فن وفكر

عبد الإله بن عرفة.. حين تحتفي سلا بأحد أبنائها، وتستعيد الذاكرة صلتها بالمكان


على ضفاف أبي رقراق، حيث تتجاور ذاكرة المدينة مع حاضرها الثقافي، احتضنت سلا فعاليات الدورة الثانية عشرة للأيام الوطنية لنزهة الملحون، التي تنظمها جمعية إدريس بن المامون للبحث والإبداع في فن الملحون بسلا، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل وجماعة سلا.



دورة اختارت أن تجعل من الاحتفاء بالكاتب والروائي والباحث المغربي عبد الإله بن عرفة لحظةً لاستعادة واحدة من أجمل صلات المدينة بأبنائها، ولتكريم مسار فكري وأدبي امتد من فضاء سلا العتيقة إلى رحاب الثقافة المغربية والعالمية.

الملحون.. ذاكرة الهوية المغربية

تحت شعار «فن الملحون: تجسيد للهوية المغربية بمختلف تجلياتها»، جاءت هذه الدورة لتؤكد أن الملحون يتجاوز كونه لوناً فنياً أو جنساً شعرياً وموسيقياً، ليشكل أحد الأوعية الحية للذاكرة المغربية، بما يحمله من لغة وصور وقيم وتعبيرات تختزن ملامح المجتمع المغربي وتحولاته.

ومن هذا المنطلق، سعت التظاهرة إلى الجمع بين الاحتفاء بالفن الأصيل والانفتاح على البحث والمعرفة، في تأكيد على أن صون التراث لا يكتمل بحفظه فحسب، وإنما يتطلب أيضاً دراسته وإعادة قراءته وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لاكتشاف دلالاته وتجديد حضوره.

عبد الإله بن عرفة.. ابن سلا الذي حمل ذاكرة المدينة إلى العالم

في حفل الافتتاح، استعاد الحضور جانباً من المسار الإنساني والفكري للمحتفى به، عبد الإله بن عرفة، ابن سلا الذي ظل وفياً لمدينته وذاكرتها، وحمل في تجربته الأدبية والفكرية الكثير من أثر المكان الأول.

فقد ارتبطت بداياته بفضاءات سلا العتيقة، بمساجدها ومدارسها وزواياها وأضرحتها، وبأزقتها التي تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعلم والتصوف والأدب. وهي الذاكرة التي ستظل حاضرة في مشروعه الفكري والأدبي، وفي نظرته إلى العلاقة بين الإنسان والمكان والتراث.

وعلى امتداد مساره الأكاديمي والمهني، راكم عبد الإله بن عرفة حضوراً وازناً في المشهد الثقافي المغربي والدولي، خصوصاً من خلال تجربته في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، حيث اضطلع بمسؤوليات ثقافية وإدارية رفيعة، وأسهم في عدد من المبادرات المرتبطة بصون التراث الثقافي وتعزيز حضوره في المحافل الدولية.

كما ارتبط اسمه بالجهود الرامية إلى التعريف بفن الملحون وصون موروثه، بما يعكس إيماناً بأن التراث المغربي ليس مجرد ذاكرة للماضي، وإنما رصيد حي قادر على مواصلة الحضور في الحاضر والمستقبل.

أما في المجال الأدبي، فقد اختط لنفسه تجربة روائية خاصة، ارتبطت بما عُرف بـ «الرواية العرفانية»، حيث يتقاطع السرد مع الفكر، والتخييل مع المعرفة، والتاريخ مع أسئلة الإنسان والوجود. تجربة جعلت من الأدب فضاءً للتأمل وإعادة اكتشاف المعنى، ومن الرواية جسراً بين الذاكرة والأسئلة الكبرى للإنسان.

تكريم يستعيد معنى الوفاء

ولأن التكريم، في جوهره، ليس احتفاءً بشخص فحسب، وإنما اعتراف بمسار وبقيمة وبأثر، اكتسب الاحتفاء بعبد الإله بن عرفة في مدينته سلا دلالة خاصة.

وفي كلمة له بالمناسبة، عبّر المحتفى به عن سعادته بهذا التكريم الذي يأتي من المدينة التي ينتمي إليها وجداناً وذاكرة، مستحضراً محطات من طفولته وشبابه، وذكرياته مع المدارس العتيقة والزوايا والأضرحة ومقاعد الدراسة.

وكانت عودته إلى سلا، من خلال هذا اللقاء، أشبه باستعادة لخيط قديم يصل الماضي بالحاضر، مدينةً تغيرت ملامحها وتطورت فضاءاتها، لكنها ظلت تحتفظ بذاكرة المكان وبعمقها الثقافي، وهي اليوم تعيش حركية عمرانية وثقافية متجددة في إطار النهضة التي تشهدها مدينتا سلا والرباط.

وعلى ضفاف أبي رقراق، بدا المشهد أكثر اختزالاً لهذه العلاقة بين المكان والذاكرة؛ نهر يفصل بين مدينتين ويوحد بين تاريخين، وماء يحمل في مساره شيئاً من ذاكرة المدينة وحكاياتها.

حين يلتقي الفن بالبحث

ولم تقتصر فعاليات الدورة الثانية عشرة على لحظة التكريم، بل امتدت لتقدم برنامجاً متنوعاً يجمع بين الفكر والفن والتكوين، من خلال ندوات فكرية وعروض موسيقية وفنية، بمشاركة فرق تراثية سلاوية، إلى جانب توقيع إصدارات جديدة وتنظيم ورشات في النظم والإنشاد والعزف.

وهي اختيارات تنسجم مع الرؤية التي تقوم عليها الجمعية، باعتبار أن البحث في فن الملحون وصون ذاكرته يشكلان مدخلاً أساسياً إلى تجديد حضوره، وأن الإبداع الفني لا ينفصل عن المعرفة التي تحمي جذوره وتضيء امتداداته.

وتستعيد الدورة، أيضاً، واحدة من أكثر صورها ارتباطاً بخصوصية المكان، من خلال الجولة التقليدية بالقوارب على ضفاف أبي رقراق، في مشهد يلتقي فيه التراث بالطبيعة، وتتحول فيه المدينة نفسها إلى جزء من الحكاية.

سلا.. مدينة لا تنسى أبناءها

في الاحتفاء بعبد الإله بن عرفة، لم تكن سلا تكرّم اسماً من أبنائها فحسب، بل كانت تستعيد جانباً من ذاكرتها الثقافية، وتؤكد أن المدن التي تصنع تاريخها بالعلم والفن والمعرفة تظل قادرة على تجديد علاقتها بأبنائها.

ومن هنا، بدا تكريم بن عرفة امتداداً طبيعياً لروح هذه الأيام الوطنية: أن يظل الملحون ذاكرةً حية للهوية المغربية، وأن تظل الثقافة جسراً بين الأجيال، وأن يجد أبناء المدن في مدنهم الأولى مساحةً للوفاء والاعتراف.

هكذا، تواصل نزهة الملحون بسلا مسارها، وهي تجمع بين أصالة التراث ورهان المستقبل، وبين الكلمة المغناة والكلمة المكتوبة، وبين ذاكرة المكان وأسئلة الإنسان؛ لتؤكد مرة أخرى أن الثقافة حين تُصان بالمعرفة، وتُحتفى بها بالوفاء، تصبح جزءاً من ذاكرة.


Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 4 نوفمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ






ميزانية 2027.. اسأل وافهم مع مساعد «L’ODJ» الذكي

وعدٌ تحقق: «L’ODJ ميديا» تطلق مساعدها بالذكاء الاصطناعي حول مشروع قانون المالية 2027





















Buy cheap website traffic