بقلم : عدنان بنشقرون
ويستهدف هذا الخطاب بالدرجة الأولى الطبقة المتوسطة، والأسر ذات الدخل المحدود، والمتقاعدين، والشباب الذين يواجهون صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل. كما يحاول الإجابة عن سؤال أصبح مركزيا في هذه الحملة: كيف يمكن تحسين مستوى معيشة المواطنين في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالأسعار، وكلفة الغذاء والطاقة، وتراجع الإحساس بالقدرة على مجاراة نفقات الحياة اليومية؟
الأجور والضرائب وهوامش الربح... تدخل على أكثر من مستوى
في ملف القدرة الشرائية، لا يختزل نزار بركة المشكلة في الظروف الدولية وحدها. فإلى جانب اعترافه بتأثير الأزمات الخارجية والتقلبات المناخية، يلفت أيضا إلى ما يعتبره هوامش ربح مرتفعة لدى بعض الفاعلين.
والحل، بحسب التصور الذي يدافع عنه، يمر عبر عدة مستويات في آن واحد: رفع الأجور، وتخفيف الضغط الضريبي على الدخل، وتشديد مراقبة هوامش الربح في بعض القطاعات الحساسة، وتقليص عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك.
والفكرة التي يدافع عنها حزب الاستقلال بسيطة: لا يكفي رفع مداخيل الأسر إذا كانت الزيادة ستُستنزف مباشرة بسبب ارتفاع الأسعار. لذلك، يسعى الحزب إلى التدخل في طرفي المعادلة معا: ما تكسبه الأسر، وما تضطر إلى إنفاقه.
وفي المجال الفلاحي، يشدد بركة أيضا على ضرورة تحسين دخل المنتج، مع تجنب تحميل المستهلك النهائي تراكم هوامش الربح على امتداد سلسلة التوزيع.
الدعم المباشر... من منطق المساعدة إلى منطق الاستقلالية
توقف الأمين العام لحزب الاستقلال كذلك عند نظام الدعم الاجتماعي المباشر، معتبرا أنه مكسب ينبغي الحفاظ عليه، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى تطوير آليات اشتغاله.
وتتركز ملاحظته الأساسية على معايير تحديد الأسر المؤهلة للاستفادة، إذ يرى أن بعض هذه المعايير قد تضع المستفيدين في حالة من عدم الاستقرار، بسبب احتمال تجاوزهم في أي لحظة عتبة قد تؤدي إلى خروجهم من منظومة الدعم.
والتصور الذي يطرحه يقوم على الانتقال تدريجيا من سياسة تقتصر على تقديم المساعدة إلى سياسة ترمي إلى التمكين الاقتصادي والاجتماعي، بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون الهدف فقط مساعدة الأسر على تحمل الفقر، بل تمكينها تدريجيا من الخروج منه.
وهنا يتقاطع هذا الخطاب مع أحد المحاور المتكررة في برنامج حزب الاستقلال، والمتعلق بتوسيع قاعدة الطبقة المتوسطة. فنجاح السياسة الاجتماعية، بحسب هذا المنظور، لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المستفيدين من الدعم، بل أيضا بعدد الأسر التي تمكنت مع مرور الوقت من الاستغناء عنه.
التقاعد... لا إصلاح من دون تحسين المعاشات
يشكل ملف التقاعد بدوره أحد الملفات الحساسة التي وضعها نزار بركة ضمن أولوياته، ويرى أن أي إصلاح لأنظمة التقاعد لا يمكن أن يتم من دون تحسين موازٍ لمستوى المعاشات. وهو ملف شديد الحساسية بالنظر إلى شيخوخة السكان، والتوازن المالي لصناديق التقاعد، وتراجع القدرة الشرائية للمتقاعدين، وهي كلها عوامل ستفرض على الحكومة المقبلة اختيارات صعبة.
ويضيف حزب الاستقلال إلى هذا الملف بعدا أسريا، من خلال اقتراح تحفيزات ضريبية لفائدة الأسر التي تتكفل بآبائها المسنين. والغاية هي إدماج التضامن العائلي ضمن منظومة الدولة الاجتماعية، بدل وضع الرعاية العمومية والدعم الأسري في مواجهة بعضهما البعض.
الأسرة باعتبارها أول شبكة للحماية الاجتماعية
يحتل موضوع الأسرة مكانة بارزة في خطاب نزار بركة، فخلال محطة ريسانة الجنوبية بإقليم العرائش، دافع عن مجموعة من الإجراءات الرامية إلى مواكبة الأزواج وتعزيز التماسك الأسري، من بينها دعم المقبلين على الزواج، وتطوير الوساطة الأسرية، ومنح امتيازات ضريبية للأشخاص الذين يتحملون مسؤولية رعاية آبائهم المسنين.
