وجاء موقف الهيئة المهنية في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى أسعار بعض الاستشارات الطبية في القطاع الخاص، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى 400 درهم، ما أعاد إلى الواجهة سؤال القدرة الشرائية للمواطنين وحدود تسعير الخدمات الطبية.
لكن النقابة اختارت نقل النقاش من سؤال «كم يجب أن يدفع المريض للطبيب؟» إلى سؤال آخر يتعلق بحجم ما تتحمله صناديق التأمين الصحي من مصاريف العلاج، وما يبقى في النهاية على عاتق المؤمن.
وفي بيان صادر عن مكتبها الوطني بالدار البيضاء يوم السبت 31 أكتوبر 2026، أكدت النقابة أن التعريفة الوطنية المرجعية الحالية ترتبط باتفاق يعود إلى سنة 2006.
وبحسب الهيئة، كان يفترض أن تعرف هذه التعريفة مراجعة دورية كل ثلاث سنوات، غير أن هذا المسار لم يتم بالشكل المنتظر، رغم مرور سنوات طويلة شهدت تغيرات في أسعار المعدات والتجهيزات ومصاريف تسيير العيادات.
ومن وجهة نظر أطباء القطاع الخاص، فإن الفجوة التي يشعر بها المواطن اليوم عند أداء تكاليف العلاج لا ترتبط دائماً بالمبلغ الذي يطلبه الطبيب وحده، بل كذلك بالفارق بين السعر الفعلي للخدمة والقيمة التي تعتمدها مؤسسات التأمين عند احتساب التعويض.
وتعتبر النقابة أن معالجة هذا الفارق يجب أن تكون نقطة الانطلاق في أي إصلاح جديد، لأن إبقاء التعريفة المرجعية عند مستويات لا تواكب تطور الكلفة يجعل المريض مطالباً بتغطية جزء أكبر من مصاريف علاجه من موارده الخاصة.
وتستند الهيئة في موقفها إلى مجموعة من التكاليف التي تقول إنها ارتفعت خلال السنوات الماضية، وتشمل التجهيزات والمعدات الطبية والمستلزمات الصحية، إضافة إلى أجور المستخدمين والكراء والتأمين والصيانة والنفقات المرتبطة بالتسيير الإداري للعيادات.
وترى أن هذه العناصر تجعل تطبيق تسعيرة واحدة على جميع الاستشارات، بمعزل عن طبيعة كل تخصص وظروف ممارسته، خياراً لا يعكس الاختلافات الموجودة داخل القطاع الطبي الخاص.
فالاستشارة، بحسب موقف النقابة، ليست متطابقة في جميع الحالات؛ إذ تختلف طبيعة الخدمات الطبية حسب التخصص، ومستوى التكوين المطلوب، والتجهيزات المستخدمة، والوقت الذي تستغرقه عملية الفحص والمتابعة.
ولهذا ترفض الهيئة التعامل مع جميع الاستشارات بمنطق السعر الموحد، وتطالب بدلاً من ذلك بإعادة فتح ملف التعريفة المرجعية بكامله ووضع قواعد جديدة تراعي تطور تكاليف العلاج وقدرة المواطنين على الأداء في الوقت نفسه.
وفي المقابل، تقر النقابة ضمنياً بأن ارتفاع الفاتورة الصحية يمثل عبئاً حقيقياً على المرضى، لكنها ترفض تحميل الاستشارة الطبية وحدها مسؤولية هذا الوضع.
فمصاريف العلاج لا تنتهي عند باب العيادة، بل قد تبدأ منه فقط، إذ يمكن أن تشمل التحاليل الطبية، والأشعة والفحوصات المتخصصة، والأدوية، والتدخلات الجراحية، والإقامة بالمؤسسات الاستشفائية، إلى جانب المتابعة المستمرة بالنسبة إلى المصابين بأمراض مزمنة أو خطيرة.
ومن هنا، تعتبر النقابة أن معالجة القدرة الشرائية الصحية للمواطن تستدعي النظر إلى المسار العلاجي كاملاً، وليس إلى مبلغ واحد ضمن سلسلة طويلة من النفقات.
