وبذلك، انخفض الحجم الإجمالي للصادرات بنحو 6.2 في المائة خلال عام واحد، بينما ارتفعت قيمتها بحوالي 14.3 في المائة، ما يعني أن المغرب حقق مداخيل أكبر من تصدير كمية أقل مقارنة بالسنة السابقة.
وتأتي هذه المعطيات في وقت عادت فيه أسعار الطماطم إلى واجهة النقاش داخل السوق المغربية، بعدما سجلت ارتفاعات ملحوظة في عدد من أسواق الجملة والتقسيط، ما أعاد طرح السؤال حول كيفية تحقيق التوازن بين المحافظة على موقع المغرب داخل الأسواق الخارجية وضمان وفرة المنتوج بأسعار مناسبة للمستهلك المحلي.
غير أن مقارنة أرقام التصدير بأسعار السوق الداخلية لا تكفي وحدها لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين الاثنين.
فالمهنيون يشيرون إلى مجموعة من العوامل المتداخلة وراء ارتفاع الأسعار خلال الفترة الحالية، من بينها تراجع العرض الموسمي، وتأخر بعض المحاصيل، والظروف المناخية، والأمراض التي أثرت على المردودية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطلب الخارجي.
وقد أظهرت معطيات السوق خلال الأيام الأخيرة وجود ضغط فعلي على العرض. ففي سوق الجملة بالدار البيضاء، على سبيل المثال، وصلت الكميات الوافدة في أحد أيام بداية نونبر إلى 187 طناً، بينما تقدر الحاجيات اليومية بما لا يقل عن 400 طن، وهو ما انعكس على الأسعار لدى تجار الجملة ثم المستهلك النهائي.
ومقابل هذه الضغوط الداخلية، تكشف أرقام سنة 2025 عن استمرار قوة الطماطم المغربية في الأسواق الخارجية.
وتأتي فرنسا في مقدمة الوجهات، بعدما استوردت من المغرب 376 ألفاً و599 طن من الطماطم بقيمة تناهز 792.39 مليون دولار، وهو ما يجعلها بفارق كبير السوق الأولى لهذا المنتوج المغربي.
وتحل المملكة المتحدة في المرتبة الثانية بحوالي 120 ألفاً و121 طن، بقيمة تقارب 173.46 مليون دولار، رغم أنها لم تعد عضواً في الاتحاد الأوروبي.
أما هولندا، فاستقبلت حوالي 65 ألفاً و905 أطنان، بينما بلغت الكميات الموجهة إلى إسبانيا نحو 45 ألفاً و414 طناً، وإلى ألمانيا حوالي 43 ألفاً و340 طناً.
وتؤكد هذه الأرقام مدى تركيز الصادرات المغربية في السوق الأوروبية، إذ تستحوذ دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة على الجزء الأكبر من الكميات المصدرة، فيما تبقى فرنسا وحدها أكبر زبون للطماطم المغربية.
ولا تقتصر الصادرات على السوق الأوروبية.
فقد استوردت موريتانيا خلال 2025 حوالي 34 ألفاً و154 طناً من الطماطم المغربية، كما توجهت كميات أخرى إلى السنغال والإمارات وعدد من الأسواق الدولية.
غير أن الفارق في قيمة الصادرات بين السوق الأوروبية وبعض الوجهات الأخرى يبرز اختلافاً واضحاً في القيمة التجارية للمنتوج حسب السوق المستقبلة ونوعية الطماطم والعقود والأسعار المعتمدة.
وتظهر مقارنة 2025 بالسنة السابقة تغيراً مهماً في بنية العائدات.
ففي سنة 2024، صدر المغرب قرابة 797.5 ألف طن مقابل 1.206 مليار دولار، بينما انخفضت الكمية في 2025 إلى حوالي 747.7 ألف طن، لكن قيمة الصادرات ارتفعت بأكثر من 170 مليون دولار.
