كتاب الرأي

ما لم يقله المغاربة للعالم


من الصحراء المغربية إلى سبتة ومليلية والصحراء الشرقية، ومن جراح التهجير إلى فلسطين وكأس إفريقيا... شعب اختار الحكمة بدل الانتقام، ومد يده للمصالحة رغم الجراح، لكن صبره لا يعني النسيان ولا التخلي عن الحقوق



بقلم : بوشعيب حمراوي

هناك أشياء كثيرة لم يقلها المغاربة للعالم. أشياء ظلت حبيسة الصدور، لا لأن أصحابها عاجزون عن الكلام، ولا لأنهم يفتقرون إلى الحجج والوثائق، وإنما لأنهم ينتمون إلى وطن اختار، في محطات عديدة من تاريخه، أن يجعل الحكمة تسبق الغضب، وأن يقدم الحوار على القطيعة، وأن يبحث عن الحلول بدل إشعال الحرائق.


لكن هل فهم العالم حقيقة هذا الاختيار؟


وهل أدرك أن صمت المغاربة عن بعض القضايا ليس اعترافاً بالأمر الواقع، وأن تسامحهم مع بعض المواقف لا يعني نسيانها، وأن حرصهم على استمرار العلاقات مع الآخرين لا يمنح هؤلاء الحق في الإساءة إليهم أو استغلال مرونتهم؟


إن للمغاربة ذاكرة طويلة. ذاكرة تحفظ الجميل، لكنها لا تمحو الجراح. ذاكرة شعب يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يحتج ومتى ينتظر، دون أن يعني انتظاره أنه تخلى عن قناعاته.


وما أكثر الملفات التي كان بإمكان المغاربة أن يرفعوا بشأنها أصواتهم، لكنهم فضلوا معالجتها بالتدرج، حفاظاً على السلم والعلاقات بين الشعوب.


الصحراء المغربية... لماذا نقترح الحكم الذاتي في أرض نعتبرها أرضنا؟


لعل أول ما لم يقله المغاربة للعالم بالوضوح الكافي يتعلق بمقترح الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.


فالمغاربة، ملكاً وشعباً ومؤسسات، ينطلقون من قناعة راسخة بأن الصحراء جزء من وطنهم، وأنها ليست أرضاً أجنبية يطالبون بالحصول عليها، وإنما أرض يعتبرونها جزءاً من امتدادهم التاريخي والسيادي.


ومع ذلك، تقدم المغرب سنة 2007 بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.


وهنا السؤال الذي لا يطرحه العالم بما يكفي: لماذا يقدم شعب مقتنع بمغربية صحرائه مقترحاً استثنائياً لتدبيرها؟


الجواب، من وجهة نظرنا، ليس أن المغرب يشك في حقوقه، وإنما لأنه أراد إنهاء نزاع طال أمده، وإغلاق باب استنزاف المنطقة، وإيجاد مخرج سياسي يحفظ السيادة المغربية ويمنح سكان الصحراء صلاحيات واسعة لتدبير شؤونهم.


إن الحكم الذاتي، بهذا المعنى، ليس تنازلاً عن السيادة، وإنما تنازل عن جزء من مركزية تدبير الاختصاصات لفائدة المؤسسات المحلية.


بل إننا نعتقد أن نجاح هذه التجربة قد يفتح مستقبلاً نقاشاً بين المغاربة أنفسهم حول تطوير الجهوية المتقدمة، وتوحيد منطق توزيع الصلاحيات بين جهات المملكة، بما يحفظ خصوصيات كل منطقة ويعزز المساواة في المواطنة.


ولا يمكن الجزم بما سيختاره سكان الصحراء بعد سنوات من تطبيق الحكم الذاتي، لكن من حقنا أن نتطلع إلى مستقبل تصبح فيه المؤسسات الجهوية المتقدمة مكسباً وطنياً عاماً، لا مجرد آلية لتسوية نزاع.


وما يثير الاستغراب أن بعض الدول ظلت تتعامل مع المقترح المغربي بمنطق الحسابات والمصالح، فتقترب حيناً وتتردد حيناً آخر، وكأن مصير الشعوب مجرد ورقة في سوق التوازنات الدولية.


