بقلم : بوشعيب حمراوي
خمسة وثلاثون عاماً كاملة مرت على إحداث بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، المعروفة اختصاراً بالمينورسو. خمسة وثلاثون عاماً من القرارات والتقارير والاجتماعات والمفاوضات والميزانيات والرواتب والتعويضات والطائرات والمروحيات والسيارات والمقرات والتجهيزات والمهمات الرسمية. وفي النهاية، غادرت البعثة المشهد الأممي يوم 31 أكتوبر 2026 دون أن يتحقق الاستفتاء الذي حملت اسمه، ودون أن يُحسم النزاع السياسي الذي برر استمرارها.
ولأننا أمام مؤسسة أممية مولتها أموال الدول الأعضاء، فإن السؤال لم يعد متعلقاً فقط بما حققته سياسياً وعسكرياً، بل أصبح سؤالاً مالياً وأخلاقياً ومؤسساتياً: كم كلفت المينورسو العالم؟ وماذا استفاد العالم من كل هذه الأموال؟ ومن يملك حق مساءلة الذين أداروا هذه المهمة طوال ثلاثة عقود ونصف؟
من استفتاء لم يُنظم إلى بعثة استمرت 35 عاماً
في 29 أبريل 1991، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 690 القاضي بإحداث المينورسو، في إطار خطة تسوية قبلها المغرب والبوليساريو سنة 1988، تقوم على وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء، إلى جانب ترتيبات تتعلق بالأسرى واللاجئين والقوات العسكرية.
وفي شتنبر 1991، بدأ تنفيذ وقف إطلاق النار وانتشار المراقبين. ثم انطلقت عمليات تحديد هوية الناخبين سنة 1994، قبل أن تتعثر سنة 1996 بسبب الخلافات حول تحديد الهيئة الناخبة.
وبمرور السنوات، تراجع الحديث عن تنظيم الاستفتاء، وبرزت مسارات سياسية تفاوضية، وصولاً إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007، التي شكلت تحولاً أساسياً في المقاربة المغربية لتسوية النزاع.
ومع ذلك، استمرت بعثة تحمل في تسميتها كلمة «الاستفتاء»، بينما أصبحت مهامها العملية تتركز أساساً على المراقبة العسكرية، والإبلاغ عن الحوادث، وإزالة الألغام، ودعم المساعي السياسية.
وهنا تكمن المفارقة: مؤسسة تغير واقع عملها، لكن استمرارها ظل مرتبطاً باسم ومشروع لم يتحققا.
الملايين التي ابتلعتها سنوات الانتظار
الأرقام الرسمية للأمم المتحدة تدفع إلى طرح أسئلة أكبر من مجرد تقييم الأداء السياسي.
فخلال السنة المالية 2024-2025، بلغت النفقات الفعلية للمينورسو حوالي 64.73 مليون دولار، أي ما يقارب 177 ألف دولار يومياً، وأكثر من 5.39 ملايين دولار شهرياً.
أما الميزانية المعتمدة للسنة المالية 2025-2026، فقد بلغت حوالي 70.69 مليون دولار.
ولفهم حجم الإنفاق، تكفي العودة إلى تفاصيل سنة مالية واحدة :
أكثر من 25.15 مليون دولار للموظفين المدنيين ورواتبهم وتعويضاتهم.
حوالي 18.62 مليون دولار للطيران.
أكثر من 8.32 ملايين دولار للعسكريين والشرطة.
حوالي 3.66 ملايين دولار للمباني والمرافق والبنيات التحتية.
أكثر من 2.5 مليون دولار للاتصالات والتكنولوجيا.
حوالي 1.3 مليون دولار للنقل البري.
أكثر من 4.66 ملايين دولار للتجهيزات والخدمات واللوازم الأخرى.
حوالي 350 ألف دولار للسفر في مهمات رسمية.
هذه ليست أرقاماً متخيلة، بل مبالغ واردة في الوثائق المالية للأمم المتحدة.
وإذا كانت هذه كلفة سنة واحدة، فكيف كانت الحصيلة خلال 35 عاماً؟
لا يمكن تقديم رقم إجمالي دقيق دون تجميع الحسابات التاريخية المعتمدة سنة بسنة. لكن المؤكد أن الحديث يتعلق بمهمة استنزفت موارد مالية كبيرة على امتداد عقود.
