لم يكن مسار التازي مجرد تعاقب على مسؤوليات سياسية وحكومية وبرلمانية، بل كان انعكاساً لمسار جيل كامل انتقل، في ظرف تاريخي دقيق، من مرحلة النضال الوطني إلى مرحلة بناء الدولة وتكوين أطرها وتثبيت مؤسساتها.
كان التازي، في بدايات مساره، مهندساً ينتمي إلى الجيل الأول من الكفاءات المغربية التي عادت إلى البلاد بعد الاستقلال للمساهمة في بناء الإدارة الوطنية. وقد ارتبط جزء من مساره الأول بمجالات الهندسة والفلاحة والتنمية القروية، قبل أن تتوسع مسؤولياته تدريجياً نحو دوائر التخطيط والإدارة والعمل السياسي.
وهذه الخلفية التقنية ظلت حاضرة في شخصيته السياسية، فقد كان من رجال الملفات والتدبير والتخطيط، قبل أن يصبح أحد الوجوه المعروفة داخل حزب الاستقلال وفي مؤسسات الدولة. وهو ما منح مساره خصوصية جمعت بين التكوين التقني والانخراط السياسي والمسؤولية الحكومية.
أما علاقته بحزب الاستقلال، فقد بدأت في وقت مبكر، وتدرج داخل هياكله إلى أن أصبح عضواً في قيادته، ثم تولى سنة 1969 مسؤولية الكاتب العام للشبيبة الاستقلالية. وعلى امتداد عقود، شغل عدداً من المسؤوليات داخل الحزب، ليصبح أحد الوجوه التي عاصرت تحولات التنظيم وتطور أدواره في الحياة السياسية الوطنية.
ومع أواخر سبعينيات القرن الماضي، انتقل التازي إلى العمل الحكومي، حيث تولى مسؤوليات مرتبطة بتكوين الأطر والتعاون والشؤون الخارجية والتخطيط. وقد وضعته هذه المهام في قلب مرحلة كانت تعرف أوراشاً متسارعة لبناء الإدارة وتطوير الاقتصاد وتعزيز الحضور الدبلوماسي للمغرب. وتؤكد مصادر تاريخية متاحة توليه منصب كاتب الدولة المكلف بالشؤون الخارجية في إحدى حكومات تلك المرحلة.
وبعد تجربته الحكومية، واصل التازي حضوره في المؤسسة التشريعية، حيث ترأس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب ثم بمجلس المستشارين، كما اضطلع بمهمة تنسيق الأغلبية في مراحل سياسية مختلفة. وهو موقع أتاح له أن يعيش من الداخل تحولات العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وأن يتابع تطور المشهد الحزبي المغربي عبر مراحل سياسية متباينة.
ولعل ما يميز مسيرته أكثر هو امتدادها الزمني الطويل؛ فقد كان حاضراً في أكثر من محطة من محطات المغرب المعاصر، من مرحلة بناء الدولة بعد الاستقلال إلى التحولات التي عرفتها الحياة السياسية والمؤسساتية في العقود التالية.
ومع مرور السنوات، لم يعد عبد الحق التازي مجرد فاعل سياسي، بل أصبح أيضاً حاملاً لذاكرة مرحلة كاملة. فقد حرص على نقل جانب من هذه الذاكرة إلى الأجيال الجديدة من خلال كتابه «مذكرات في النضال الوطني السياسي والدبلوماسي»، الذي وثق فيه، عبر حوارات وشهادات، عدداً من الأحداث والتجارب التي عاشها قبل الاستقلال وبعده. وقد ارتبط هذا الكتاب برغبة واضحة في إبقاء جزء من الذاكرة السياسية متاحاً للأجيال التي لم تعايش تلك المرحلة.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأن قيمة الذاكرة السياسية لا تكمن فقط في استحضار الأسماء والمناصب، وإنما في فهم السياقات التي تشكلت فيها القرارات والمؤسسات والعلاقات بين مختلف الفاعلين. ومن هذه الزاوية، يمثل مسار التازي مادة أساسية لفهم جانب من تاريخ المغرب السياسي خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
لقد عاش الرجل زمناً سياسياً طويلاً، جمع بين الإدارة والحزب والحكومة والبرلمان والدبلوماسية، وانتقل خلاله المغرب من مرحلة بناء الدولة الوطنية إلى مراحل أكثر تعقيداً من التطور المؤسساتي والسياسي.
وبرحيله، لا تُطوى فقط صفحة أحد القياديين السابقين في حزب الاستقلال، ولا صفحة وزير وبرلماني مخضرم، وإنما يغيب أيضاً شاهد مباشر على جيل كان جزءاً من التحولات الكبرى التي عرفها المغرب الحديث.
إنها سيرة رجل عاصر زمناً طويلاً من الحياة الوطنية، فشارك في بعض محطاته، وراقب تحولاته، ثم اختار في مرحلة لاحقة أن يترك شهادته مكتوبة، حتى لا تبقى الذاكرة السياسية أسيرة الروايات المتفرقة.
وهكذا، يبقى عبد الحق التازي، بعيداً عن اختلاف القراءات السياسية حول المراحل التي عاشها، جزءاً من جيل أسهم في الانتقال من مغرب الاستقلال إلى مغرب المؤسسات، تاركاً وراءه مساراً تتقاطع فيه السياسة والإدارة والدبلوماسية، وشهادة تستحق أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من الذاكرة السياسية المغربية المعاصرة.
كان التازي، في بدايات مساره، مهندساً ينتمي إلى الجيل الأول من الكفاءات المغربية التي عادت إلى البلاد بعد الاستقلال للمساهمة في بناء الإدارة الوطنية. وقد ارتبط جزء من مساره الأول بمجالات الهندسة والفلاحة والتنمية القروية، قبل أن تتوسع مسؤولياته تدريجياً نحو دوائر التخطيط والإدارة والعمل السياسي.
وهذه الخلفية التقنية ظلت حاضرة في شخصيته السياسية، فقد كان من رجال الملفات والتدبير والتخطيط، قبل أن يصبح أحد الوجوه المعروفة داخل حزب الاستقلال وفي مؤسسات الدولة. وهو ما منح مساره خصوصية جمعت بين التكوين التقني والانخراط السياسي والمسؤولية الحكومية.
أما علاقته بحزب الاستقلال، فقد بدأت في وقت مبكر، وتدرج داخل هياكله إلى أن أصبح عضواً في قيادته، ثم تولى سنة 1969 مسؤولية الكاتب العام للشبيبة الاستقلالية. وعلى امتداد عقود، شغل عدداً من المسؤوليات داخل الحزب، ليصبح أحد الوجوه التي عاصرت تحولات التنظيم وتطور أدواره في الحياة السياسية الوطنية.
ومع أواخر سبعينيات القرن الماضي، انتقل التازي إلى العمل الحكومي، حيث تولى مسؤوليات مرتبطة بتكوين الأطر والتعاون والشؤون الخارجية والتخطيط. وقد وضعته هذه المهام في قلب مرحلة كانت تعرف أوراشاً متسارعة لبناء الإدارة وتطوير الاقتصاد وتعزيز الحضور الدبلوماسي للمغرب. وتؤكد مصادر تاريخية متاحة توليه منصب كاتب الدولة المكلف بالشؤون الخارجية في إحدى حكومات تلك المرحلة.
وبعد تجربته الحكومية، واصل التازي حضوره في المؤسسة التشريعية، حيث ترأس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب ثم بمجلس المستشارين، كما اضطلع بمهمة تنسيق الأغلبية في مراحل سياسية مختلفة. وهو موقع أتاح له أن يعيش من الداخل تحولات العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وأن يتابع تطور المشهد الحزبي المغربي عبر مراحل سياسية متباينة.
ولعل ما يميز مسيرته أكثر هو امتدادها الزمني الطويل؛ فقد كان حاضراً في أكثر من محطة من محطات المغرب المعاصر، من مرحلة بناء الدولة بعد الاستقلال إلى التحولات التي عرفتها الحياة السياسية والمؤسساتية في العقود التالية.
ومع مرور السنوات، لم يعد عبد الحق التازي مجرد فاعل سياسي، بل أصبح أيضاً حاملاً لذاكرة مرحلة كاملة. فقد حرص على نقل جانب من هذه الذاكرة إلى الأجيال الجديدة من خلال كتابه «مذكرات في النضال الوطني السياسي والدبلوماسي»، الذي وثق فيه، عبر حوارات وشهادات، عدداً من الأحداث والتجارب التي عاشها قبل الاستقلال وبعده. وقد ارتبط هذا الكتاب برغبة واضحة في إبقاء جزء من الذاكرة السياسية متاحاً للأجيال التي لم تعايش تلك المرحلة.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأن قيمة الذاكرة السياسية لا تكمن فقط في استحضار الأسماء والمناصب، وإنما في فهم السياقات التي تشكلت فيها القرارات والمؤسسات والعلاقات بين مختلف الفاعلين. ومن هذه الزاوية، يمثل مسار التازي مادة أساسية لفهم جانب من تاريخ المغرب السياسي خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
لقد عاش الرجل زمناً سياسياً طويلاً، جمع بين الإدارة والحزب والحكومة والبرلمان والدبلوماسية، وانتقل خلاله المغرب من مرحلة بناء الدولة الوطنية إلى مراحل أكثر تعقيداً من التطور المؤسساتي والسياسي.
وبرحيله، لا تُطوى فقط صفحة أحد القياديين السابقين في حزب الاستقلال، ولا صفحة وزير وبرلماني مخضرم، وإنما يغيب أيضاً شاهد مباشر على جيل كان جزءاً من التحولات الكبرى التي عرفها المغرب الحديث.
إنها سيرة رجل عاصر زمناً طويلاً من الحياة الوطنية، فشارك في بعض محطاته، وراقب تحولاته، ثم اختار في مرحلة لاحقة أن يترك شهادته مكتوبة، حتى لا تبقى الذاكرة السياسية أسيرة الروايات المتفرقة.
وهكذا، يبقى عبد الحق التازي، بعيداً عن اختلاف القراءات السياسية حول المراحل التي عاشها، جزءاً من جيل أسهم في الانتقال من مغرب الاستقلال إلى مغرب المؤسسات، تاركاً وراءه مساراً تتقاطع فيه السياسة والإدارة والدبلوماسية، وشهادة تستحق أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من الذاكرة السياسية المغربية المعاصرة.
الرئيسية





















