العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تدعو إلى كشف الحقيقة والتحقيق في ملابسات الأحداث
السؤال لا يرتبط فقط بأعداد الأشخاص الذين حاولوا العبور، ولا بحجم التدخلات الأمنية التي رافقت تلك الأحداث، بل يمتد إلى مصير الذين قضوا أو أصيبوا، وظروف من تمت إعادتهم، ووضعية الأطفال والقاصرين، ومدى احترام الضمانات القانونية والحقوقية خلال عمليات المنع والإعادة.
وفي هذا السياق، أعدت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تقريراً حقوقياً تركيبياً حول الانتهاكات والوقائع المرتبطة بالعبور الجماعي الأخير نحو سبتة ومليلية المحتلتين، اعتماداً على أعمال الرصد التي أنجزتها مكاتبها الجهوية والإقليمية، إلى جانب شهادات ومعاينات ميدانية ومعطيات رسمية وإعلامية ومصادر حقوقية ودولية.
ويؤكد التقرير، منذ توطئته المنهجية، أنه لا يقدم نفسه بديلاً عن التحقيقات القضائية أو الإدارية، ولا يدعي إصدار أحكام نهائية بشأن المسؤوليات، وإنما يسعى إلى تجميع المعطيات المتاحة ومقارنتها، ووضعها في إطارها الحقوقي والقانوني، وإثارة الأسئلة التي تستوجب مزيداً من التحقيق والشفافية.
موجة عبور غير مسبوقة
تكشف المعطيات التي جمعها التقرير عن اتساع نطاق محاولات العبور خلال الفترة الممتدة من 31 يوليوز إلى 31 غشت 2026، حيث شهدت المناطق الحدودية، ولا سيما الفنيدق وباب سبتة، وبني أنصار وفرخانة ومحيط مليلية، تجمعات بشرية واسعة ومحاولات متكررة للعبور براً وبحراً.
ولم تقتصر هذه الموجة على فئة واحدة، بل شارك فيها مغاربة وأجانب، من بينهم أطفال وقاصرون ونساء وأسر وأشخاص يوجدون في أوضاع مختلفة من الهشاشة والإنهاك.
ويرى التقرير أن تفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في عامل واحد. فإلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتحديات البطالة وضعف فرص الاندماج والارتقاء الاجتماعي، ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تسريع تداول صور وتجارب ومعلومات حول إمكانيات العبور.
كما ساهم تداول تأويلات مختلفة بشأن حكم قضائي إسباني يتعلق بإجراءات الإعادة الفورية في خلق تصورات لدى بعض الراغبين في العبور حول احتمال تغير قواعد التعامل مع الوافدين، وهي معطيات يقول التقرير إنها تحتاج بدورها إلى قراءة دقيقة، بعيداً عن التفسيرات الأحادية.
الوفيات.. أرقام متضاربة وأسئلة لا تنتظر
أخطر ما خلفته الأحداث يتمثل في الوفيات والإصابات التي رافقت محاولات العبور والتدخلات الأمنية والظروف المحيطة بها.
غير أن التقرير يسجل وجود تفاوت كبير بين المعطيات المتداولة بشأن حصيلة الوفيات، سواء بين المصادر المغربية والإسبانية أو بين التقديرات الرسمية والإعلامية، وهو ما يجعل اعتماد رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية أمراً يحتاج إلى مزيد من التحقق.
فقد تحدثت السلطات المغربية، في حصيلة رسمية أولية، عن وفاة 11 شخصاً على الجانب المغربي، عشرة منهم نتيجة الغرق، وحالة واحدة بسبب السقوط من منطقة صخرية. وفي المقابل، أعلنت السلطات الإسبانية في بداية غشت عن وفاة 72 شخصاً على الأقل في الجانب الإسباني، قبل أن تظهر لاحقاً تقديرات وأرقام أخرى أعلى.
وبالنسبة إلى العصبة، فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى سباق حول الأرقام، بقدر ما ينبغي أن تفضي إلى إنشاء سجل موحد وشفاف للضحايا والمفقودين والمصابين.
ويشدد التقرير على ضرورة مطابقة سجلات المستشفيات والشرطة والنيابة العامة والسلطات الحدودية ومؤسسات حفظ الجثامين، وربطها بنتائج التشريح وإجراءات تحديد الهوية وإفادات الأسر، بما يسمح بتحديد حقيقة ما جرى بعيداً عن التضارب الإعلامي أو الحسابات السياسية.
فخلف كل رقم يوجد إنسان، وأسرة تنتظر معرفة مصير قريبها، وحق أصيل في معرفة الحقيقة.
القوة الأمنية بين حماية الحدود واحترام الحقوق
لا يتجاهل التقرير حق الدول في حماية حدودها ومنع اقتحام المعابر والمنشآت، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجمعات كبيرة قد تتخللها أعمال عنف أو تخريب أو تعرض للأشخاص والممتلكات للخطر.
لكن التقرير يطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: هل كانت كل الوسائل المستخدمة في مواجهة محاولات العبور ضرورية ومتناسبة مع مستوى الخطر في كل حالة؟
وتتضمن المواد التي اطلعت عليها العصبة، وفق التقرير، شهادات ومقاطع مصورة تتحدث عن الضرب والركل والرشق بالحجارة وأشكال من المعاملة التي قد تكون مهينة أو قاسية.
ولا يذهب التقرير إلى الجزم بالمسؤولية الفردية للأشخاص الذين يظهرون في بعض التسجيلات، معتبراً أن تحديد المسؤوليات يتطلب فحصاً تقنياً وقضائياً مستقلاً، غير أنه يرى أن وجود هذه المواد وتعدد الإفادات يفرضان فتح تحقيق جدي ومستقل في مضمونها.
كما يدعو إلى تحديد هويات المعنيين، وفحص تسلسل القيادة، ومعرفة الأوامر الصادرة، وتقييم مدى تناسب القوة المستخدمة مع طبيعة الخطر القائم في كل واقعة.
وفي الوقت نفسه، يميز التقرير بين المسؤولية الفردية عن أعمال العنف أو التخريب وبين المسؤولية الجماعية؛ فارتكاب بعض المشاركين لأفعال غير قانونية لا يعني سقوط الحقوق الأساسية عن الآخرين، ولا يمكن أن يشكل مبرراً للعنف العشوائي أو المعاملة المهينة أو الحرمان من العلاج والماء، كما أن أي مسؤولية جنائية يجب أن تظل شخصية ومبنية على أدلة، مع احترام قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة.
الأطفال والقاصرون.. مسؤولية حقوقية مضاعفة
تفرض مشاركة الأطفال والقاصرين في موجة العبور الجماعي واجبات إضافية على السلطات، بالنظر إلى هشاشة هذه الفئة وخصوصية الحماية التي تكفلها القواعد الوطنية والدولية.
ويشير التقرير إلى ضرورة تحديد سن الأشخاص بشكل دقيق، وإبعاد الأطفال عن مناطق الخطر، وتوفير الإسعاف والماء والغذاء والرعاية الأساسية، فضلاً عن تقييم وضع كل قاصر بصورة فردية.
كما يشدد على أن أي إجراء يتعلق بإعادة القاصرين أو نقلهم ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار سنهم ومصلحتهم الفضلى ووضعهم الأسري والقانوني، وألا يتم التعامل معهم باعتبارهم مجرد جزء من كتلة بشرية واحدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ضوء مواقف سابقة للمؤسسات الإسبانية المختصة، التي شددت على ضرورة احترام الضمانات القانونية الخاصة بالقاصرين وتقييم أوضاعهم بشكل فردي.
الإعادة والحدود.. بين مقتضيات السيادة والضمانات القانونية
من أكثر الملفات حساسية كذلك قضية الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة، ثم تمت إعادتهم أو نقلهم.
ويرى التقرير أن التقييم الحقوقي يقتضي التمييز بين العودة الطوعية، والإعادة الإدارية، والرفض على الحدود، والإعادة الفورية، والنقل داخل التراب الوطني، لأن لكل إجراء طبيعته القانونية وضماناته الخاصة.
كما يشدد على ضرورة تحديد هوية كل شخص ووضعه الصحي وسنه واحتياجاته للحماية، مع ضمان إمكانية طلب اللجوء أو الحماية الدولية متى توفرت المؤشرات التي تستدعي ذلك.
ويحضر هنا أيضاً مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يكتسي أهمية مركزية في حماية الأشخاص من إعادتهم إلى أوضاع قد تعرضهم للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة.
ويستند التقرير، في هذا السياق، إلى مواقف سابقة لهيئات أممية ومؤسسات حقوقية إسبانية أثارت قضايا مرتبطة بضمان الوصول الفعلي إلى إجراءات الحماية الدولية، وبالضمانات القانونية المصاحبة لإجراءات الإعادة في سبتة ومليلية.