ففرنسا وإسبانيا، بحكم تاريخهما الاستعماري وحضورهما الطويل في المنطقة، تمتلكان أرشيفاً واسعاً من الوثائق والخرائط والمراسلات المتعلقة بالصحراء.


ومن حق الباحثين المغاربة مطالبة هاتين الدولتين بإتاحة هذا الأرشيف كاملاً للدراسة التاريخية، بدل ترك أجزاء من الذاكرة المشتركة حبيسة المؤسسات والوثائق غير المتاحة.


إننا لا ندعي أن مجرد نشر الأرشيف سيحسم النزاع قانونياً، لكننا نؤمن بأن الحقيقة التاريخية لا ينبغي أن تبقى رهينة الحسابات الدبلوماسية.


مجلس الأمن... عندما تصبح مصالح الدول أقوى من البحث عن الحلول


لقد جاءت التطورات الأخيرة المرتبطة بمجلس الأمن لتعيد طرح السؤال نفسه.


فبدلاً من أن يكون المجلس فضاءً لتقريب المواقف وإنتاج تسوية سياسية، أصبح النزاع موضوع تجاذبات بين قوى كبرى، لكل واحدة منها مصالحها وتحالفاتها.


إن المغرب الذي قدم مبادرة سياسية لإنهاء النزاع يجد نفسه أمام نظام دولي يمكن فيه لحق النقض «الفيتو» أن يعطل مشروع قرار، مهما كانت الأغلبية المؤيدة له.


وفي المقابل، قد تقدم دولة أخرى مشروعاً بديلاً لا يحصل على الأصوات اللازمة لاعتماده.


وهنا تتجلى المفارقة: يستطيع أصحاب المصالح تعطيل المقترحات، لكنهم لا يتحملون بالضرورة كلفة استمرار النزاع.


أما بعثة المينورسو، التي أُنشئت سنة 1991 في إطار خطة للتسوية تضمنت تنظيم استفتاء، فقد تحولت لاحقاً إلى آلية تتمحور مهمتها حول مراقبة وقف إطلاق النار ودعم المسار الأممي.


خمسة وثلاثون عاماً من الحضور، والميزانيات، والموظفين، والعسكريين، والمركبات، والمقرات، والرحلات والاجتماعات.


ومن حق المغاربة، ومن حق دافعي الضرائب الذين يمولون الأمم المتحدة، أن يسألوا:


ما الحصيلة السياسية لهذه العقود؟


وما الذي تحقق مقارنة بالأموال التي أُنفقت؟


ولماذا لم تكن حماية حقوق الإنسان في مخيمات تندوف ومراقبة تدبير المساعدات الإنسانية ضمن الاختصاصات الأصلية لهذه البعثة؟


إن المطالبة بالمحاسبة هنا لا تعني اتهام موظفي الأمم المتحدة دون أدلة، وإنما مساءلة حدود التفويض الأممي وجدوى الآليات التي استمرت عقوداً دون تسوية نهائية.


سبتة ومليلية... هل الصمت المغربي يعني نهاية القضية؟


هناك قضية أخرى لا ينبغي أن يغيب الحديث عنها كلما تناولنا الوحدة الترابية للمغرب.


إنها سبتة ومليلية، والجزر والثغور الواقعة تحت الإدارة الإسبانية قبالة السواحل المغربية، ومنها الجزر الجعفرية وجزر الحسيمة وصخرة بادس وجزيرة ليلى.


هذه المواقع تختلف في أوضاعها التاريخية والقانونية، لكنها تثير في الذاكرة الوطنية المغربية أسئلة مرتبطة بالتاريخ والسيادة والعلاقات مع إسبانيا.


وإذا كانت مدريد تدعي أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان، فإن المغرب ظل يعتبر وضعهما قضية تاريخية لم تُسوَّ بين البلدين.


والأغرب أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية الإسبانية تتعامل مع هذا الوضع وكأنه حقيقة لا يجوز حتى مناقشتها.


لكن لماذا؟ هل الإدارة الفعلية لمنطقة ما تمنع البحث في تاريخها؟


وهل الادعاء بانتماء المدينتين إلى المنظومة الأوروبية يلغي مغربيتهما ويلغي وجود خلاف تاريخي بشأنهما؟


لقد اختار المغرب أن يبني مع إسبانيا علاقات تعاون اقتصادي وأمني وإنساني واسعة، ولم يجعل من هذا الملف عائقاً دائماً أمام الشراكة.


