولة الاحتلال المغربي»، واتهم المملكة بتقديم قراءة مشوهة لنتائج مجلس الأمن، وحذر من الإجراءات التي قد تتخذها عقب انتهاء مهمة المينورسو.
وكأن البيانين كُتبا من داخل القاموس السياسي نفسه، مع اختلاف واضح في الموقف المعلن من نتيجة التصويت!
والغريب أن البوليساريو تتهم المغرب بتحريف نتائج مجلس الأمن، بينما تقدم ارتياحها لإسقاط المشروع الأمريكي بوصفه مكسباً، دون أن تقدم تفسيراً واضحاً لكيفية تعويض الوجود الأممي الذي انتهت ولايته.
أما الجزائر، فتنتقد الانحياز الأمريكي إلى المغرب، بينما تدافع عن مشروع روسي لم يجد في مجلس الأمن سوى ثلاثة مؤيدين.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل أصبحت شرعية المبادرات الدولية تقاس بمدى اقترابها من الموقف الجزائري، أم بقدرتها على الحصول على تأييد أعضاء مجلس الأمن وتحقيق تسوية سياسية؟
إن استعمال الأوصاف السياسية القاسية لا يعوض غياب الأصوات، ولا يحول المشاريع المرفوضة إلى قرارات معتمدة.
فاللغة شيء، وحسابات مجلس الأمن شيء آخر.
شكراً روسيا.. الفيتو الذي ذبح الديمقراطية يتحول إلى مقصلة لأصحابه!
لطالما كان حق الفيتو عنواناً لأزمة الديمقراطية داخل مجلس الأمن.
فكيف يمكن لدولة واحدة أن تعطل مشروع قرار تؤيده أغلبية الدول الأعضاء؟ وكيف تتحول إرادة خمسة أعضاء دائمين إلى سلطة تتجاوز أصوات بقية العالم؟
إنها معضلة بنيوية جعلت مجلس الأمن عاجزاً في مناسبات كثيرة عن اتخاذ قرارات بشأن أزمات إنسانية وحروب ونزاعات دولية.
لكن الفيتو الروسي في 30 أكتوبر قدم مفارقة تستحق التوقف.
لقد استخدمته موسكو لإجهاض المشروع الأمريكي، الذي كان يحظى بتأييد إحدى عشرة دولة، معتقدة أن تعطيل المشروع سيحافظ على فرصة تمرير البديل الذي تفضله.
غير أن المشروع الروسي لم يجد سوى ثلاثة أصوات.
وهكذا انتهت المعركة دون اعتماد أي من المشروعين.
فلم ينتصر الفيتو للديمقراطية من الناحية القانونية أو المؤسسية؛ بل كشف، في هذه الحالة، كيف يمكن لاستعماله أن ينقلب على الأهداف السياسية لمن يعتمدون عليه.
لقد أرادت روسيا حماية الصيغة القديمة للمينورسو، فإذا بالبعثة تنتهي ولايتها.
وأرادت الجزائر إسقاط المقاربة الأمريكية، فإذا بها تخسر فرصة التمديد بصيغته الجديدة دون الحصول على التمديد القديم.
وأرادت البوليساريو الاحتفاء بسقوط المشروع الأمريكي، فإذا بها تشكر الأطراف التي لم تتمكن من إبقاء المهمة الأممية قائمة.
أما المغرب، فقد تعامل رسمياً مع عدم تمديد المينورسو باعتباره تحولاً مهماً في مسار القضية.
وبذلك يصبح المشهد أشبه بمسرحية سياسية يصفق فيها طرف لإغلاق الستار، بينما يبكي طرف آخر لأن العرض انتهى!
المغرب أمام مرحلة جديدة.. والبلاغات لا تعيد عقارب الساعة
لقد استمرت المينورسو خمسة وثلاثين عاماً، منذ إحداثها سنة 1991 في سياق مخطط التسوية الأممي الذي كان يتضمن تنظيم استفتاء حول مستقبل الصحراء.
لكن الاستفتاء لم يتحقق، واستمرت البعثة تؤدي مهام أخرى، وفي مقدمتها مراقبة وقف إطلاق النار.
ومع مرور السنوات، تغيرت المقاربات الدولية، وبرز مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أحد المحاور الأساسية للمفاوضات السياسية.
غير أن الجزائر والبوليساريو ظلتا متمسكتين بإطار الاستفتاء، ورفضتا التحول الذي حمله المشروع الأمريكي.
ثم جاءت النتيجة التي لم يكن الطرفان يسعيان إليها بالشكل نفسه: نهاية ولاية المينورسو دون تمديد.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين انتهاء ولاية البعثة وبين الحسم النهائي للوضع القانوني والسياسي للإقليم؛ فعدم التمديد لا يشكل، وحده، اعترافاً أممياً جديداً بالسيادة أو تسوية نهائية للنزاع.
أما بالنسبة للمغرب، فإن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة العمل الدبلوماسي لتعزيز موقع الحكم الذاتي، وترسيخ التنمية والاستقرار بالأقاليم الجنوبية، والسعي إلى حل سياسي دائم.
البوليساريو توزع الشكر.. والجزائر توزع المناديل!
سيبقى يوم 31 أكتوبر 2026 يوماً لافتاً في تاريخ البيانات السياسية المرتبطة بملف الصحراء.
في الجزائر، بلاغ يعبر عن بالغ الأسف لعدم تمديد المينورسو.
وفي بيان البوليساريو، تعبير عن الارتياح لإسقاط المشروع الأمريكي، مع شكر روسيا والجزائر.
وفي موسكو، مشروع بديل لم يحصد سوى ثلاثة أصوات.
وفي مجلس الأمن، بعثة أممية تنتهي ولايتها بعد خمسة وثلاثين عاماً.
والسؤال الذي لا يزال مطروحاً: كيف يمكن لأطراف تطالب باستمرار البعثة أن تعتبر إسقاط مشروع تمديدها مكسباً سياسياً، ثم تتحسر على النتيجة التي أعقبت ذلك؟
إنها ليست مفارقة في الكلمات وحدها، بل مفارقة في حسابات السياسة وموازين القوى.
فقد نجحت روسيا في منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكنها عجزت عن إقناع المجلس ببديلها.
ونجحت الجزائر في التعبير عن معارضتها للمقاربة الأمريكية، لكنها لم تحصل على النتيجة التي كانت تطالب بها.
أما البوليساريو، فاختارت التعبير عن الارتياح وشكر حلفائها، وإن ظلت نهاية ولاية البعثة تطرح أسئلة عملية عن مستقبل المسار الأممي الذي تقول إنها متمسكة به.
ولذلك، وبعد قراءة البلاغين، لا يسعنا إلا أن نختم بالسخرية التي يفرضها المشهد:
شكراً روسيا.. لقد أردتِ إنقاذ المينورسو بالفيتو، فانتهت مهمتها!
وشكراً للبوليساريو التي شكرت موسكو والجزائر على إسقاط المشروع الأمريكي، بينما كانت الجزائر نفسها تعلن الحداد الدبلوماسي على عدم تمديد البعثة!
والسؤال الأخير: هل نرسل إلى الجزائر برقية تعزية في رحيل المينورسو، أم نرسل إلى البوليساريو برقية تهنئة بإسقاط المشروع الأمريكي؟
أم نرسل البرقيتين معاً، ونترك للجزائر والبوليساريو مهمة الاتفاق على ما إذا كانت نتيجة 30 أكتوبر تستحق البكاء أم التصفيق؟
الرئيسية















