آخر الأخبار

الكورتيزول.. هرمون لا ينبغي محاربته بل فهمه


لطالما ارتبط اسم الكورتيزول في الخطاب الصحي اليومي بالتوتر والإرهاق وزيادة الوزن، حتى أصبح يُقدَّم أحيانًا باعتباره «هرمونًا ضارًا» ينبغي خفض مستوياته بأي وسيلة. غير أن هذه الصورة تختزل وظيفة هرمون أساسي في جسم الإنسان، إذ إن المشكلة لا تكمن في وجود الكورتيزول، وإنما في اختلال توازنه واستمرار ارتفاعه لفترات طويلة.



ويُفرَز الكورتيزول بشكل طبيعي بواسطة الغدد الكظرية، ويلعب دورًا محوريًا في استجابة الجسم للضغوط. فعندما يواجه الإنسان موقفًا يتطلب يقظة أو جهدًا إضافيًا، يساعد هذا الهرمون الجسم على تعبئة موارده بسرعة، من خلال التأثير في مستويات الطاقة والتمثيل الغذائي ووظائف أخرى ضرورية للتعامل مع المواقف الصعبة.

الكورتيزول.. آلية دفاع طبيعية

عندما يتعرض الإنسان للخطر أو الضغط، يدخل الجسم في حالة من الاستعداد، ويكون الكورتيزول جزءًا أساسيًا من هذه الاستجابة. فهو يساعد على توفير الطاقة اللازمة للتعامل مع الموقف، كما يساهم في تنظيم ضغط الدم ووظائف جهاز المناعة والاستجابة الالتهابية.

ومن دون هذه الآلية، سيكون الجسم أقل قدرة على التكيف مع التغيرات المفاجئة والضغوط اليومية. ولذلك، فإن وجود الكورتيزول في الجسم ليس علامة على وجود مشكلة، بل هو جزء طبيعي من عمل الجهاز الهرموني.

بل إن مستوياته تتغير بشكل طبيعي خلال اليوم، وغالبًا ما تكون أعلى في الصباح للمساعدة على الاستيقاظ والنشاط، ثم تنخفض تدريجيًا مع اقتراب الليل، بما ينسجم مع إيقاع الجسم اليومي.

 عندما يتحول المفيد إلى مصدر للمشكلة

المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستجابة المؤقتة للضغط إلى حالة مزمنة. فالتعرض المستمر للتوتر، إلى جانب اضطرابات النوم وبعض العوامل الصحية ونمط الحياة، يمكن أن يؤثر في تنظيم منظومة الاستجابة للضغط.

وفي هذه الحالة، لا يصبح الهدف هو «القضاء» على الكورتيزول، وإنما استعادة التوازن الطبيعي لهذه المنظومة. فالجسم يحتاج إلى الهرمون، لكن يحتاج إليه بالمستوى والتوقيت المناسبين.

ولهذا السبب، فإن التعامل مع الكورتيزول باعتباره عدوًا دائمًا قد يكون مضللًا، خصوصًا أن مستواه يتأثر بعوامل عديدة، ولا يمكن تفسير أي عرض صحي بمجرد افتراض أن «الكورتيزول مرتفع».

علاقة الكورتيزول بالطاقة والذاكرة

لا يقتصر دور الكورتيزول على الاستجابة للتوتر. فهو يشارك في تنظيم استخدام الجسم للطاقة، كما يرتبط بوظائف عصبية ومعرفية من بينها بعض جوانب الانتباه والذاكرة.

ويحتاج الدماغ، مثل بقية أعضاء الجسم، إلى نظام متوازن للاستجابة للضغط. فالتوتر المؤقت قد يساعد على رفع درجة اليقظة والتركيز في بعض المواقف، بينما يمكن للضغط المزمن أن يكون أكثر إرهاقًا للجسم والعقل.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الاستجابة الطبيعية للضغط والتوتر المزمن. فالأولى آلية تكيفية ضرورية، أما الثانية فقد تصبح عبئًا على الصحة إذا استمرت دون معالجة أسبابها.