لكن هل يعني ذلك أن المغاربة تخلوا عن ذاكرتهم؟


إن الملك الراحل الحسن الثاني نفسه تناول القضية في حواراته مع الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول، وأشارت مذكرات هذا الأخير إلى فكرة ترك تسويتها للأجيال اللاحقة.


وهنا سؤال لا مفر منه: إذا كان ملكا البلدين قد تحدثا عن مستقبل القضية، فلماذا يريد البعض اليوم أن يمنع حتى مجرد النقاش بشأنها؟


إننا لا ندعو إلى العداء مع إسبانيا، ولا إلى المساس بعلاقات الشعبين، وإنما إلى احترام حق المغاربة في مناقشة تاريخهم ومطالبهم بالوسائل السلمية والقانونية.


الصحراء الشرقية... التاريخ الذي لا ينبغي دفنه


وعندما نتجه شرقاً، نجد أنفسنا أمام فصل آخر من فصول التاريخ المغاربي.


فقد أحدث الاستعمار الفرنسي تحولات عميقة في الحدود بين المغرب والجزائر، وارتبطت المطالب المغربية التاريخية بمناطق منها بشار وتندوف وأدرار وأجزاء من الصحراء
الشرقية.


وكان بإمكان المغرب أن يجعل هذه الخلافات عائقاً أمام مساندته لحركة التحرر الجزائرية. لكنه لم يفعل.


لقد اختار محمد الخامس دعم استقلال الجزائر، إيماناً منه بأن تحرر الشعب الجزائري جزء من تحرر المنطقة المغاربية.


وفي 6 يوليوز 1961، وقع الحسن الثاني وفرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، اتفاقاً أقر بوجود مشكلة حدودية موروثة عن المرحلة الاستعمارية، وبضرورة معالجتها بعد استقلال الجزائر.


لكن الاستقلال لم يؤد إلى التسوية المنشودة، بل اندلعت حرب الرمال سنة 1963.


ثم جاءت اتفاقية ترسيم الحدود الموقعة سنة 1972، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 1989.


ويحق للمغاربة اعتبار هذه الاتفاقية ملغاة لتعثر العلاقات وعدم تحقق بعض الآمال التي رافقت توقيعها.


من حقنا أن نطرح السؤال التاريخي والسياسي: ماذا خسر المغرب من فرص حين اختار المراهنة على المصالحة والتكامل المغاربي؟


وماذا كان يمكن أن تكون عليه المنطقة لو تحولت الاتفاقيات إلى مشاريع مشتركة حقيقية؟


غار جبيلات... حين تصبح المسافة الطويلة ثمناً للخلاف السياسي


ولعل من أكثر الأمثلة دلالة على الثمن الاقتصادي الذي تدفعه المنطقة المغاربية بسبب خلافاتها السياسية ما يجري اليوم بشأن منجم الحديد بغار جبيلات.


ففي 15 يونيو 1972، وقع المغرب والجزائر اتفاقية للتعاون في استغلال هذا المنجم الضخم، تضمنت ترتيبات لإنشاء شركة مشتركة والاستفادة من الموقع الجغرافي للمغرب لإخراج خام الحديد نحو المحيط الأطلسي.


ولم يكن الأمر مجرد وعد شفهي بين زعيمين، وإنما اتفاقاً رسمياً نُشر في الجريدة الرسمية الجزائرية بتاريخ 15 يونيو 1973.


لكن ماذا حدث بعد ذلك؟


لم يتحقق المشروع المشترك بالشكل الذي كان متصوراً، واختارت الجزائر تطوير المنجم ضمن مشروع وطني مستقل.


وفي فاتح فبراير 2026، افتُتح الخط السككي الرابط بين بشار وتندوف وغار جبيلات، بطول يقارب 950 كيلومتراً، لربط المنطقة المنجمية بالشبكة الحديدية الجزائرية.


والأكثر إثارة أن المسار الذي يربط المنجم بمنطقة وهران الصناعية يمتد لنحو 1500 كيلومتر، بينما كانت خيارات النقل عبر الواجهة الأطلسية المغربية تتيح، وفق تقديرات منشورة، مساراً في حدود 600 كيلومتر.


أي مفارقة هذه؟


لقد كان بإمكان المغرب والجزائر أن يجعلا من هذا المنجم عنواناً لتكامل اقتصادي مغاربي، وأن يوفرا تكاليف النقل، وأن يخلقا فرص العمل والاستثمار في البلدين.


لكننا اليوم أمام مشروع ضخم يسلك طريقاً أطول، بينما تبقى الحدود البرية بين البلدين مغلقة.


ونستطيع الجزم بأن الغرض الوحيد من اختيار المسار الجزائري هو الابتعاد عن المغرب، وليست هناك اعتبارات صناعية أو تنموية أو سيادية تدخل في تحديد مسارات البنيات التحتية، كما يدعي بعض مسؤولي النظام الجزائري.


السياق السياسي يجعل من المشروع مثالاً واضحاً على كلفة غياب التعاون المغاربي.


ومن حق المغاربة أن يسألوا: ما مصير اتفاقية الاستغلال المشترك؟ وهل ما زالت ترتب حقوقاً والتزامات؟ ولماذا لم يُفعّل التعاون الذي كان يمكن أن يستفيد منه الشعبان؟ ولِمَ لا يتم إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود والعودة إلى ما قبل تدخل القلم الفرنسي وتلطيخ خريطة الدولتين؟


إنها أسئلة قانونية واقتصادية مشروعة، تحتاج إلى أجوبة رسمية، لا إلى الشعارات.


فقد يتحول الخلاف السياسي إلى حدود مغلقة، لكن الأخطر أن يتحول إلى خسائر اقتصادية تتحملها أجيال لم تكن طرفاً في صناعة ذلك الخلاف.


ديسمبر 1975... جرح المغاربة الذين طُردوا من الجزائر


وهناك جرح آخر لا يمكن أن نتحدث عن العلاقات المغربية الجزائرية دون استحضاره.


جرح يعود إلى 18 ديسمبر 1975، يوم عيد الأضحى، عندما تعرض عشرات الآلاف من الأسر المغربية المقيمة في الجزائر للطرد الجماعي، في أعقاب المسيرة الخضراء.


كان بين هؤلاء رجال ونساء وأطفال، وعائلات استقرت في الجزائر منذ عقود، وأشخاص ارتبطوا بالمجتمع الجزائري بالمصاهرة والقرابة والعمل والجوار.


وفجأة وجد كثيرون أنفسهم أمام قرار اقتلعهم من بيوتهم، وفرق بينهم وبين أقاربهم، وتركهم على الحدود وهم يحملون ما استطاعوا حمله.


وتشير دراسة نشرها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب إلى طرد نحو 45 ألف أسرة، مع تقديرات لعدد الأشخاص المتضررين تصل إلى 300 ألف، بينما قدمت جمعيات للضحايا تقديرات أعلى.


لم تكن تلك مجرد عملية ترحيل إداري. لقد كانت مأساة إنسانية بكل المقاييس.


وهنا نسأل العالم: أين كانت حقوق الإنسان المغربي؟


وأين كانت حماية الأسر المختلطة؟


وأين كانت حقوق الأطفال الذين وجدوا أنفسهم منفصلين عن أحد الوالدين؟


وأين ذهبت ممتلكات هؤلاء وأموالهم وحقوقهم؟ وكيف يمكن لدولة أن تعاقب عائلات مدنية بسبب خلاف سياسي مع دولة أخرى؟


إن هذه القضية تستحق الإنصاف وجبر الضرر وحفظ الذاكرة، بعيداً عن أي دعوة للانتقام.


والمفارقة أن المغاربة، رغم هذه الجراح، لم يحولوا كراهيتهم للقرار السياسي إلى كراهية للشعب الجزائري.


بل ظلوا يميزون بين الشعب الشقيق والقرارات التي تتخذها سلطاته. وهذا ما لم يفهمه البعض.


إن المغاربة يستطيعون أن يرفضوا سياسات النظام الجزائري بشدة، وأن يطالبوا بإنصاف ضحايا التهجير، وأن يظلوا في الوقت نفسه محبين للشعب الجزائري، مؤمنين بأن المستقبل المشترك أقوى من الخلافات السياسية.


