من النمو الاقتصادي إلى أثر ملموس في حياة المواطن
المعيار الحقيقي لأي سياسة عمومية لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الاستثمارات أو المؤشرات الاقتصادية الكبرى، بل يتجسد في سؤال أكثر مباشرة: ماذا تغير فعلياً في حياة المواطن؟
وهنا تبرز ثلاث قضايا باعتبارها في صلب الانشغالات المجتمعية خلال المرحلة المقبلة: القدرة الشرائية، التشغيل، والثقة، ولا سيما ثقة الشباب في المستقبل.
فالشعار الذي اختاره حزب الاستقلال، «بلادي،مستقبلي»، يحمل دلالة تتجاوز البعد الانتخابي؛ إذ يربط مستقبل الفرد بمستقبل الوطن، ويضع التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية في إطار رؤية واحدة تجعل من نجاح المغرب شرطاً لتوسيع آفاق المواطنين.
الشباب… من الانتظار إلى صناعة المستقبل
يبقى التشغيل أحد الاختبارات الأكثر حساسية للسياسات العمومية. والتحدي، في هذا التصور، لا يقتصر على خلق مناصب شغل، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير: ألا يجد أي شاب نفسه خارج منظومة التعليم أو التكوين أو سوق العمل.
وتقوم المقاربة المقترحة على تعزيز المواكبة والانتقال من التكوين إلى الاندماج المهني، مع توفير «فرصة ثانية» لمن انقطع عن الدراسة، سواء عبر العودة إلى التعليم أو الولوج إلى التكوين المهني.
إنها مقاربة تنظر إلى الشباب باعتباره رصيداً وطنياً لا مجرد فئة تحتاج إلى الدعم؛ وإلى الاستثمار في مهاراته باعتباره استثماراً في تنافسية الاقتصاد وفي الاستقرار الاجتماعي معاً.
القدرة الشرائية… من الاستقرار إلى خفض الأسعار
أما القدرة الشرائية، فتتطلب معالجة أعمق من مجرد محاولة الحفاظ على استقرار الأسعار. ومن بين المقترحات المطروحة إنشاء شركات متخصصة في توزيع المواد الغذائية الأساسية، بهدف تقليص حلقات الوساطة والمساهمة في خفض الأسعار.
وتتصل هذه الرؤية بإجراءات أخرى تتعلق برفع الأجور والحد الأدنى للأجر، إلى جانب تخفيض الضريبة على الدخل، بما يعكس توجهاً يرمي إلى توسيع هامش الدخل المتاح للأسر وتعزيز قدرتها على مواجهة تكاليف المعيشة.
والرسالة الأساسية هنا واضحة: التنمية الاقتصادية لا تكتمل إذا لم تتحول نتائجها إلى تحسن محسوس في مستوى عيش المواطنين.
السيادة الاستراتيجية… بناء المناعة الوطنية
وفي عالم أصبحت فيه المياه والطاقة والغذاء والبيانات والصحة والصناعة عناصر أساسية من عناصر القوة الوطنية، يطرح نزار بركة تعزيز السيادة الاستراتيجية للمغرب باعتباره أولوية للمرحلة المقبلة.
فالأمن المائي والغذائي والطاقي والرقمي والصحي والصناعي لم يعد ملفات قطاعية منفصلة، بل أصبح منظومة واحدة للقدرة الوطنية على الصمود والاستقلال في القرار.
ومن هنا، فإن تعزيز الإنتاج الوطني، وتنويع مصادر الطاقة، وتأمين الموارد المائية والغذائية، وتطوير الصناعة والصحة والقدرات الرقمية، كلها مكونات لمشروع واحد: مغرب أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وأكثر استعداداً لاقتناص الفرص التي تتيحها التحولات العالمية.
الثقة… الحلقة التي تربط المواطن بالدولة
لكن التنمية، مهما بلغت مواردها، تظل ناقصة إذا لم تتحول إلى ثقة، فالرهان الحقيقي للسياسات العمومية ليس فقط تعبئة الميزانيات والبرامج، وإنما ضمان أن يشعر المواطن بأن هذه السياسات تغيرواقعه فعلاً، ومن هنا تأتي أهمية تحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة والإدارة، على أساس النجاعة والإنصات والمساءلة والنتائج.
كما أن تعزيز الجبهة الداخلية يتطلب،وفق هذا التصور، الانتقال من منطق التنافس المنعزل إلى منطق التعاون والتكامل بين مختلف القوى والمؤسسات، لأن حجم التحولات الداخلية والخارجية يجعل من تضافر الجهود أحد شروط مواجهة المرحلة المقبلة.
نحو عقد جديد بين التنمية والثقة
في المحصلة، تقدم هذه الرؤية المرحلة المقبلة باعتبارها أكثر من مجرد محطة سياسية أو انتخابية؛ إنها اختبار لقدرة المغرب على تحويل التحولات الكبرى إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات.
فالرهان يتمثل في اقتصاد أكثر صموداً، وشباب أكثر ارتباطاً بالمستقبل، وقدرة شرائية أكثر حماية، وسيادة استراتيجية أوسع، وسياسات عمومية تقاس بنتائجها لا بحجم مواردها فقط.
وفي قلب كل ذلك تقف معادلة واحدة : أن يلمس المواطن أثر التنمية، حتى تستعيد المؤسسات مزيداً من الثقة، وأن تتحول الثقة إلى طاقة جديدة لبناء مغرب أكثر توازناً وعدالة وقدرة على المنافسة. اريد صورة لهذا المقال
الرئيسية



