وكانت وراء هذه المصاريف منظومة إدارية وعسكرية كاملة، تضم مسؤولين أمميين ومراقبين وضباطاً وموظفين دوليين ومحليين، إضافة إلى متعاقدين وخدمات لوجستية وتقنية.
ومن حق الرأي العام أن يتساءل: هل خضعت كل هذه النفقات لتقييم دوري يقارن بين كلفة المهمة والنتائج المحققة؟ وهل كانت تقارير تمديد الولاية تناقش جدوى الإنفاق بالصرامة نفسها التي تناقش بها التطورات السياسية والعسكرية؟
طائرات ومروحيات وسيارات ومقرات.. لمراقبة ماذا؟
لم تكن المينورسو مجرد مكتب أممي في مدينة العيون.
فقد امتلكت منظومة تشغيل تتطلب مركبات رباعية الدفع، وطائرات ومروحيات، ومعدات اتصال ومراقبة، ومخازن للوقود، ومرافق للإقامة والعمل، وخدمات للصيانة والتغذية والحماية.
وكان مقرها الرئيسي بمدينة العيون، إلى جانب أربعة مواقع للمراقبة غرب الجدار الرملي وخمسة شرقه، فضلاً عن مكتب اتصال في تندوف بالجزائر.
إذن، من الناحية الميدانية، لم تكن البعثة محصورة في المناطق الواقعة غرب الجدار، ولم تكن مهمتها مراقبة الحدود الدولية للمغرب كما قد يُعتقد، بل متابعة التطورات العسكرية والحوادث المرتبطة بالنزاع على جانبي الجدار.
وكانت الأمم المتحدة تعتبر وجودها عاملاً للحد من التصعيد العسكري، خصوصاً بعد انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020. وهي وظيفة لا يمكن تجاهلها عند تقييم الحصيلة.
لكن من حقنا أيضاً أن نسأل عن فعالية تلك المراقبة وحدودها.
كم دورية أُنجزت فعلياً؟ كم مخالفة رُصدت؟ كم حادثة جرى التحقق منها ميدانياً؟ وكم مرة مُنع المراقبون من الوصول إلى مواقع معينة؟ وهل كان الانتشار العسكري متوازناً من حيث حرية الحركة والوصول إلى المعلومات؟
ثم ماذا عن ملايين الدولارات التي أُنفقت على الطيران والتنقل والإقامة والتجهيزات؟ هل انعكست كلها في تقارير ميدانية دقيقة ومعلنة للرأي العام؟
إن مجرد وجود دوريات وطائرات لا يكفي لإثبات فعالية المهمة. فالجدوى تقاس بالنتائج، وليس بحجم الأسطول أو عدد الرحلات.
عيون عسكرية مفتوحة.. وصلاحيات حقوقية غائبة
أكثر ما يثير الاستغراب في تجربة المينورسو هو التفاوت بين إمكانياتها المادية والعسكرية وبين محدودية صلاحياتها الحقوقية.
فالبعثة التي وُجدت في المنطقة طوال 35 سنة، لم تكن تتمتع بتفويض عام ومستقل لمراقبة حقوق الإنسان، سواء غرب الجدار أو شرقه أو داخل مخيمات تندوف.
وبالتالي، لم يكن من صميم عملها التحقيق الدوري في حرية التعبير، أوضاع المعارضين، الاعتقالات، حرية التنقل، ظروف الاحتجاز، أو الانتهاكات المحتملة داخل المخيمات.
ومن المهم التأكيد أن غياب التفويض لا يعني بالضرورة غياب جميع آليات الأمم المتحدة الأخرى، لكنه يكشف عن ثغرة في طبيعة الحضور الأممي بالمنطقة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف استطاعت الأمم المتحدة تخصيص عشرات الملايين سنوياً لمراقبة التحركات العسكرية، دون أن تجعل مراقبة حقوق الإنسان جزءاً من الاختصاصات الدائمة للبعثة؟
ولماذا بقيت أوضاع الساكنة في مخيمات تندوف خارج آليات رصد حقوقية ميدانية شاملة تضمن استقلالية التحقق وسهولة تقديم الشكايات؟
إن حماية المدنيين ينبغي ألا تخضع للاعتبارات السياسية أو لموقعهم الجغرافي، ولا يجوز أن يكون الإنسان أقل أهمية من الآليات العسكرية التي تتحرك في الصحراء.
أين تذهب مساعدات سكان مخيمات تندوف؟
هناك ملف آخر ظل يحتاج إلى تدقيق جاد، وهو المساعدات الدولية الموجهة إلى سكان مخيمات تندوف.
فالمينورسو لم تكن مسؤولة عن إدارة هذه المساعدات أو مراقبة صرفها مالياً. وتتولى برامجها وكالات إنسانية أخرى، أبرزها برنامج الأغذية العالمي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع شركاء محليين.
لكن الفصل الإداري بين البعثة العسكرية والمنظومة الإنسانية لا يعفي الأمم المتحدة والجهات المانحة من واجب الشفافية والمحاسبة.
فقد سبق للمكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال أن كشف اختلالات تاريخية مرتبطة بسلسلة توزيع المساعدات، وهو ما يفرض متابعة التحقق والرقابة، دون تحويل شبهات أو
وقائع تاريخية إلى اتهامات عامة غير مثبتة بشأن جميع المساعدات الحالية.
والأسئلة هنا كثيرة:
من يحدد أعداد المستفيدين؟ ومن يستلم المساعدات؟ وكيف تُوزع؟ وهل تصل كاملة إلى الأسر المعنية؟ وما الجهات التي تتولى التدقيق المستقل في المخازن والنقل والتوزيع؟
ولماذا لا تُنشر أمام الرأي العام تفاصيل مالية دورية ومفهومة حول كل دولار أو يورو يخصص لدعم سكان المخيمات؟
إن المستفيد الأول من الشفافية هو الإنسان الموجود داخل تلك المخيمات، الذي ينبغي أن تصله المساعدة دون استغلال سياسي أو حرمان أو تمييز.
من يدفع الفاتورة؟ ومن يحاسب؟
تمول المينورسو أساساً من المساهمات الإلزامية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وفق النظام المالي المعتمد لعمليات حفظ السلام.
وبالتالي، فإن أموالها ليست ملكاً للأمين العام ولا لمجلس الأمن ولا للدول المعنية بالنزاع، بل موارد عمومية دولية تتحملها الدول المساهمة من ميزانياتها.
ومن هنا، فإن المحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند مراقبة قانونية الصفقات والمشتريات، وإنما يجب أن تشمل تقييم الجدوى والنتائج.
فقد تكون النفقة قانونية ومؤشرة عليها، لكنها لا تحقق الأثر المنتظر منها.
والمطلوب اليوم حساب ختامي شامل للبعثة، يتضمن كلفة السنوات الخمس والثلاثين، وتفاصيل مصاريف الموارد البشرية والطيران والنقل والبنيات التحتية، وما ترتب عن إغلاق المقرات وإنهاء العقود ونقل أو بيع المعدات والتجهيزات.
كما ينبغي توضيح التكاليف المستقلة للمبعوثين الشخصيين والاجتماعات والمفاوضات التي تحملتها ميزانيات أممية أخرى، حتى لا تختلط هذه النفقات بالحسابات المباشرة للمينورسو.
نهاية المينورسو.. هل هي نهاية سياسة تدبير النزاع؟
جاء يوم 30 أكتوبر 2026 ليضع حداً لمسار التمديد السنوي الذي استمر عقوداً.
فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، بينما عجز المشروع الروسي البديل عن الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده.
وهكذا انتهت ولاية المينورسو في 31 أكتوبر، وشرعت الأمم المتحدة في إجراءات تصفيتها.
ورحب المغرب بهذا التطور، معتبراً إياه انتقالاً من منطق تدبير النزاع إلى مرحلة جديدة، فيما أكدت الأمم المتحدة استمرار مساعيها السياسية من خلال المبعوث الشخصي للأمين العام.
ومن وجهة نظري، فإن هذه اللحظة تشكل فرصة لإعادة طرح السؤال الذي جرى تأجيله طويلاً: هل كانت الإبقاء على البعثة وسيلة للتقدم نحو الحل، أم أن استمرارها تحول، بمرور الزمن، إلى جزء من إدارة وضع سياسي جامد؟
وإذا كانت المبادرة المغربية للحكم الذاتي تمثل بالنسبة للمغرب إطاراً واقعياً لتسوية النزاع في ظل سيادته ووحدته الترابية، فإن الانتقال نحو أي حل سياسي يحتاج إلى مفاوضات واضحة ومسؤوليات محددة وضمانات تحمي السكان وتمنع العودة إلى المواجهة العسكرية.