الجزائر والصحراء... كيف تكون خارج النزاع وأنت في قلبه؟


من أكثر المفارقات التي تستحق النقاش أن الجزائر تؤكد في خطابها الرسمي أنها ليست طرفاً مباشراً في النزاع حول الصحراء، وإنما دولة مجاورة تدعم ما تعتبره حق تقرير المصير.


لكنها تستضيف قيادة البوليساريو ومخيمات تندوف، وتقدم دعماً سياسياً ودبلوماسياً للجبهة، وتتحرك داخل المؤسسات الدولية دفاعاً عن مواقفها.


وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن الفصل بين عدم المطالبة بالسيادة على الأرض وبين التأثير العميق في مسار النزاع؟


القول إن الجزائر تطالب بضم الصحراء إلى أراضيها، هي حقيقة ينبغي توضيحها. ليس بضم التراب، ولكن بوضع حكام يتلقون الأوامر والتعليمات منها.


ورغم ذلك، ظل المغرب يوجه الدعوات إلى المصالحة وفتح الحدود وإحياء التعاون.


ولم تكن تلك مجرد دعوات شعبية أو أمنيات عابرة.


لقد صدرت عن الملك محمد السادس في مناسبات متعددة، حين أكد أن المغرب لا يعتبر الشعب الجزائري عدواً، ودعا إلى تجاوز الخلافات وبناء علاقات قائمة على الثقة وحسن الجوار.


وهنا يظهر الفرق بين انتقاد سياسات دولة وبين الدعوة إلى العداء مع شعبها.


إن المغاربة لا يحتاجون إلى عداوة دائمة مع الجزائر حتى يثبتوا حبهم لوطنهم.


بل إن أعظم انتصار يمكن أن يحققه الشعبان هو أن تتحول الحدود المغلقة إلى فضاء للتعاون، وأن تتوقف معارك التشهير والتحريض، وأن تتجه الثروات نحو التنمية بدل الاستنزاف.


كأس إفريقيا... عندما يُقابل الكرم بالتشكيك


ولا تقتصر هذه المفارقات على السياسة والحدود.


فقد شهد المغرب، خلال احتضانه نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2025، تعبئة وطنية واسعة لإنجاح تظاهرة رياضية قارية.


استثمارات في الملاعب، وتأهيل للبنيات التحتية، وتنظيم للنقل والاستقبال، وتعبئة للأجهزة والمؤسسات والمتطوعين.


وكانت الغاية أن يجد الضيوف الأفارقة فضاءات رياضية وخدمات تليق بهم وبالمنافسة القارية.


ورغم الظروف المناخية والأمطار التي شهدتها بعض المناطق، بذلت جهود كبيرة للمحافظة على جاهزية الملاعب وضمان استمرار المنافسات.


لكن ما الذي حدث؟


ظهرت انتقادات واتهامات تتعلق بالتحكيم والتنظيم والإقامة وظروف الاستقبال، وتجاوز بعضها النقد الرياضي المشروع إلى تعميمات جارحة وإساءات للمغرب ورموزه.


ولا ينبغي أن نضع كل الانتقادات في خانة التشويه؛ فكل تظاهرة كبرى معرضة للأخطاء، ومن حق الفرق والجماهير مساءلة المنظمين.


لكن من حق المغاربة أيضاً أن يرفضوا الاتهامات غير المسندة، وأن يطالبوا من يوجهها بتقديم الأدلة.


فما معنى أن يتحول اختلاف رياضي إلى حملة تمس شعباً بأكمله؟


وما ذنب المغاربة الذين فتحوا بيوتهم وقلوبهم لاستقبال ضيوفهم؟


إن المغرب لم ينظم كأس إفريقيا ليشتري مديح أحد، ولم يستثمر في ملاعبه لكي يمنع الآخرين من انتقاده.


لكنه من حقه أن يطالب بالإنصاف، وأن يميز الآخرون بين النقد البناء والإساءة المتعمدة.


فلسطين... لماذا يُساء فهم الموقف المغربي؟


ومن القضايا التي يشعر المغاربة بأن مواقفهم تجاهها لا تُقرأ دائماً بإنصاف، القضية الفلسطينية.


