في هذا السياق، نظم تحالف الاقتصاديين الاستقلاليين لقاء خصص لعرض التوجهات الاقتصادية لحزب الاستقلال، بمشاركة عدد من قياداته وخبرائه، من بينهم رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة والمرشح للانتخابات التشريعية، وعبد اللطيف معزوز، رئيس تحالف الاقتصاديين الاستقلاليين ورئيس جهة الدار البيضاء-سطات.
وشكل اللقاء مناسبة لعرض الخطوط الكبرى لرؤية اقتصادية يضع الحزب المواطن في صلبها، من خلال الربط بين الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز الإنتاج الوطني، وحماية الطبقة الوسطى، وتقليص الهشاشة أمام الصدمات الخارجية.
السيادة لم تعد مفهوما بعيدا عن الحياة اليومية
لم يقتصر النقاش على تفاصيل البرنامج الانتخابي، بل امتد إلى قراءة التحولات التي يشهدها العالم، من التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد، إلى تحديات الطاقة والمناخ والتغير التكنولوجي المتسارع.
وفي هذا السياق، لم تعد السيادة، وفق الرؤية التي قدمها المتدخلون، مقتصرة على قضايا الدبلوماسية والدفاع، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطن.
فالسيادة بالنسبة إلى أسرة مغربية تعني أيضا القدرة على اقتناء حاجياتها الأساسية دون أن تتآكل مداخيلها تحت ضغط الأسعار، والحصول على سكن لائق، والاستفادة من مدرسة جيدة وعلاج في المتناول، والعثور على فرصة شغل تحفظ الكرامة.
وتعني كذلك أن يكون للاقتصاد الوطني قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، حتى لا تتحول كل أزمة دولية إلى ضغط مباشر على مستوى معيشة الأسر والتوازنات الداخلية.
ومن هذا المنطلق، يقدم حزب الاستقلال برنامجه للفترة 2026-2031 باعتباره تصورا أوسع لمفهوم السيادة، يبدأ من قدرة المواطن على مواجهة أعباء الحياة اليومية، ولا يتوقف عند حدود الاستقلال في القرار الاقتصادي.
القدرة الشرائية في مقدمة الأولويات
يضع الحزب حماية القدرة الشرائية في صدارة توجهاته الاقتصادية، بعد سنوات ترك فيها التضخم وارتفاع الأسعار آثارا واضحة على ميزانيات الأسر، ويقترح في هذا الإطار مجموعة من التدابير الرامية إلى تعزيز مراقبة آليات تكوين الأسعار، والحد من بعض أشكال المضاربة، وتحسين شفافية شبكات ومسالك التوزيع.
فالرهان، وفق هذا التصور، لا يتعلق فقط بضبط الأسعار، بل باستعادة قدر من الثقة لدى الأسر. فعندما ترتفع كلفة المعيشة بوتيرة أسرع من تطور المداخيل، لا يتراجع الاستهلاك فقط، بل يتراجع أيضا الشعور بالأمان الاقتصادي والثقة في المستقبل.
الطبقة الوسطى في قلب معادلة الاستقرار
يشكل دعم الطبقة الوسطى محورا ثانيا في البرنامج الاقتصادي لحزب الاستقلال، فهذه الفئة، التي شكلت لعقود أحد محركات الارتقاء الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، تواجه اليوم ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وتنامي النفقات الإلزامية المرتبطة بالصحة والتعليم والنقل وغيرها.
ويعتبر الاقتصاديون الاستقلاليون أن الحفاظ على التوازن الاجتماعي يمر بالضرورة عبر تقوية الطبقة الوسطى وحماية قدرتها على الاستهلاك والادخار والاستثمار، فالتجارب الاقتصادية تظهر أن الطبقة الوسطى ليست مجرد فئة اجتماعية، بل عنصر أساسي في دينامية الاقتصاد، لأنها تدعم الطلب الداخلي، وتمول الاستثمار من خلال الادخار، وتمنح الأفراد أملا في الارتقاء الاجتماعي.
وعندما تبدأ هذه الفئة في فقدان قدرتها على التقدم أو الحفاظ على مستوى عيشها، فإن التأثير لا يبقى اجتماعيا فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد بأكمله.
الإنتاج الوطني بوابة للسيادة الاقتصادية
يرتبط المحور الثالث بما يمكن وصفه بالسيادة الإنتاجية، أي تعزيز قدرة المغرب على إنتاج جزء أكبر مما يحتاج إليه، وتطوير سلاسل صناعية وطنية أكثر اندماجا.
ويطرح البرنامج في هذا الإطار تعزيز التصنيع المحلي، ورفع نسبة الاندماج الوطني في الصفقات العمومية، وتشجيع الابتكار، ودعم القطاعات الاستراتيجية، بما يقلص الاعتماد المفرط على الخارج.
وقد أظهرت الأزمات المتلاحقة خلال السنوات الأخيرة أن الاقتصاد الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات في المجالات الحيوية يظل أكثر عرضة للاضطرابات الدولية.
ومن هنا يمتد مفهوم السيادة ليشمل الغذاء والماء والطاقة، باعتبارها لم تعد مجرد قطاعات اقتصادية، بل مكونات أساسية للأمن والاستقرار الوطنيين.
وفي ظل الإجهاد المائي وتقلب الأسواق الدولية والتحولات التي تعرفها منظومة الطاقة العالمية، تصبح قدرة المغرب على تأمين موارده الاستراتيجية أحد الشروط الأساسية لتعزيز صموده الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
التحدي الحقيقي يبدأ عند التنفيذ
غير أن أي برنامج اقتصادي طموح يظل مرتبطا بسؤال أساسي: كيف ستتحول هذه التوجهات إلى سياسات قابلة للتنفيذ؟
فجودة التصورات وحدها لا تكفي، إذ تحتاج الإصلاحات إلى تمويل واضح، وانسجام بين مختلف السياسات العمومية، وآليات فعالة للتنفيذ والتقييم، إضافة إلى مؤشرات تسمح بقياس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين.
ومن هنا، فإن مصداقية البرنامج الاقتصادي لن تُقاس فقط بعدد التدابير المقترحة، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة في الدخل والشغل والسكن والخدمات العمومية والاستثمار.
السيادة تبدأ من البيت
في جوهره، يعيد حزب الاستقلال تعريف مفهوم السيادة من زاوية قريبة من المواطن، فهي، وفق هذا التصور، لا تبدأ عند الحدود فقط، بل داخل الأسرة المغربية: في قدرتها على حماية دخلها، وفي قوة طبقتها الوسطى، وفي توفر فرص الشغل، وفي قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وفي تأمين الماء والغذاء والطاقة.
إنها سيادة تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية.
وهنا تحديدا سيُختبر أي مشروع اقتصادي في المرحلة المقبلة: ليس فقط في قدرته على تقديم رؤية كبرى، بل في مدى تمكنه من تحسين حياة المواطنين بشكل ملموس وتعزيز ثقتهم في المستقبل
الرئيسية
















