وطني مستقبلي

من العرائش، نزار بركة يربط بين السيادة والقدرة الشرائية والدولة الاجتماعية


في المهرجان الخطابي الذي ترأسه نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووكيل لائحته في الدائرة المحلية للعرائش، مساء السبت 19 شتنبر 2026، بدا واضحاً أن الحزب اختار أن يجمع في خطاب واحد بين مستويين عادة ما يقدَّمان منفصلين: السيادة الوطنية من جهة، واليومي المعيشي للمواطن من جهة أخرى. اللقاء، الذي وُصف في تغطيات صحافية بأنه من بين أكبر تجمعات الحزب في الإقليم خلال هذه الحملة، جاء قبل أيام قليلة من اقتراع 23 شتنبر.



من السيادة إلى قفة الأسرة: رهان نزار بركة في العرائش

هذا الجمع بين السيادة والقدرة الشرائية ليس تفصيلاً خطابياً. إنه، في الواقع، قلب الرسالة التي أراد حزب الاستقلال تمريرها في العرائش: لا معنى لسيادة سياسية غير مسنودة بسيادة مائية وغذائية وطاقية وصناعية، ولا معنى أيضاً لسياسات اجتماعية لا تنعكس على الأسعار، والدخل، والخدمات العمومية، وفرص الشغل.

بركة أعاد شرح خلفية شعار الحملة «وطني مستقبلي»، رابطاً إياه بالرهانات الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها ملف الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي. كما شدد على أن المرحلة المقبلة، بحسب رؤيته، تحتاج إلى مؤسسات ذات مشروعية انتخابية قوية وقدرة أكبر على التفاوض والتنفيذ. وقد نقلت عدة وسائل إعلام هذا الربط بين المشاركة الانتخابية، قوة المؤسسات، وملف الحكم الذاتي.

لكن اللافت أن مفهوم السيادة، في خطاب العرائش، اتسع كثيراً. لم يعد مقتصراً على الحدود أو القرار الدبلوماسي. بركة تحدث عن الأمن المائي، والسيادة الغذائية، والسيادة الطاقية، والسيادة الصناعية والدوائية والرقمية، باعتبارها كلها عناصر في قدرة الدولة على اتخاذ القرار من دون ارتهان مفرط للخارج. هذه المحاور وردت أيضاً في تغطيات مستقلة للقاء، خصوصاً ما يتعلق بالأمن المائي وحماية السيادة الغذائية.

بهذا المعنى، يصبح الماء مسألة سيادية، ويصبح الدواء مسألة سيادية، ويصبح حتى تأمين سلاسل التوريد جزءاً من مفهوم أوسع للأمن الوطني.

القدرة الشرائية: الاختبار الأكثر مباشرة

مع ذلك، فإن السياسة تُختبر في النهاية في جيب المواطن.

بركة أقر بأن الزيادات في الأجور وتخفيف الضريبة على الدخل لا تكفي إذا التهمها ارتفاع الأسعار. وهذا اعتراف مهم سياسياً، لأنه ينقل النقاش من حجم الزيادة الاسمية في الدخل إلى القوة الشرائية الفعلية.

الحزب يقترح، وفق ما عرضه بركة، الاشتغال على أصل المشكلة: زيادة الإنتاج، تأمين مياه السقي، إعطاء أولوية أكبر للسوق الداخلية، وتقليص عدد الوسطاء عبر آليات جهوية لتوزيع المواد الغذائية الأساسية. الفكرة هي البحث عن توازن يضمن سعراً منصفاً للفلاح وسعراً مقبولاً للمستهلك. وقد برزت مسألة الغلاء والقدرة الشرائية بوضوح ضمن أولويات خطاب بركة خلال حملته في إقليم العرائش.

لكن هذا النوع من المقترحات سيحتاج، إذا انتقل من البرنامج إلى السياسة العامة، إلى تفاصيل أكثر: من يدير هذه الآليات؟ كيف يتم ضبط المنافسة؟ وكيف نتجنب أن تتحول الوساطة العمومية نفسها إلى مصدر جديد للبيروقراطية أو الريع؟

الفساد وتضارب المصالح: اقتصاد قبل أن يكون أخلاقاً

في خطاب العرائش، لم يُقدَّم الفساد فقط باعتباره انحرافاً أخلاقياً، بل أيضاً باعتباره تكلفة اقتصادية.

الفكرة التي طرحها بركة هي أن تضارب المصالح يرفع الكلفة على المواطن، ويضعف تكافؤ الفرص، ويقصي المقاولات الصغرى والمتوسطة من بعض الفرص. ومن هنا جاء التزام الحزب، كما عرضه، بإخراج إطار قانوني خاص بتضارب المصالح.

وهذه زاوية مهمة، لأن إصلاح الحكامة لا يخص فقط الثقة في المؤسسات، بل أيضاً جودة السوق. ففي اقتصاد يريد جذب الاستثمار، لا يكفي أن تكون القواعد موجودة؛ يجب أن تكون الفرص قابلة للتنافس فعلاً، وأن يكون الاستحقاق أقوى من النفوذ.

الأسرة والدعم: من المساعدة إلى الخروج من الهشاشة

الشق الاجتماعي بدوره احتل مساحة مركزية.

بركة أعاد وضع الأسرة في قلب التصور الحزبي، وتحدث عن مراجعة مؤشر الدعم الاجتماعي المباشر بما يقلل من الحالات التي قد تؤدي فيها تغيرات دخل الأبناء أو الأسرة إلى فقدان الاستفادة بشكل مفاجئ.

الأكثر أهمية هو أن الخطاب انتقل من منطق «استمرار الدعم» إلى منطق الخروج من الحاجة إلى الدعم. أي أن النجاح لا يُقاس فقط بعدد المستفيدين، بل بعدد الأسر التي تستطيع بفضل التكوين، والعمل، والمواكبة، والأنشطة المدرة للدخل، الانتقال تدريجياً إلى الاستقلال الاقتصادي.

هذا التحول في زاوية النظر مهم، لكنه أيضاً صعب التنفيذ. لأنه يتطلب ربط الدعم بالتشغيل، والتكوين، والاستثمار المحلي، لا أن يبقى مجرد تحويل مالي.

المدرسة والمستشفى: المرفق العمومي يعود إلى الواجهة

الرسالة الاجتماعية الأخرى في خطاب العرائش تتعلق بالخدمات العمومية.

في التعليم، تحدث بركة عن مراجعة المناهج وإدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في التعلم. وفي الصحة، ركز على زيادة أعداد الأطباء، تحفيزهم على البقاء في القطاع العمومي، تحسين توزيعهم بين الجهات، وتعزيز الاستجابة للمستعجلات.

الرهان هنا واضح: إذا كانت الدولة الاجتماعية قد بدأت بتوسيع الحماية، فإن المرحلة التالية هي جودة الخدمة. لأن التغطية الصحية بلا طبيب، والتعليم بلا جودة، والدعم بلا أفق اقتصادي، كلها إصلاحات ناقصة.

العرائش: البعد المحلي داخل الخطاب الوطني

من جهته، ركز عبد العالم الهنا، وصيف وكيل اللائحة، على البعد الترابي. فالإقليم، في خطابه، ليس كتلة واحدة بل مزيج من مدن ومراكز وجماعات قروية ذات احتياجات مختلفة.

تحدث عن الاستثمار، وفرص الشغل، وتثمين المؤهلات الفلاحية والبحرية والسياحية، وعن الإنصاف بين مختلف مناطق الإقليم. وهذا يعيدنا إلى سؤال جوهري: كيف يتحول البرنامج الوطني إلى سياسات محلية قابلة للقياس؟

لأن المواطن في العرائش أو القصر الكبير أو بني كرفط أو ريصانة لا يعيش «البرنامج الوطني» كوثيقة. هو يعيشه في الطريق، والمستشفى، والماء، والمدرسة، والسوق، وفرصة العمل.

وهنا ربما تكمن الخلاصة الأهم من لقاء العرائش: حزب الاستقلال حاول تقديم السيادة والعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد والخدمات العمومية باعتبارها أجزاء من مشروع واحد.

لكن الاختبار الحقيقي لأي برنامج، أياً كان صاحبه، يبدأ بعد الخطاب: الكلفة، الجدولة، الأولويات، مصادر التمويل، ومؤشرات القياس.

فالانتخابات يمكن أن تحسم بالأصوات، لكن الحكم يُقاس بالنتائج.





الاحد 20 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ


















LODJ24 TV
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...







Buy cheap website traffic