فالشعب المغربي ظل، عبر أجيال متعاقبة، يعبر عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، وخرجت في مدنه مسيرات حاشدة مطالبة بوقف الحرب وحماية المدنيين وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.


والموقف المغربي الرسمي يؤكد دعم قيام دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين.


ولعل ما لا يقوله المغاربة للعالم بما يكفي أن تضامنهم مع فلسطين لم يكن يوماً مجرد شعارات أو مسيرات احتجاجية، بل تُرجم إلى مبادرات ميدانية وإنسانية متواصلة.


فالملك محمد السادس يرأس لجنة القدس، وتعمل وكالة بيت مال القدس الشريف على دعم صمود المقدسيين، من خلال مشاريع في التعليم والصحة والسكن والتنمية الاجتماعية.


كما يفتح المغرب جامعاته أمام الطلبة الفلسطينيين، ويحتضن سنوياً أطفال القدس في مخيمات صيفية تربوية وترفيهية، فضلاً عن دعم أنشطة ومخيمات لفائدة آلاف الأطفال داخل القدس نفسها.


إنها أفعال ملموسة تعكس عمق الروابط المغربية الفلسطينية.


ومع ذلك، هناك من يتجاهل كل هذه المبادرات، ويختزل الموقف المغربي في علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل.


فهل يُقاس التضامن الحقيقي بالشعارات والمزايدات، أم بما تقدمه الدول فعلياً من دعم ومساندة للشعوب؟


لكن بعض الأصوات تختزل كل هذه المواقف في مسألة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.


وهنا ينبغي طرح السؤال بهدوء: هل الدفاع عن حقوق الفلسطينيين يعني بالضرورة رفض كل اتصال دبلوماسي مع الإسرائيليين؟وهل إقامة علاقات مع دولة تعني الموافقة على كل قرارات حكومتها؟


إننا نرى أن حماية الشعب الفلسطيني وإنصافه لا تتعارض من حيث المبدأ مع البحث عن تسوية سلمية تضمن الأمن والحقوق لجميع المدنيين.


فلا يمكن بناء السلام على إنكار حقوق الفلسطينيين، ولا على تبرير قتل المدنيين الإسرائيليين، ولا على استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير.


كما أن العلاقات الدبلوماسية المغربية الإسرائيلية تظل موضوع نقاش مشروع داخل المغرب نفسه، ولا ينبغي اعتبار كل انتقاد لها عداءً للوطن، أو كل دفاع عنها تخلياً عن فلسطين.


إن الموقف الذي نتمسك به هو أن المغاربة أحرار في تدبير خياراتهم السيادية، وأن تضامنهم مع فلسطين لا يحتاج إلى شهادات حسن سلوك من أحد.


لماذا يريد البعض أن يفهم المغرب خطأ؟


إن ما يجمع كل هذه الملفات ليس مجرد الشعور بالظلم، وإنما وجود مفارقة متكررة.


فعندما يقدم المغرب مبادرة سياسية، يتهمه البعض بالمناورة.


وعندما يختار الصمت، يفسر البعض صمته بالضعف.


وعندما يدعو إلى المصالحة، يرى فيه البعض تراجعاً.


وعندما يستثمر في التنمية والرياضة والبنيات التحتية، يحاول البعض التقليل من قيمة ما أنجزه.


وعندما يدافع عن مصالحه، يواجه اتهامات لا تنتهي.


فهل المشكلة دائماً في ما يفعله المغرب، أم أن بعض الأطراف تنظر إليه من خلال مواقف مسبقة؟


إننا لا ندعي أن المغرب لا يخطئ، ولا أن كل قراراته فوق النقد.


فالمغرب، مثل غيره من الدول، يحتاج إلى النقد والمحاسبة والإصلاح، ويواجه تحديات داخلية حقيقية في التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية.


لكن الاعتراف بهذه التحديات لا يمنح أحداً الحق في تشويه حقائق التاريخ أو التعامل بازدواجية مع حقوق الشعوب والدول.


كما أن الدفاع عن الوطن لا يعني تبرير كل سياسة، وإنما يعني أن نكون قادرين على النقد من الداخل، وعلى الدفاع عن المصالح الوطنية أمام الخارج، دون تناقض.


ما لم يقله المغاربة للعالم... إننا نتذكر كل شيء


إن المغاربة لم ينسوا الصحراء الشرقية، ولا تاريخ سبتة ومليلية، ولا الاتفاقيات التي كان يفترض أن تؤسس لتعاون مغاربي واسع.


لم ينسوا عائلاتهم التي طُردت من الجزائر يوم عيد الأضحى سنة 1975.


ولم ينسوا أن المغرب كان من الداعمين لتحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي.


ولم ينسوا أن حلم المغرب العربي الكبير كان يمكن أن يجعل من شمال إفريقيا قوة اقتصادية وسياسية قادرة على الدفاع عن مصالح شعوبها.


ولم ينسوا ما قدموه من تضامن مع فلسطين، ولا ما بذلوه من جهود لاستقبال أشقائهم الأفارقة، ولا الحملات التي حاولت النيل من صورة بلدهم.


لكنهم، رغم كل ذلك، لا يريدون أن تتحول الذاكرة إلى مصنع للكراهية.


فالمغربي الذي يتألم لتهجير عائلة مغربية من الجزائر يستطيع أن يفرح لنجاح عائلة جزائرية.


والمغربي الذي يدافع عن مطالبه التاريخية بشأن سبتة ومليلية يستطيع أن يحترم الشعب الإسباني ويتعاون معه.


والمغربي الذي يؤمن بمغربية الصحراء يستطيع أن يدعو إلى تسوية سياسية تحفظ كرامة جميع المعنيين بالنزاع.


والمغربي الذي يناصر فلسطين يستطيع أن يرفض استهداف المدنيين أينما كانوا.


تلك ليست تناقضات.


إنها تعبير عن وطنية لا تحتاج إلى الكراهية كي تثبت وجودها.


ما لم يقله المغاربة للعالم هو أنهم قدموا من الصبر أكثر مما يتصور البعض، ومن المرونة أكثر مما تعكسه بعض الخطابات، ومن فرص المصالحة أكثر مما حفظته الذاكرة
الإعلامية الدولية.


لكنهم لا يريدون أن يصبح صبرهم ذريعة لاستمرار المظالم، أو أن تتحول دعوتهم للحوار إلى فرصة للتهرب من الالتزامات، أو أن تُستغل رغبتهم في السلم لتجاهل حقوقهم ومطالبهم المشروعة.


إن المغرب الذي اختار الحكمة لا ينبغي أن يُعاقَب على حكمته.


والمغرب الذي مد يده للمصالحة لا ينبغي أن يُواجَه بالاستهزاء.


والمغرب الذي استثمر في الاستقرار لا ينبغي أن يصبح رهينة لمصالح من يستفيدون من استمرار التوتر.


ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى العالم هي أن المغاربة لا يطالبون بامتيازات على حساب الآخرين، وإنما يريدون أن تُعامل قضاياهم بالجدية والإنصاف نفسيهما اللذين يطالبهم العالم بهما.


فليعلم العالم أن صمت المغاربة ليس فراغاً في الذاكرة، وأن تسامحهم ليس عجزاً عن المطالبة، وأن صبرهم ليس تفويضاً مفتوحاً للآخرين كي يقرروا مصير حقوقهم ومصالحهم.


لقد قال المغاربة للعالم الكثير من خلال أفعالهم ومبادراتهم ومواقفهم.


لكن ما لم يقولوه يعد أكبر بكثير.


وإذا كان التاريخ قد علمهم شيئاً، فهو أن الحق يحتاج إلى ذاكرة، وأن السلام يحتاج إلى شجاعة، وأن المصالحة الحقيقية لا تقوم على مطالبة طرف واحد بالنسيان.


نحن المغاربة لا نريد أن نورث أبناءنا الأحقاد، لكننا لا نقبل أيضاً أن نورثهم تاريخاً مبتوراً، وحقوقاً منسية، وأسئلة مُنع آباؤهم من طرحها.


فنحن نريد السلام، لكننا نريد معه الإنصاف.


نريد الأخوة، لكننا نريد معها الاحترام.


نريد المصالحة، لكننا نريدها قائمة على الحقيقة، لا على دفنها.


وذلك، ربما، هو أهم ما لم يقله المغاربة للعالم.





الثلاثاء 3 نوفمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic