ويأتي هذا المستوى دون نسبة 80 في المائة التي يستهدفها الاتحاد الأوروبي في ظل ظروف السوق الصعبة، ما يقلص الاحتياطي المتاح لمواجهة ارتفاع الطلب خلال الأشهر الباردة.
وحذرت الوكالة، في تقريرها السنوي «الحصيلة العالمية لأمن الغاز 2026»، من أن انخفاض المخزونات لا يعني بالضرورة حدوث نقص فوري في الإمدادات، لكنه يجعل أوروبا أكثر تعرضاً لتقلبات السوق في حال اجتمعت عدة عوامل سلبية خلال الشتاء.
وتتمثل أبرز هذه المخاطر في تسجيل درجات حرارة أقل من المعتاد، أو استمرار اضطراب شحنات الغاز الطبيعي المسال، أو وقوع أعطاب تقنية أو توقفات مفاجئة في منشآت الإنتاج والنقل.
وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبحت أوروبا أكثر اعتماداً عليه منذ تراجع إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب خلال السنوات الماضية.
ومع انخفاض الاحتياطي داخل الخزانات، ستكون الدول الأوروبية مطالبة بالاعتماد بصورة أكبر على شراء شحنات الغاز المسال من السوق الدولية خلال فترات ارتفاع الاستهلاك.
لكن هذه الشحنات ليست متاحة لأوروبا وحدها، إذ تنافس عليها أيضاً دول آسيوية وأخرى في أمريكا الجنوبية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار كلما اشتد الطلب العالمي.
وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط أحدثت صدمة كبيرة في سوق الغاز، بعد اضطراب حركة شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.
وتراجعت تحميلات الغاز المسال من قطر والإمارات بأكثر من 60 مليار متر مكعب على أساس سنوي خلال الفترة الممتدة من مارس إلى أكتوبر، وفق تقديرات الوكالة.
ومثل الغاز الطبيعي المسال الذي يعبر مضيق هرمز قبل الأزمة نحو خمس الإمدادات العالمية، ما يفسر التأثير الكبير لأي اضطراب في حركة السفن عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي.
ورغم ارتفاع الإنتاج من مشاريع جديدة في أمريكا الشمالية وإفريقيا، لم تتمكن الكميات الإضافية من تعويض كامل النقص الناتج عن تراجع الإمدادات الخليجية.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتراجع إجمالي المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنحو 3 في المائة خلال سنة 2026، أي بما يقارب 20 مليار متر مكعب، في أكبر انخفاض سنوي تسجله الوكالة في هذا السوق.
وقد ظهرت انعكاسات هذه الاضطرابات بالفعل على الأسعار.
فأسعار الغاز في الأسواق الأوروبية والآسيوية ارتفعت خلال الأشهر الماضية إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة الطاقة التي شهدها العالم خلال 2022 و2023.
وتشير بيانات الوكالة إلى ارتفاع متوسط أسعار الغاز في السوق الأوروبية بنحو 70 في المائة على أساس سنوي خلال الفترة الممتدة من مارس إلى أكتوبر 2026، في وقت اشتدت فيه المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين على الشحنات المرنة من الغاز المسال.
وتزيد مخزونات أوروبا الحالية من حساسية السوق تجاه أي موجة برد طويلة.
ففي سيناريو يجمع بين شتاء أكثر برودة من المعتاد واستمرار اضطراب شحنات الغاز المسال عبر مضيق هرمز، تشير محاكاة وكالة الطاقة الدولية إلى إمكانية تراجع مخزونات الاتحاد الأوروبي إلى أقل من 10 في المائة من طاقتها التشغيلية بحلول نهاية مارس 2027.
وتؤكد الوكالة أن هذا مجرد سيناريو وليس توقعاً مؤكداً، لكنه يوضح حجم المخاطر التي يمكن أن تواجه السوق إذا تزامن ارتفاع الطلب مع استمرار محدودية الإمدادات.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تتراجع نسبة ملء الخزانات إلى أقل من 30 في المائة، لأن سرعة سحب الغاز منها تنخفض تقنياً، ما يجعل الاستجابة لارتفاع مفاجئ في الطلب أكثر صعوبة.
ولا ينتهي التحدي الأوروبي بانتهاء فصل الشتاء.
فكلما استُهلكت كميات أكبر من الغاز المخزن خلال الأشهر المقبلة، ازدادت الحاجة إلى إعادة تعبئة الخزانات خلال ربيع وصيف 2027 استعداداً للشتاء التالي.
وترى الوكالة أن هذه الحاجة إلى إعادة تكوين الاحتياطيات قد تزيد الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي المسال في السوق العالمية خلال الصيف المقبل، ما قد يبقي المنافسة والأسعار تحت الضغط لفترة أطول.
ومن هنا يأتي تحذير وكالة الطاقة الدولية من إمكانية استمرار ضيق سوق الغاز العالمي إلى فترة متقدمة من سنة 2027، بدل عودة سريعة إلى مستويات أكثر راحة في الإمدادات والأسعار.
وفي المقابل، تظهر السوق العالمية قدراً أكبر من المرونة مقارنة بأزمة الطاقة في 2022.
فقد توسعت تجارة الغاز الطبيعي المسال خلال العقد الأخير، كما ارتفعت حصة العقود التي تسمح بتحويل وجهة الشحنات من سوق إلى أخرى، وهو ما يساعد على توجيه الإمدادات بسرعة نحو المناطق التي تحتاج إليها.
كما دخلت قدرات إنتاجية جديدة إلى السوق، خصوصاً في أمريكا الشمالية، وهو ما ساهم جزئياً في امتصاص صدمة انخفاض الصادرات من الخليج.
لكن الوكالة ترى أن هذه المرونة لا تلغي المخاطر، خاصة أن جزءاً من مشاريع زيادة إنتاج الغاز المسال المنتظرة خلال السنوات المقبلة لن يدخل الخدمة إلا في وقت لاحق.
وتتوقع أيضاً أن تؤدي تداعيات أزمة الشرق الأوسط والأضرار التي لحقت ببعض البنيات التحتية إلى فقدان كميات تراكمية من الإمدادات كان يفترض أن تدخل السوق بين 2026 و2030.
وبالنسبة إلى أوروبا، ستكون الأسابيع والأشهر المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بعاملين يصعب التحكم فيهما: الطقس واستقرار الإمدادات الدولية.
فشتاء معتدل يمكن أن يخفف الضغط على المخزونات والأسعار، بينما قد يدفع برد شديد أو اضطراب إضافي في الشحنات السوق نحو مرحلة جديدة من التقلب.
وهكذا تدخل أوروبا شتاء 2026-2027 بمخزونات أقل من السنوات الماضية، واعتماد أكبر على الغاز الطبيعي المسال، وسوق عالمية أكثر توتراً، ما يجعل أمن الإمدادات وأسعار الطاقة تحت المراقبة طوال الموسم البارد وحتى مرحلة إعادة ملء الخزانات في 2027.
الرئيسية

















