بقلم : مامون أشرقي
من بين المقترحات الموجهة إلى الشباب في البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال للفترة 2026-2031، يبرز هدف يستحق أكثر من مجرد المرور عليه كرقم داخل برنامج سياسي: تكوين 100 ألف شاب في المهارات الرقمية، مع توجه واضح نحو العمل عن بُعد، والمهن الرقمية، والأشكال الجديدة للعمل. الرقم في حد ذاته مهم، لكن الأهم هو الفلسفة التي يقوم عليها هذا المقترح.
لسنوات طويلة، كانت سياسات التشغيل تقوم أساسا على محاولة إيجاد توافق بين شخص يبحث عن عمل ومنصب شاغر داخل السوق الوطنية. غير أن التحول الرقمي بدأ يغيّر هذه المعادلة، بل ويعيد رسم جغرافية سوق الشغل نفسها. فمطور برمجيات يقيم في وجدة يمكن أن يعمل لصالح شركة أوروبية، ومصممة غرافيك في أكادير يمكنها تقديم خدماتها لعميل في كندا، ومتخصص في التسويق الرقمي في فاس يستطيع أن يكون جزءا من فريق موزع على عدة قارات.
وبذلك، أصبحت بعض الوظائف قابلة للتصدير من دون أن يضطر صاحبها إلى الهجرة. وبالنسبة إلى بلد مثل المغرب، فإن هذا التحول قد يفتح فرصة كبيرة. فالمملكة تتوفر على فئة شابة واسعة، وقرب جغرافي وثقافي من أوروبا، وحضور قوي للغة الفرنسية، إلى جانب توسع استخدام الإنجليزية لدى الأجيال الجديدة. ويضاف إلى ذلك تطور البنيات التحتية الرقمية، بما يسمح اليوم بالتفكير في شكل جديد من التصدير: ليس فقط تصدير المنتجات الصناعية أو الخدمات التي تُنجز داخل منصات كبيرة، بل تصدير المهارات الفردية نفسها إلى السوق العالمية.
وقد يتحول تكوين 100 ألف موهبة رقمية، في هذا السياق، إلى ما هو أكبر بكثير من مجرد برنامج تدريبي. غير أن نجاح هذا المشروع يتوقف على طبيعة المهارات التي سيتم التركيز عليها. فالخطر يكمن في تكوين أعداد كبيرة في تخصصات كانت مطلوبة بالأمس، في وقت يعيد فيه الذكاء الاصطناعي اليوم تشكيل وظائف البرمجة، والتصميم، والترجمة، وصناعة المحتوى، وعدد من المهام الإدارية.
وهنا تحديدا يحتاج البرنامج إلى مزيد من التفصيل. ما المهارات التي سيتم تدريسها؟ وما المستوى المطلوب في اللغة الإنجليزية؟ وما موقع الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والحوسبة السحابية داخل هذا التكوين؟ وكيف سيتم اعتماد الكفاءات والشهادات؟ والأهم: كيف سيُرافق الشباب للوصول فعليا إلى سوق العمل الدولية؟
فالتكوين وحده لن يكون كافيا. نجاح هذا التوجه يتطلب أيضا معالجة قضايا الأداء الدولي، والوضع القانوني للعامل المستقل، والحماية الاجتماعية، والنظام الضريبي، ومنصات الوساطة، والوصول إلى العملاء الأجانب. ومع ذلك، فإن الفكرة في حد ذاتها تستحق أن تؤخذ بجدية.
لقد حاول المغرب لسنوات استقطاب الوظائف الدولية إلى داخل أراضيه، من خلال جلب الشركات والاستثمارات والخدمات الموجهة إلى الخارج. أما الاقتصاد الرقمي، فيفتح اليوم إمكانية معاكسة: ربط جزء من الشباب المغربي مباشرة بسوق العمل العالمية، من دون أن يغادر المغرب.
وبعد أن أصبح شعار «صنع في المغرب» جزءا من الرؤية الصناعية، قد يظهر طموح جديد في مجال التشغيل: أن يصبح «العمل من المغرب» بدوره خيارا وطنيا حقيقيا لخلق فرص الشغل وربط الكفاءات المغربية بالاقتصاد العالمي
الرئيسية
