وينطلق هذا التصور من أن تفكك البنيات الأسرية لا تقتصر آثاره على الجانب الاجتماعي فقط، بل يترتب عنه أيضا عبء اقتصادي.
فتراجع معدل الزواج، وارتفاع حالات الطلاق، وتزايد عزلة كبار السن لا تُقرأ، وفق هذا المنظور، باعتبارها مسائل خاصة فقط، بل كقضايا يمكن أن تصبح موضوعا مباشرا للسياسات العمومية.
وهذا ينسجم مع رغبة حزب الاستقلال في تقديم الأسرة باعتبارها أحد أعمدة مشروعه المجتمعي: فضاء للتضامن، وفي الوقت نفسه خط الدفاع الأول أمام الهشاشة الاجتماعية.
فرصة ثانية للشباب المنقطعين عن الدراسة
فئة أخرى تحضر بقوة في هذا الخطاب، وهي فئة الشباب الذين غادروا الدراسة مبكرا، ويقترح بركة لفائدتهم مسارات لـ**«الفرصة الثانية»** تجمع بين التكوين والمواكبة والإدماج المهني. والهدف المعلن هو تقليص إقصائهم من سوق الشغل، وفتح آفاق اقتصادية أمامهم داخل المغرب.
ولا يرتبط هذا الملف بالتعليم فقط، بل يمتد إلى تشغيل الشباب، وإلى فئة الشباب الذين لا يدرسون ولا يشتغلون ولا يتابعون أي تكوين، كما يتقاطع أيضا مع ملف الهجرة.
وبذلك يضع الأمين العام لحزب الاستقلال الإدماج المهني ضمن رؤية أوسع: توفير ما يكفي من الفرص أمام الأجيال الجديدة حتى تتمكن من تصور مستقبلها داخل بلدها.
العرائش... نموذج محلي لخطاب وطني
خصص نزار بركة أيضا جزءا من مداخلته لدائرته الانتخابية، فقد استعرض مجموعة من المشاريع التي أُطلقت أو أُعلن عنها في الإقليم، من بينها تطوير قطب للصناعات الغذائية، وتحسين البنيات التحتية، وفك العزلة عن المناطق القروية، وتحديث شبكات تزويد السكان بالماء.
كما تُقدم الاستعدادات لكأس العالم 2030 باعتبارها فرصة لتسريع التنمية الاقتصادية، من خلال تطوير الطاقة الإيوائية وتحسين النقل الحضري وخلق أنشطة وفرص شغل جديدة.
وتحتل الفلاحة بدورها مكانة مهمة في هذا التصور المحلي، إذ يراهن بركة على تحلية مياه البحر لتخفيف الضغط على السدود وتوفير موارد مائية أكبر للسقي.
كما يدعو إلى تعزيز التحويل المحلي للمنتجات الفلاحية، بهدف الاحتفاظ بنسبة أكبر من القيمة المضافة داخل المنطقة، غير أن التحدي السياسي أمام نزار بركة يبقى واضحا: حزب الاستقلال لا يخوض الانتخابات من موقع المعارضة، بل كان جزءا من الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها.
ولهذا، يجد الحزب نفسه أمام معادلة دقيقة: الدفاع عن منجزات السنوات الخمس الماضية، وفي الوقت نفسه إقناع الناخبين بأن بالإمكان تحقيق نتائج أكبر في المرحلة المقبلة.
وهنا تحديدا يبني نزار بركة خطابه الانتخابي : الدولة الاجتماعية ليست، في تصوره، ورشا ينبغي إطلاقه من الصفر، بل نموذجا يجب تعميقه وتوسيعه وجعله أكثر قدرة على حماية المواطنين.
ويبقى السؤال الأكبر هو التمويل، فرفع قيمة المعاشات، وتخفيف بعض الضرائب، وزيادة الأجور، وتوسيع برامج الدعم، وإقرار مزيد من التحفيزات الضريبية، كلها خيارات تحتاج إلى موارد مالية كبيرة.
وهنا على الأرجح سيبدأ النقاش الحقيقي : دولة اجتماعية أكثر سخاء وحماية، نعم... لكن بأي موارد، وبأي أولويات، ووفق أي جدول زمني؟
الرئيسية
