الكرامة الإنسانية في قلب الأزمة
بعيداً عن الأرقام والمواقف الأمنية والسياسية، يلفت التقرير الانتباه إلى البعد الإنساني للأحداث.
فالأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في الشوارع أو عالقين في محيط الحدود، بمن فيهم أطفال ومصابون ومنهكون، كانوا في حاجة إلى الماء والغذاء والإسعاف والرعاية الأساسية.
وهذه الاحتياجات، وفق المنظور الحقوقي الذي يتبناه التقرير، لا يمكن اختزالها في مسألة الوضع القانوني للشخص، لأن حماية الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية تظل قائمة في جميع الظروف، وتزداد ضرورتها عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمصابين والأشخاص الموجودين في أوضاع هشاشة.
الحقيقة أولاً.. ثم تحديد المسؤوليات
في نهاية المطاف، لا يضع التقرير نفسه في موقع إصدار الأحكام النهائية، وإنما يرفع مجموعة من الأسئلة التي يرى أنها تستحق إجابات رسمية واضحة.
من توفي؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ ومن أصيب؟ وما ظروف إصابته؟ وما هي الأوامر التي صدرت خلال عمليات التدخل؟ وهل كانت القوة المستخدمة ضرورية ومتناسبة في كل حالة؟ وهل احترمت الضمانات القانونية خلال عمليات الإعادة؟ وكيف تم التعامل مع القاصرين؟ وهل أتيحت للأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية إمكانية الوصول إلى الإجراءات القانونية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تكون خاضعة للتجاذب السياسي أو للتضارب الإعلامي، بل لتحقيقات مستقلة وشفافة تستند إلى الأدلة.
وتخلص العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى أن الطريق نحو معالجة هذه النازلة يمر أولاً عبر كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وضمان حقوق الضحايا وذويهم، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
فحماية الحدود مسؤولية سيادية للدولة، لكن حماية الإنسان تظل في الوقت نفسه التزاماً حقوقياً لا يتوقف عند الحدود.
وبين مقتضيات الأمن وحقوق الإنسان، لا تبدو المعادلة مستحيلة، بقدر ما تحتاج إلى تطبيق صارم لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وإلى شفافية أكبر في تدبير الأزمات الحدودية، حتى لا تتحول مأساة العبور إلى مأساة أخرى عنوانها غياب الحقيقة.
وفي هذا السياق، أعدت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تقريراً حقوقياً تركيبياً حول الانتهاكات والوقائع المرتبطة بالعبور الجماعي الأخير نحو سبتة ومليلية المحتلتين، اعتماداً على أعمال الرصد التي أنجزتها مكاتبها الجهوية والإقليمية، إلى جانب شهادات ومعاينات ميدانية ومعطيات رسمية وإعلامية ومصادر حقوقية ودولية.
ويؤكد التقرير، منذ توطئته المنهجية، أنه لا يقدم نفسه بديلاً عن التحقيقات القضائية أو الإدارية، ولا يدعي إصدار أحكام نهائية بشأن المسؤوليات، وإنما يسعى إلى تجميع المعطيات المتاحة ومقارنتها، ووضعها في إطارها الحقوقي والقانوني، وإثارة الأسئلة التي تستوجب مزيداً من التحقيق والشفافية.
موجة عبور غير مسبوقة
تكشف المعطيات التي جمعها التقرير عن اتساع نطاق محاولات العبور خلال الفترة الممتدة من 31 يوليوز إلى 31 غشت 2026، حيث شهدت المناطق الحدودية، ولا سيما الفنيدق وباب سبتة، وبني أنصار وفرخانة ومحيط مليلية، تجمعات بشرية واسعة ومحاولات متكررة للعبور براً وبحراً.
ولم تقتصر هذه الموجة على فئة واحدة، بل شارك فيها مغاربة وأجانب، من بينهم أطفال وقاصرون ونساء وأسر وأشخاص يوجدون في أوضاع مختلفة من الهشاشة والإنهاك.
ويرى التقرير أن تفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في عامل واحد. فإلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتحديات البطالة وضعف فرص الاندماج والارتقاء الاجتماعي، ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تسريع تداول صور وتجارب ومعلومات حول إمكانيات العبور.
كما ساهم تداول تأويلات مختلفة بشأن حكم قضائي إسباني يتعلق بإجراءات الإعادة الفورية في خلق تصورات لدى بعض الراغبين في العبور حول احتمال تغير قواعد التعامل مع الوافدين، وهي معطيات يقول التقرير إنها تحتاج بدورها إلى قراءة دقيقة، بعيداً عن التفسيرات الأحادية.
الوفيات.. أرقام متضاربة وأسئلة لا تنتظر
أخطر ما خلفته الأحداث يتمثل في الوفيات والإصابات التي رافقت محاولات العبور والتدخلات الأمنية والظروف المحيطة بها.
غير أن التقرير يسجل وجود تفاوت كبير بين المعطيات المتداولة بشأن حصيلة الوفيات، سواء بين المصادر المغربية والإسبانية أو بين التقديرات الرسمية والإعلامية، وهو ما يجعل اعتماد رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية أمراً يحتاج إلى مزيد من التحقق.
فقد تحدثت السلطات المغربية، في حصيلة رسمية أولية، عن وفاة 11 شخصاً على الجانب المغربي، عشرة منهم نتيجة الغرق، وحالة واحدة بسبب السقوط من منطقة صخرية. وفي المقابل، أعلنت السلطات الإسبانية في بداية غشت عن وفاة 72 شخصاً على الأقل في الجانب الإسباني، قبل أن تظهر لاحقاً تقديرات وأرقام أخرى أعلى.
وبالنسبة إلى العصبة، فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى سباق حول الأرقام، بقدر ما ينبغي أن تفضي إلى إنشاء سجل موحد وشفاف للضحايا والمفقودين والمصابين.
ويشدد التقرير على ضرورة مطابقة سجلات المستشفيات والشرطة والنيابة العامة والسلطات الحدودية ومؤسسات حفظ الجثامين، وربطها بنتائج التشريح وإجراءات تحديد الهوية وإفادات الأسر، بما يسمح بتحديد حقيقة ما جرى بعيداً عن التضارب الإعلامي أو الحسابات السياسية.
فخلف كل رقم يوجد إنسان، وأسرة تنتظر معرفة مصير قريبها، وحق أصيل في معرفة الحقيقة.
القوة الأمنية بين حماية الحدود واحترام الحقوق
لا يتجاهل التقرير حق الدول في حماية حدودها ومنع اقتحام المعابر والمنشآت، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجمعات كبيرة قد تتخللها أعمال عنف أو تخريب أو تعرض للأشخاص والممتلكات للخطر.
لكن التقرير يطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: هل كانت كل الوسائل المستخدمة في مواجهة محاولات العبور ضرورية ومتناسبة مع مستوى الخطر في كل حالة؟
وتتضمن المواد التي اطلعت عليها العصبة، وفق التقرير، شهادات ومقاطع مصورة تتحدث عن الضرب والركل والرشق بالحجارة وأشكال من المعاملة التي قد تكون مهينة أو قاسية.
ولا يذهب التقرير إلى الجزم بالمسؤولية الفردية للأشخاص الذين يظهرون في بعض التسجيلات، معتبراً أن تحديد المسؤوليات يتطلب فحصاً تقنياً وقضائياً مستقلاً، غير أنه يرى أن وجود هذه المواد وتعدد الإفادات يفرضان فتح تحقيق جدي ومستقل في مضمونها.
كما يدعو إلى تحديد هويات المعنيين، وفحص تسلسل القيادة، ومعرفة الأوامر الصادرة، وتقييم مدى تناسب القوة المستخدمة مع طبيعة الخطر القائم في كل واقعة.
وفي الوقت نفسه، يميز التقرير بين المسؤولية الفردية عن أعمال العنف أو التخريب وبين المسؤولية الجماعية؛ فارتكاب بعض المشاركين لأفعال غير قانونية لا يعني سقوط الحقوق الأساسية عن الآخرين، ولا يمكن أن يشكل مبرراً للعنف العشوائي أو المعاملة المهينة أو الحرمان من العلاج والماء، كما أن أي مسؤولية جنائية يجب أن تظل شخصية ومبنية على أدلة، مع احترام قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة.
الأطفال والقاصرون.. مسؤولية حقوقية مضاعفة
تفرض مشاركة الأطفال والقاصرين في موجة العبور الجماعي واجبات إضافية على السلطات، بالنظر إلى هشاشة هذه الفئة وخصوصية الحماية التي تكفلها القواعد الوطنية والدولية.
ويشير التقرير إلى ضرورة تحديد سن الأشخاص بشكل دقيق، وإبعاد الأطفال عن مناطق الخطر، وتوفير الإسعاف والماء والغذاء والرعاية الأساسية، فضلاً عن تقييم وضع كل قاصر بصورة فردية.
كما يشدد على أن أي إجراء يتعلق بإعادة القاصرين أو نقلهم ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار سنهم ومصلحتهم الفضلى ووضعهم الأسري والقانوني، وألا يتم التعامل معهم باعتبارهم مجرد جزء من كتلة بشرية واحدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ضوء مواقف سابقة للمؤسسات الإسبانية المختصة، التي شددت على ضرورة احترام الضمانات القانونية الخاصة بالقاصرين وتقييم أوضاعهم بشكل فردي.
الإعادة والحدود.. بين مقتضيات السيادة والضمانات القانونية
من أكثر الملفات حساسية كذلك قضية الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة، ثم تمت إعادتهم أو نقلهم.
ويرى التقرير أن التقييم الحقوقي يقتضي التمييز بين العودة الطوعية، والإعادة الإدارية، والرفض على الحدود، والإعادة الفورية، والنقل داخل التراب الوطني، لأن لكل إجراء طبيعته القانونية وضماناته الخاصة.
كما يشدد على ضرورة تحديد هوية كل شخص ووضعه الصحي وسنه واحتياجاته للحماية، مع ضمان إمكانية طلب اللجوء أو الحماية الدولية متى توفرت المؤشرات التي تستدعي ذلك.
ويحضر هنا أيضاً مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يكتسي أهمية مركزية في حماية الأشخاص من إعادتهم إلى أوضاع قد تعرضهم للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو غيرها من الانتهاكات الجسيمة.
ويستند التقرير، في هذا السياق، إلى مواقف سابقة لهيئات أممية ومؤسسات حقوقية إسبانية أثارت قضايا مرتبطة بضمان الوصول الفعلي إلى إجراءات الحماية الدولية، وبالضمانات القانونية المصاحبة لإجراءات الإعادة في سبتة ومليلية.
الكرامة الإنسانية في قلب الأزمة
بعيداً عن الأرقام والمواقف الأمنية والسياسية، يلفت التقرير الانتباه إلى البعد الإنساني للأحداث.
فالأشخاص الذين وجدوا أنفسهم في الشوارع أو عالقين في محيط الحدود، بمن فيهم أطفال ومصابون ومنهكون، كانوا في حاجة إلى الماء والغذاء والإسعاف والرعاية الأساسية.
وهذه الاحتياجات، وفق المنظور الحقوقي الذي يتبناه التقرير، لا يمكن اختزالها في مسألة الوضع القانوني للشخص، لأن حماية الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية تظل قائمة في جميع الظروف، وتزداد ضرورتها عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمصابين والأشخاص الموجودين في أوضاع هشاشة.
الحقيقة أولاً.. ثم تحديد المسؤوليات
في نهاية المطاف، لا يضع التقرير نفسه في موقع إصدار الأحكام النهائية، وإنما يرفع مجموعة من الأسئلة التي يرى أنها تستحق إجابات رسمية واضحة.
من توفي؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ ومن أصيب؟ وما ظروف إصابته؟ وما هي الأوامر التي صدرت خلال عمليات التدخل؟ وهل كانت القوة المستخدمة ضرورية ومتناسبة في كل حالة؟ وهل احترمت الضمانات القانونية خلال عمليات الإعادة؟ وكيف تم التعامل مع القاصرين؟ وهل أتيحت للأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية إمكانية الوصول إلى الإجراءات القانونية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تكون خاضعة للتجاذب السياسي أو للتضارب الإعلامي، بل لتحقيقات مستقلة وشفافة تستند إلى الأدلة.
وتخلص العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى أن الطريق نحو معالجة هذه النازلة يمر أولاً عبر كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وضمان حقوق الضحايا وذويهم، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
فحماية الحدود مسؤولية سيادية للدولة، لكن حماية الإنسان تظل في الوقت نفسه التزاماً حقوقياً لا يتوقف عند الحدود.
وبين مقتضيات الأمن وحقوق الإنسان، لا تبدو المعادلة مستحيلة، بقدر ما تحتاج إلى تطبيق صارم لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وإلى شفافية أكبر في تدبير الأزمات الحدودية، حتى لا تتحول مأساة العبور إلى مأساة أخرى عنوانها غياب الحقيقة.
الرئيسية























