وداعاً للمينورسو.. لكن الحساب لم ينته
ليست القضية في نظري أن نحتفل فقط بنهاية وجود المينورسو، ولا أن نحمل موظفيها وعسكرييها مسؤولية قرارات سياسية كانت تصدر من مجلس الأمن.
فقد أدى كثير من أفرادها مهامهم في ظروف صعبة، وساهمت أنشطتها في مراقبة الوضع العسكري وإزالة الألغام، وهي أعمال تستحق التقييم الموضوعي.
لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكبر: هل كان ممكناً تحقيق حصيلة أفضل، بكلفة أقل، وبتفويض أكثر وضوحاً، وبمراقبة أشمل لحقوق الإنسان؟
إن العالم لا يحتاج إلى بعثات أممية تتحول بمرور الوقت إلى أجهزة دائمة تعيد إنتاج أسباب استمرارها، وإنما يحتاج إلى مؤسسات ترتبط ميزانياتها بأهداف قابلة للتحقيق والتقييم والمحاسبة.
لقد أُسدل الستار على 35 سنة من الحضور العسكري والإداري للمينورسو، لكن ملفات المال والعتاد والممتلكات والعقود والاجتماعات والتقارير لا ينبغي أن تُطوى دون كشف حساب نهائي.
فالمينورسو أنهت مهمتها، لكن من حق دافعي الأموال والشعوب المعنية أن يعرفوا ماذا أُنجز، وماذا تعثر، وكم كانت الكلفة الحقيقية، ومن يتحمل مسؤولية الخيارات التي أبقت الملف مفتوحاً كل تلك السنوات.
وإذا كان قرار إنهاء الولاية قد استغرق جلسة واحدة بمجلس الأمن، فإن تقييم 35 عاماً من الإنفاق والانتظار يستحق أكثر من بيان وداعي.
فالتاريخ لا يحاسب المؤسسات بعدد السنوات التي عاشت فيها، ولا بعدد الموظفين الذين تعاقبوا عليها، وإنما بما أنجزته من الأهداف التي وُجدت من أجلها.
ولأننا أمام مؤسسة أممية مولتها أموال الدول الأعضاء، فإن السؤال لم يعد متعلقاً فقط بما حققته سياسياً وعسكرياً، بل أصبح سؤالاً مالياً وأخلاقياً ومؤسساتياً: كم كلفت المينورسو العالم؟ وماذا استفاد العالم من كل هذه الأموال؟ ومن يملك حق مساءلة الذين أداروا هذه المهمة طوال ثلاثة عقود ونصف؟
من استفتاء لم يُنظم إلى بعثة استمرت 35 عاماً
في 29 أبريل 1991، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 690 القاضي بإحداث المينورسو، في إطار خطة تسوية قبلها المغرب والبوليساريو سنة 1988، تقوم على وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء، إلى جانب ترتيبات تتعلق بالأسرى واللاجئين والقوات العسكرية.
وفي شتنبر 1991، بدأ تنفيذ وقف إطلاق النار وانتشار المراقبين. ثم انطلقت عمليات تحديد هوية الناخبين سنة 1994، قبل أن تتعثر سنة 1996 بسبب الخلافات حول تحديد الهيئة الناخبة.
وبمرور السنوات، تراجع الحديث عن تنظيم الاستفتاء، وبرزت مسارات سياسية تفاوضية، وصولاً إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007، التي شكلت تحولاً أساسياً في المقاربة المغربية لتسوية النزاع.
ومع ذلك، استمرت بعثة تحمل في تسميتها كلمة «الاستفتاء»، بينما أصبحت مهامها العملية تتركز أساساً على المراقبة العسكرية، والإبلاغ عن الحوادث، وإزالة الألغام، ودعم المساعي السياسية.
وهنا تكمن المفارقة: مؤسسة تغير واقع عملها، لكن استمرارها ظل مرتبطاً باسم ومشروع لم يتحققا.
الملايين التي ابتلعتها سنوات الانتظار
الأرقام الرسمية للأمم المتحدة تدفع إلى طرح أسئلة أكبر من مجرد تقييم الأداء السياسي.
فخلال السنة المالية 2024-2025، بلغت النفقات الفعلية للمينورسو حوالي 64.73 مليون دولار، أي ما يقارب 177 ألف دولار يومياً، وأكثر من 5.39 ملايين دولار شهرياً.
أما الميزانية المعتمدة للسنة المالية 2025-2026، فقد بلغت حوالي 70.69 مليون دولار.
ولفهم حجم الإنفاق، تكفي العودة إلى تفاصيل سنة مالية واحدة :
أكثر من 25.15 مليون دولار للموظفين المدنيين ورواتبهم وتعويضاتهم.
حوالي 18.62 مليون دولار للطيران.
أكثر من 8.32 ملايين دولار للعسكريين والشرطة.
حوالي 3.66 ملايين دولار للمباني والمرافق والبنيات التحتية.
أكثر من 2.5 مليون دولار للاتصالات والتكنولوجيا.
حوالي 1.3 مليون دولار للنقل البري.
أكثر من 4.66 ملايين دولار للتجهيزات والخدمات واللوازم الأخرى.
حوالي 350 ألف دولار للسفر في مهمات رسمية.
هذه ليست أرقاماً متخيلة، بل مبالغ واردة في الوثائق المالية للأمم المتحدة.
وإذا كانت هذه كلفة سنة واحدة، فكيف كانت الحصيلة خلال 35 عاماً؟
لا يمكن تقديم رقم إجمالي دقيق دون تجميع الحسابات التاريخية المعتمدة سنة بسنة. لكن المؤكد أن الحديث يتعلق بمهمة استنزفت موارد مالية كبيرة على امتداد عقود.
وكانت وراء هذه المصاريف منظومة إدارية وعسكرية كاملة، تضم مسؤولين أمميين ومراقبين وضباطاً وموظفين دوليين ومحليين، إضافة إلى متعاقدين وخدمات لوجستية وتقنية.
ومن حق الرأي العام أن يتساءل: هل خضعت كل هذه النفقات لتقييم دوري يقارن بين كلفة المهمة والنتائج المحققة؟ وهل كانت تقارير تمديد الولاية تناقش جدوى الإنفاق بالصرامة نفسها التي تناقش بها التطورات السياسية والعسكرية؟
طائرات ومروحيات وسيارات ومقرات.. لمراقبة ماذا؟
لم تكن المينورسو مجرد مكتب أممي في مدينة العيون.
فقد امتلكت منظومة تشغيل تتطلب مركبات رباعية الدفع، وطائرات ومروحيات، ومعدات اتصال ومراقبة، ومخازن للوقود، ومرافق للإقامة والعمل، وخدمات للصيانة والتغذية والحماية.
وكان مقرها الرئيسي بمدينة العيون، إلى جانب أربعة مواقع للمراقبة غرب الجدار الرملي وخمسة شرقه، فضلاً عن مكتب اتصال في تندوف بالجزائر.
إذن، من الناحية الميدانية، لم تكن البعثة محصورة في المناطق الواقعة غرب الجدار، ولم تكن مهمتها مراقبة الحدود الدولية للمغرب كما قد يُعتقد، بل متابعة التطورات العسكرية والحوادث المرتبطة بالنزاع على جانبي الجدار.
وكانت الأمم المتحدة تعتبر وجودها عاملاً للحد من التصعيد العسكري، خصوصاً بعد انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020. وهي وظيفة لا يمكن تجاهلها عند تقييم الحصيلة.
لكن من حقنا أيضاً أن نسأل عن فعالية تلك المراقبة وحدودها.
كم دورية أُنجزت فعلياً؟ كم مخالفة رُصدت؟ كم حادثة جرى التحقق منها ميدانياً؟ وكم مرة مُنع المراقبون من الوصول إلى مواقع معينة؟ وهل كان الانتشار العسكري متوازناً من حيث حرية الحركة والوصول إلى المعلومات؟
ثم ماذا عن ملايين الدولارات التي أُنفقت على الطيران والتنقل والإقامة والتجهيزات؟ هل انعكست كلها في تقارير ميدانية دقيقة ومعلنة للرأي العام؟
إن مجرد وجود دوريات وطائرات لا يكفي لإثبات فعالية المهمة. فالجدوى تقاس بالنتائج، وليس بحجم الأسطول أو عدد الرحلات.