وتشير هذه المفارقة إلى تحسن القيمة المتوسطة للصادرات، سواء بفعل تغير الأسعار الدولية أو تركيبة الأسواق والمنتجات المصدرة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المنتج نفسه بيع بالسعر ذاته في جميع الأسواق.
وتكتسب هذه الدينامية أهمية خاصة بالنسبة إلى القطاع الفلاحي المغربي، لأن صادرات الخضر والفواكه تمثل مصدراً مهماً للعملة الصعبة وتوفر نشاطاً اقتصادياً وفرص شغل في مناطق إنتاج رئيسية، خصوصاً سوس ماسة.
لكن قوة الصادرات تطرح في المقابل تحدياً يتعلق بأمن السوق الداخلية، خاصة عندما تتزامن فترات ارتفاع الطلب الخارجي مع تراجع الإنتاج أو اضطراب العرض محلياً.
وهنا يظهر النقاش حول الأولوية التي ينبغي منحها للسوق الوطنية خلال فترات الخصاص.
فبعض المهنيين في أسواق الجملة يرون أن ارتفاع الطلب الخارجي يمكن أن يقلص الكميات المتاحة محلياً عندما يكون الإنتاج محدوداً، ويطالبون بالتدخل لتنظيم الصادرات مؤقتاً في حالات الضغط الشديد.
في المقابل، يؤكد منتجون أن تفسير ارتفاع الأسعار بالتصدير وحده لا يعكس حقيقة القطاع، مشيرين إلى أن انخفاض المردودية الزراعية والأمراض وارتفاع تكاليف المدخلات والنقل عوامل أساسية في تراجع الكميات المتاحة.
وتبرز هذه المواقف أن أزمة الأسعار الحالية أكثر تعقيداً من اختزالها في عنصر واحد.
فالطماطم منتوج سريع التلف ويتأثر بالتقلبات المناخية والمواسم الزراعية والأمراض وتكاليف النقل والتوزيع، كما أن السوق تضم أصنافاً مختلفة لا تتوجه كلها إلى المستهلك نفسه أو بالسعر نفسه.
وتؤكد معطيات حديثة أن تراجع الإنتاج، خصوصاً في سوس ماسة، ترافق مع أضرار مرتبطة بالأمراض والحرارة وارتفاع تكاليف المدخلات، فيما ساهم نقص العرض في زيادة الضغط على أسعار الجملة والتقسيط.
وبالتالي، فإن الأرقام القياسية نسبياً للصادرات تفتح نقاشاً مشروعاً حول التوازن بين التصدير والتموين المحلي، لكنها لا تثبت بمفردها أن الصادرات هي السبب الرئيسي وراء الأسعار الحالية.
ويطرح هذا الوضع تحدياً على مستوى تدبير السوق، يتمثل في الحفاظ على مكتسبات الصادرات المغربية ومداخيل المنتجين من جهة، وضمان وصول كميات كافية إلى الأسواق الداخلية بأسعار يمكن للأسر تحملها من جهة أخرى.
ويصبح هذا التوازن أكثر أهمية بالنسبة إلى الطماطم باعتبارها مادة تدخل بشكل يومي تقريباً في استهلاك الأسر المغربية، ما يجعل أي ارتفاع سريع في سعرها محسوساً مباشرة في ميزانية المواطنين.
وتكشف حصيلة 2025 في النهاية عن قطاع تصديري قوي استطاع تحقيق 1.378 مليار دولار رغم انخفاض حجم الكميات، لكنها تأتي اليوم في سياق داخلي مختلف، يتسم بتراجع العرض وارتفاع الأسعار وتجدد النقاش بشأن الأولويات بين السوق الوطنية والطلب الخارجي.
وسيظل السؤال المطروح مرتبطاً بقدرة منظومة الإنتاج والتوزيع على زيادة العرض بما يسمح بالحفاظ على الصادرات دون أن يتحول الطلب الخارجي، إلى جانب العوامل المناخية والإنتاجية الأخرى، إلى مصدر ضغط إضافي على أسعار مادة أساسية في السوق المغربية.
الرئيسية

