ويعيد هذا الطرح إلى الواجهة قضية نسبة التعويض التي يحصل عليها المؤمن بعد أداء تكاليف العلاج.
فبحسب النقابة، كلما ظلت التعويضات محسوبة انطلاقاً من تعريفة لا تواكب الأسعار الفعلية، اتسعت الحصة التي يؤديها المريض مباشرة، حتى وإن كان يتوفر على تغطية صحية.
ولهذا تطالب الهيئة المهنية بإعادة النظر في قيمة التعويضات بالتوازي مع مراجعة التعريفة المرجعية، حتى تصبح التغطية الصحية أكثر قدرة على تخفيف العبء المالي عن الأسر.
وتؤكد النقابة أن رفع مستوى التعويض يمكن أن يكون أكثر تأثيراً على كلفة العلاج بالنسبة للمواطن من فرض سقف موحد على الاستشارات وحدها، لأن التعويض يشمل أجزاء متعددة من المسار العلاجي وليس زيارة الطبيب فقط.
ويضع هذا الموقف النقاش حول أتعاب الأطباء أمام معادلة مزدوجة: حماية المريض من أسعار قد تكون مرتفعة بالنسبة إلى قدرته الشرائية، وفي الوقت نفسه ضمان أن تكون التعريفات المعتمدة في القطاع الصحي متناسبة مع الكلفة التي يتحملها مقدم الخدمة.
وتطالب النقابة، في هذا السياق، بفتح حوار مباشر مع الحكومة والمؤسسات المكلفة بالتغطية الصحية، بدل الاكتفاء بإجراءات منفصلة يتم اتخاذها خارج تصور شامل للمنظومة.
كما تدعو إلى إشراك ممثلي أطباء القطاع الخاص في مختلف النقاشات المتعلقة بإصلاح التغطية الصحية والتعريفة الوطنية المرجعية، باعتبارهم طرفاً مباشراً في تقديم الخدمات التي تشملها أنظمة التأمين.
وترى أن أي تسوية مستدامة لهذا الملف ينبغي أن تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: تحيين التعريفة المرجعية بشكل منتظم، تحسين قيمة التعويضات التي يستفيد منها المرضى، ومراعاة خصوصية مختلف التخصصات الطبية عند تحديد كلفة الخدمات.
ويكشف الجدل الحالي في الوقت نفسه عن إشكال أوسع يتعلق بالعلاقة بين توسع التغطية الصحية وبين قدرتها الفعلية على تقليص ما يؤديه المواطن من جيبه.
فامتلاك التأمين الصحي لا يعني بالضرورة أن المريض لن يواجه مصاريف مرتفعة، إذا بقيت المبالغ التي تعتمدها صناديق التعويض بعيدة عن الأسعار المطبقة فعلياً.
وهو ما يجعل النقابة تعتبر أن الإصلاح المطلوب ينبغي أن يستهدف الفارق بين الكلفة والتعويض قبل التفكير في فرض سعر موحد قد لا يعالج سوى جانب واحد من المشكلة.
وبين دعوات تحديد الاستشارة في 150 درهما، وواقع أسعار تصل في بعض الحالات إلى 400 درهم، يبدو أن النقاش مرشح للانتقال من مجرد خلاف حول رقم إلى مراجعة أوسع لكيفية تمويل العلاج في القطاع الخاص.
فالمريض يبحث عن خدمة صحية في متناول قدرته المالية، والطبيب يطالب بتسعيرة تأخذ بعين الاعتبار كلفة الممارسة، بينما تبقى صناديق التأمين في قلب المعادلة باعتبار مستوى التعويض عاملاً حاسماً في تحديد المبلغ الذي يتحمله المواطن في النهاية.
ومن هنا، تتمسك النقابة برفضها لسقف 150 درهما باعتباره حلاً معزولاً، وتدفع في اتجاه إعادة فتح الملف بكامله، بدءاً من تعريفة مرجعية تعود إلى 2006، مروراً بقيمة التعويضات، ووصولاً إلى وضع نموذج تسعير يوازن بين الكلفة الحقيقية للعلاج وقدرة المواطنين على تحملها.
الرئيسية

