عيون عسكرية مفتوحة.. وصلاحيات حقوقية غائبة
أكثر ما يثير الاستغراب في تجربة المينورسو هو التفاوت بين إمكانياتها المادية والعسكرية وبين محدودية صلاحياتها الحقوقية.
فالبعثة التي وُجدت في المنطقة طوال 35 سنة، لم تكن تتمتع بتفويض عام ومستقل لمراقبة حقوق الإنسان، سواء غرب الجدار أو شرقه أو داخل مخيمات تندوف.
وبالتالي، لم يكن من صميم عملها التحقيق الدوري في حرية التعبير، أوضاع المعارضين، الاعتقالات، حرية التنقل، ظروف الاحتجاز، أو الانتهاكات المحتملة داخل المخيمات.
ومن المهم التأكيد أن غياب التفويض لا يعني بالضرورة غياب جميع آليات الأمم المتحدة الأخرى، لكنه يكشف عن ثغرة في طبيعة الحضور الأممي بالمنطقة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف استطاعت الأمم المتحدة تخصيص عشرات الملايين سنوياً لمراقبة التحركات العسكرية، دون أن تجعل مراقبة حقوق الإنسان جزءاً من الاختصاصات الدائمة للبعثة؟
ولماذا بقيت أوضاع الساكنة في مخيمات تندوف خارج آليات رصد حقوقية ميدانية شاملة تضمن استقلالية التحقق وسهولة تقديم الشكايات؟
إن حماية المدنيين ينبغي ألا تخضع للاعتبارات السياسية أو لموقعهم الجغرافي، ولا يجوز أن يكون الإنسان أقل أهمية من الآليات العسكرية التي تتحرك في الصحراء.
أين تذهب مساعدات سكان مخيمات تندوف؟
هناك ملف آخر ظل يحتاج إلى تدقيق جاد، وهو المساعدات الدولية الموجهة إلى سكان مخيمات تندوف.
فالمينورسو لم تكن مسؤولة عن إدارة هذه المساعدات أو مراقبة صرفها مالياً. وتتولى برامجها وكالات إنسانية أخرى، أبرزها برنامج الأغذية العالمي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع شركاء محليين.
لكن الفصل الإداري بين البعثة العسكرية والمنظومة الإنسانية لا يعفي الأمم المتحدة والجهات المانحة من واجب الشفافية والمحاسبة.
فقد سبق للمكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال أن كشف اختلالات تاريخية مرتبطة بسلسلة توزيع المساعدات، وهو ما يفرض متابعة التحقق والرقابة، دون تحويل شبهات أو
وقائع تاريخية إلى اتهامات عامة غير مثبتة بشأن جميع المساعدات الحالية.
والأسئلة هنا كثيرة:
من يحدد أعداد المستفيدين؟ ومن يستلم المساعدات؟ وكيف تُوزع؟ وهل تصل كاملة إلى الأسر المعنية؟ وما الجهات التي تتولى التدقيق المستقل في المخازن والنقل والتوزيع؟
ولماذا لا تُنشر أمام الرأي العام تفاصيل مالية دورية ومفهومة حول كل دولار أو يورو يخصص لدعم سكان المخيمات؟
إن المستفيد الأول من الشفافية هو الإنسان الموجود داخل تلك المخيمات، الذي ينبغي أن تصله المساعدة دون استغلال سياسي أو حرمان أو تمييز.
من يدفع الفاتورة؟ ومن يحاسب؟
تمول المينورسو أساساً من المساهمات الإلزامية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وفق النظام المالي المعتمد لعمليات حفظ السلام.
وبالتالي، فإن أموالها ليست ملكاً للأمين العام ولا لمجلس الأمن ولا للدول المعنية بالنزاع، بل موارد عمومية دولية تتحملها الدول المساهمة من ميزانياتها.
ومن هنا، فإن المحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند مراقبة قانونية الصفقات والمشتريات، وإنما يجب أن تشمل تقييم الجدوى والنتائج.
فقد تكون النفقة قانونية ومؤشرة عليها، لكنها لا تحقق الأثر المنتظر منها.
والمطلوب اليوم حساب ختامي شامل للبعثة، يتضمن كلفة السنوات الخمس والثلاثين، وتفاصيل مصاريف الموارد البشرية والطيران والنقل والبنيات التحتية، وما ترتب عن إغلاق المقرات وإنهاء العقود ونقل أو بيع المعدات والتجهيزات.
كما ينبغي توضيح التكاليف المستقلة للمبعوثين الشخصيين والاجتماعات والمفاوضات التي تحملتها ميزانيات أممية أخرى، حتى لا تختلط هذه النفقات بالحسابات المباشرة للمينورسو.
نهاية المينورسو.. هل هي نهاية سياسة تدبير النزاع؟
جاء يوم 30 أكتوبر 2026 ليضع حداً لمسار التمديد السنوي الذي استمر عقوداً.
فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، بينما عجز المشروع الروسي البديل عن الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده.
وهكذا انتهت ولاية المينورسو في 31 أكتوبر، وشرعت الأمم المتحدة في إجراءات تصفيتها.
ورحب المغرب بهذا التطور، معتبراً إياه انتقالاً من منطق تدبير النزاع إلى مرحلة جديدة، فيما أكدت الأمم المتحدة استمرار مساعيها السياسية من خلال المبعوث الشخصي للأمين العام.
ومن وجهة نظري، فإن هذه اللحظة تشكل فرصة لإعادة طرح السؤال الذي جرى تأجيله طويلاً: هل كانت الإبقاء على البعثة وسيلة للتقدم نحو الحل، أم أن استمرارها تحول، بمرور الزمن، إلى جزء من إدارة وضع سياسي جامد؟
وإذا كانت المبادرة المغربية للحكم الذاتي تمثل بالنسبة للمغرب إطاراً واقعياً لتسوية النزاع في ظل سيادته ووحدته الترابية، فإن الانتقال نحو أي حل سياسي يحتاج إلى مفاوضات واضحة ومسؤوليات محددة وضمانات تحمي السكان وتمنع العودة إلى المواجهة العسكرية.
وداعاً للمينورسو.. لكن الحساب لم ينته
ليست القضية في نظري أن نحتفل فقط بنهاية وجود المينورسو، ولا أن نحمل موظفيها وعسكرييها مسؤولية قرارات سياسية كانت تصدر من مجلس الأمن.
فقد أدى كثير من أفرادها مهامهم في ظروف صعبة، وساهمت أنشطتها في مراقبة الوضع العسكري وإزالة الألغام، وهي أعمال تستحق التقييم الموضوعي.
لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكبر: هل كان ممكناً تحقيق حصيلة أفضل، بكلفة أقل، وبتفويض أكثر وضوحاً، وبمراقبة أشمل لحقوق الإنسان؟
إن العالم لا يحتاج إلى بعثات أممية تتحول بمرور الوقت إلى أجهزة دائمة تعيد إنتاج أسباب استمرارها، وإنما يحتاج إلى مؤسسات ترتبط ميزانياتها بأهداف قابلة للتحقيق والتقييم والمحاسبة.
لقد أُسدل الستار على 35 سنة من الحضور العسكري والإداري للمينورسو، لكن ملفات المال والعتاد والممتلكات والعقود والاجتماعات والتقارير لا ينبغي أن تُطوى دون كشف حساب نهائي.
فالمينورسو أنهت مهمتها، لكن من حق دافعي الأموال والشعوب المعنية أن يعرفوا ماذا أُنجز، وماذا تعثر، وكم كانت الكلفة الحقيقية، ومن يتحمل مسؤولية الخيارات التي أبقت الملف مفتوحاً كل تلك السنوات.
وإذا كان قرار إنهاء الولاية قد استغرق جلسة واحدة بمجلس الأمن، فإن تقييم 35 عاماً من الإنفاق والانتظار يستحق أكثر من بيان وداعي.
فالتاريخ لا يحاسب المؤسسات بعدد السنوات التي عاشت فيها، ولا بعدد الموظفين الذين تعاقبوا عليها، وإنما بما أنجزته من الأهداف التي وُجدت من أجلها.
الرئيسية