النوم والحركة.. مفاتيح التوازن

بدل البحث عن طرق سريعة لـ«خفض الكورتيزول»، تركز المقاربة الصحية الأكثر واقعية على تحسين العوامل التي تساعد الجسم على تنظيم استجابته للضغط.

ويأتي النوم المنتظم في مقدمة هذه العوامل، إلى جانب النشاط البدني المناسب، والتغذية المتوازنة، والحصول على فترات كافية من الراحة، وإدارة الضغوط النفسية اليومية.

ولا يتعلق الأمر بإزالة التوتر من الحياة بشكل كامل، وهو أمر غير واقعي، وإنما بمنح الجسم فرصًا منتظمة للانتقال من حالة الاستنفار إلى الراحة والتعافي.

 «خفض الكورتيزول».. شعار يحتاج إلى بعض الحذر

أصبح مصطلح «خفض الكورتيزول» شائعًا في مواقع التواصل الاجتماعي، وارتبط بمجموعة واسعة من المنتجات والأنظمة والنصائح. غير أن التعامل مع الهرمونات بهذه البساطة قد يؤدي إلى فهم غير دقيق لوظائف الجسم.

فالكورتيزول ليس مادة ينبغي التخلص منها، ولا يمكن تقييم مستواه بصورة صحيحة اعتمادًا على الأعراض وحدها. وإذا كانت هناك مؤشرات صحية تدعو إلى الاشتباه في اضطراب هرموني، فإن التقييم الطبي هو الطريق المناسب لتحديد السبب وطبيعة الخلل.

فهم الهرمون بدل محاربته

تكشف قصة الكورتيزول عن قاعدة أوسع في فهم جسم الإنسان: ليست كل مادة ترتبط بالتوتر مادة ضارة، وليست كل وظيفة دفاعية ينبغي إيقافها.

فالجسم يعمل من خلال منظومات دقيقة تقوم على التوازن والتوقيت والتفاعل بين الهرمونات والأعضاء المختلفة. والكورتيزول مثال واضح على ذلك؛ فهو ضروري عندما يحتاج الجسم إلى الاستجابة، لكن اختلال تنظيمه على المدى الطويل قد يصبح مصدرًا للمشكلات.

وفي النهاية، قد يكون التصحيح الأهم للصورة الشائعة حول الكورتيزول هو الانتقال من فكرة «محاربته» إلى فكرة فهمه وتنظيم العوامل التي تؤثر في توازنه. فالصحة لا تقوم على التخلص من هرمون أساسي، وإنما على مساعدة الجسم على أداء وظائفه الطبيعية في الوقت المناسب وبالقدر المناسب.

وهكذا، فإن الكورتيزول ليس عدوًا للصحة كما قد توحي بعض الخطابات الرائجة، بل هو جزء من آلية ذكية صممها الجسم لمواجهة تحديات الحياة. المشكلة ليست في وجود هرمون التوتر، وإنما عندما يتحول التوتر نفسه من حالة عابرة إلى نمط مزمن يرهق الجسم والعقل.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 8 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ

















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...




ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو
WhatsApp Image 2026-02-12 at 12.03.35 (1)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58
WhatsApp Image 2026-05-07 at 14.32.13 (1)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.10 (2)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.13
8
WhatsApp Image 2026-02-12 at 12.03.34 (6)
19
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.13 (1)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.12
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.32
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.11
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59 (5)
WhatsApp Image 2025-11-12 at 16.13.34 (1)
WhatsApp Image 2025-11-11 at 14.31.35 (1)
WhatsApp Image 2026-04-02 at 13.41.07 (1)
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-03-09 at 13.51.12 (2)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (4)
WhatsApp Image 2025-12-05 at 17.34.08
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.41.57 (1)
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24
WhatsApp Image 2026-02-24 at 20.45.23 (1)
WhatsApp Image 2026-03-12 at 11.27.44
WhatsApp Image 2026-06-04 at 14.38.50
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.12 (3)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.26 (1)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.34
14
WhatsApp Image 2025-11-12 at 16.13.36
WhatsApp Image 2026-03-17 at 13.42.44
WhatsApp Image 2026-04-27 at 12.52.10 (1)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.33 (1)
WhatsApp Image 2026-05-15 at 12.22.27 (5)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.33 (3)




Buy cheap website traffic