كتاب الرأي

الاستقلال: هل يمكن للعمل عن بُعد أن يصبح رافعة جديدة لتشغيل النساء؟


حاسوب، اتصال بالإنترنت واجتماع عبر “زوم”.. أحيانا لا يحتاج المكتب إلى أكثر من بضعة أمتار مربعة. فالعمل عن بُعد بدأ بالفعل في تغيير علاقتنا بالشغل. وفي برنامجه للفترة 2026-2031، يريد حزب الاستقلال الرهان على هذا النموذج، خصوصا لدعم ريادة الأعمال النسائية. ويطرح هذا التوجه سؤالا أوسع حول مستقبل العمل في المغرب: كيف سيبدو حين لا يعود المكتب بالضرورة… مكتبا؟



بقلم : نسرين جوادي

ربما أخذ المكتب مساحة أكبر مما ينبغي


لسنوات طويلة، كان العمل يعني، في الغالب، مغادرة المنزل والتوجه إلى مقر العمل.


الاستيقاظ، الاستعداد، ركوب السيارة أو الحافلة أو الترام، عبور المدينة، تسجيل الحضور، الجلوس أمام الحاسوب، ثم إعادة الرحلة نفسها في نهاية اليوم. روتين يومي أصبح مألوفا إلى درجة جعلتنا ننسى أنه ليس الطريقة الوحيدة الممكنة للعمل.


ثم ظهر العمل عن بُعد، في البداية كحل فرضته الظروف الصحية، قبل أن يتحول بالنسبة إلى البعض إلى نمط حقيقي لتنظيم العمل.


في المغرب، بدأ النقاش يتجه بدوره نحو هذا التحول، إذ سبق للحكومة أن أثارت مسألة تكييف الإطار المنظم للشغل مع الأشكال الجديدة للتوظيف، ومن بينها العمل عن بُعد.


لكن ينبغي التذكير بأن العمل عن بُعد لا يعني ببساطة وضع الحاسوب على طاولة المطبخ ومواصلة العمل، فهذا النموذج يحتاج إلى قواعد واضحة، وتنظيم مناسب، ومهارات رقمية، والأهم إلى وظائف يمكن فعليا ممارستها خارج مقر العمل.


ماذا لو أصبح العمل عن بُعد رافعة لتشغيل النساء؟


هنا تبرز إحدى المقترحات التي يتضمنها برنامج حزب الاستقلال، فالبرنامج ينص على دعم ريادة الأعمال النسائية والعمل عن بُعد، إلى جانب إحداث منصات جهوية للتسويق.


وبالتالي، لا تقوم الفكرة ببساطة على القول للنساء: “ابقين في المنزل واشتغلن”، بل تندرج ضمن تصور أوسع يتعلق بتوسيع فرص ولوج النساء إلى النشاط الاقتصادي.

ولماذا التركيز على النساء؟


لأن معطيات سوق الشغل تجعل من الصعب تجاهل هذا الموضوع. ففي الربع الثاني من سنة 2026، لم تكن النساء يمثلن سوى 21.5 في المائة من القوى العاملة بالمغرب، بينما بلغ معدل مشاركتهن في سوق الشغل 18.1 في المائة، مقابل 66.5 في المائة لدى الرجال، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.


لكن العمل عن بُعد ليس بطبيعة الحال “حلا خاصا بالنساء”، إنه مجرد صيغة من صيغ العمل، لها مزاياها وحدودها، ويمكن أن تهم النساء والرجال على حد سواء، وهذا التفصيل مهم.


ثم هناك الأمهات


هنا يصبح النقاش أكثر واقعية، فالأم التي يتعين عليها التوفيق بين مواعيد الدراسة، والتنقل، ورعاية الأطفال، والالتزامات المهنية لا تواجه بالضرورة الظروف نفسها التي يعيشها موظف يستطيع تنظيم يومه دون هذه القيود.


لكن ذلك لا يعني أن جميع الأمهات يرغبن في العمل من المنزل، ولا أن العمل عن بُعد ينبغي أن يتحول إلى نوع من “الشغل المخصص للأمهات”، فقد يتحول الأمر عندها إلى مفارقة: محاولة تسهيل دخول النساء إلى سوق الشغل، ثم وضعهن داخل فئة مهنية جديدة ومحدودة.


القيمة الحقيقية للعمل عن بُعد تكمن في مكان آخر: توسيع هامش الاختيار في كيفية ممارسة العمل، بالنسبة إلى أم، قد يعني ذلك توفير ساعتين يوميا من التنقل. وبالنسبة إلى موظف يعيش بعيدا عن مركز اقتصادي كبير، قد يتيح له العمل لدى شركة دون الحاجة إلى الانتقال إلى مدينة أخرى.


أما بالنسبة إلى رائد أعمال، فقد يفتح الباب أمام التعامل مع زبناء في مدن أخرى، بل وحتى في الخارج.عندها، يبدأ مكان الإقامة في فقدان جزء من تأثيره على فرص الولوج إلى العمل.


فخ “العمل من المنزل”


لكن من الخطأ تقديم العمل عن بُعد باعتباره حلا سحريا لمشكلة التشغيل، فالعمل من المنزل قد يمنح قدرا من المرونة، لكنه قد يؤدي أيضا إلى إذابة الحدود بين الحياة المهنية والحياة الخاصة.


يبقى الحاسوب مفتوحا. تصل رسالة مهنية أثناء العشاء. يستمر الاجتماع أكثر مما كان مقررا. وبما أن المكتب لا يبعد سوى أمتار قليلة عن الأريكة، يصبح التوقف عن العمل أكثر صعوبة.


وهكذا، يمكن للعمل عن بُعد أن يوفر الوقت… لكنه قد يستهلكه أيضا، ولهذا تحديدا، يستحق الموضوع أكثر من مجرد شعار انتخابي.


الرهان الحقيقي هو حرية الاختيار


في جوهرها، تطرح مقترحات حزب الاستقلال سؤالا حديثا: هل ينبغي أن يظل الولوج إلى العمل مرتبطا بالمسافة التي تفصل الشخص عن مكتبه؟


يعيش جزء كبير من السكان النشيطين في المغرب داخل الوسط الحضري، في وقت لا تزال فيه الفوارق بين الرجال والنساء في المشاركة بسوق الشغل واضحة.


وفي هذا السياق، يمكن للعمل عن بُعد أن يشكل إحدى الأدوات القادرة على توسيع فرص الوصول إلى الوظائف، لكنه لن يعوض دور الحضانة، ولا وسائل النقل، ولا فرص الشغل المحلية، ولا سياسات المساواة المهنية. كما لا ينبغي أن يتحول إلى طريقة أكثر أناقة للقول لبعض الفئات: “بما أن لديكم قيودا، فاشتغلوا من المنزل.”


التقدم الحقيقي سيكون في منح الناس خيارات متعددة: هل تريدون العمل من المكتب؟ عن بُعد؟ بدوام جزئي؟ أم إطلاق مشروعكم الخاص؟ ينبغي أن تكون أمامكم عدة إمكانات.


في النهاية، ربما لن يكون مستقبل العمل قائما على الاختيار بين “العمل كله من المكتب” و“العمل كله من المنزل”.


ربما سيكون ببساطة… أكثر مرونة.





الاربعاء 16 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic