كتاب الرأي

انتخابات نظيفة.. هل تشمل الصناديق فقط أم تمتد إلى الفضاء العام؟


قبل أن تتحول المنشورات الانتخابية إلى أوراق متناثرة فوق الأرصفة أو عالقة على الجدران وأعمدة الإنارة، تكون قد مرت بسلسلة مكلفة تبدأ من التصميم والطباعة وتنتهي بالتوزيع والتعليق. وما يبدو للوهلة الأولى مجرد مشهد موسمي مألوف خلال الانتخابات، يكشف عند العودة إلى الأرقام الرسمية عن بند مالي ثقيل يطرح سؤالا يتجاوز نظافة الشوارع إلى طريقة تدبير أموال الحملات نفسها.



بقلم : عائشة بوسكين

فخلال انتخابات مجلس النواب لسنة 2021، بلغت المصاريف التي صرحت بها الأحزاب السياسية لحملاتها الانتخابية 175,92 مليون درهم. والأكثر دلالة أن 54,13 مليون درهم منها خُصصت لطباعة الملصقات وتعليقها، أي ما يعادل 31 في المائة من مجموع مصاريف الأحزاب المصرح بها. بمعنى آخر، نحو درهم واحد من كل ثلاثة دراهم أنفقتها الأحزاب في تلك الانتخابات ذهب إلى هذا البند وحده. 

الرقم ليس تقديرا صحفيا ولا حسابا افتراضيا، بل ورد في التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للحسابات حول تمويل الحملات الانتخابية لاقتراع 8 شتنبر 2021. وهو ما يجعل النقاش حول المنشورات والملصقات أبعد من مجرد ملاحظة أن «الشوارع تتسخ خلال الانتخابات». نحن أمام أكثر من 54 مليون درهم أُنفقت على الطباعة والملصقات وتعليقها في انتخابات تشريعية واحدة فقط.
 

وتزداد أهمية هذا الرقم عندما يوضع إلى جانب طريقة تمويل الحملات. فالدولة ساهمت خلال اقتراع 2021 بنحو 157,66 مليون درهم في تمويل حملات الأحزاب لانتخابات مجلس النواب، بينما بلغت مصاريفها المصرح بها 175,92 مليون درهم، أي أن المساهمة العمومية غطت حوالي 89 في المائة من مجموع هذه المصاريف. وهذا لا يعني أن 89 في المائة من فاتورة الطباعة نفسها جاءت مباشرة من المال العام، إذ لا تسمح المعطيات المنشورة بإجراء هذا الربط بهذه البساطة، لكنه يجعل السؤال عن فعالية كل بند من بنود الإنفاق الانتخابي سؤالا يتعلق أيضا بحكامة الموارد العمومية.
 

هنا تحديدا تظهر المفارقة. فالملصق الذي يكلف مالا لإعداده وتصميمه وطباعته وتعليقه قد يؤدي وظيفته فعلا عندما يصل إلى الناخب ويقدم له معلومة أو برنامجا أو اسما سياسيا يريد التعرف إليه. لكن جزءا من المطبوعات يفقد هذه الوظيفة بسرعة كبيرة عندما يرمى في الطريق أو يتراكم بعد التجمعات أو يبقى ملتصقا بالفضاءات العامة بعد انتهاء الحملة. عندها تصبح القيمة السياسية للورقة شبه منعدمة، بينما تبقى كلفتها المالية والبيئية قائمة.
 

ولا توجد، في التقارير الرسمية التي أمكن الاطلاع عليها، إحصائية وطنية تحدد بالضبط عدد المنشورات الانتخابية التي تنتهي في الشوارع، ولا قيمة الجزء المهدور من فاتورة الطباعة، ولا المبلغ الذي تتحمله الجماعات أو شركات النظافة لإزالة مخلفات الحملات. ولذلك سيكون من المبالغة القول إن كامل الـ54,13 مليون درهم ضاع أو تحول إلى نفايات. لكن الرقم يكشف حجم الإنفاق الذي يدور حول وسيلة تواصل مادية قصيرة العمر، ويبرر التساؤل عن نسبة ما يؤدي منها وظيفة حقيقية ونسبة ما ينتهي دون أثر سياسي يذكر.
 

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينتقل إليها النقاش: ليس هل الورق مسموح أو ممنوع، بل هل هناك قياس لمردوديته؟
 

في قطاعات الاقتصاد والإشهار، أصبح من الطبيعي السؤال عن تكلفة الوصول إلى شخص واحد، وعدد الأشخاص الذين شاهدوا الرسالة، ونسبة الذين تفاعلوا معها. أما في جزء من الحملات التقليدية، فما يزال القياس يرتبط أحيانا بعدد النسخ التي طبعت ووزعت، لا بعدد الناخبين الذين قرؤوها فعليا. وبين المعيارين فارق كبير؛ لأن طباعة مائة ألف منشور لا تعني أن مائة ألف مواطن قرؤوه، تماما كما أن تعليق مئات الملصقات لا يعني أنها غيرت قرار ناخب واحد.
 

واللافت أن التشريع الانتخابي نفسه بدأ يستوعب هذا التحول. ففي أبريل 2026، رفع المرسوم المنظم لمصاريف المرشحين لانتخابات مجلس النواب سقف الإنفاق إلى 600 ألف درهم لكل مترشح، وفي الوقت نفسه أدخل تعريفا واضحا للوسائل الرقمية، ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية والتطبيقات وأدوات الذكاء الاصطناعي، وحدد للإنفاق الرقمي سقفا يصل إلى ثلث مصاريف الحملة الخاصة بكل مترشح.
 

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا : إذا كان القانون نفسه يعترف بأن الحملة الانتخابية دخلت عصر الشبكات الاجتماعية والمنصات والذكاء الاصطناعي، فهل من المنطقي أن تظل الطباعة المكثفة تحتفظ بالوزن نفسه في استراتيجيات التواصل؟
 

الجواب ليس بسيطا. فالورق لم يفقد كل وظيفته. المغرب لا يتكون فقط من مستخدمي المنصات الرقمية، والوصول إلى الناخبين يختلف بين المدن والقرى وبين الأجيال ومستويات الولوج إلى الإنترنت. كما أن الاتصال المباشر يظل جزءا أساسيا من العمل السياسي، والمنشور الذي يسلم للناخب خلال لقاء ميداني وقد يتضمن برنامجا مختصرا يمكن أن تكون له قيمة حقيقية.
 

لكن وجود مبرر لاستعمال الورق لا يبرر بالضرورة الإفراط فيه.
 

فالفرق كبير بين منشور يوزع بطريقة موجهة على مواطن مهتم، وبين أكوام من الأوراق تلقى في الشوارع أو توزع بلا تمييز لمجرد إظهار كثافة الحملة. في الحالة الأولى نحن أمام أداة تواصل؛ وفي الثانية يصبح جزء من الإنفاق أقرب إلى الاستهلاك غير المنتج، ثم تنتقل تبعاته من ميزانية الحملة إلى الفضاء العام.
 

وهناك أيضا كلفة لا تظهر في حسابات المرشحين: التنظيف. عندما تنتهي الأوراق والملصقات في الشارع، فإن الجهة التي دفعت ثمن إنتاجها ليست بالضرورة هي التي تدفع ثمن جمعها. جزء من هذه المهمة يقع في النهاية على عمال النظافة والجماعات وشركات التدبير المفوض، أي أن كلفة المادة الدعائية قد تدفع مرتين: مرة عند إنتاجها، ومرة أخرى عند إزالة مخلفاتها. لكن غياب بيانات منفصلة حول تكلفة تنظيف النفايات الانتخابية يجعل من الضروري التعامل مع هذا الجانب باعتباره كلفة محتملة وملاحظة ميدانية، لا رقما ماليا مثبتا.
 

ومن الناحية البيئية، تبدو المفارقة أوضح. فالقانون المغربي المتعلق بتدبير النفايات يجعل من تقليص إنتاج النفايات أحد أهداف السياسة العمومية في هذا المجال. وبينما تطالب المدن والسكان بتقليل النفايات وتحسين الفرز والتدوير، تنتج الحملات خلال فترة زمنية قصيرة كميات كبيرة من المواد الدعائية ذات العمر المحدود.
 

لذلك قد يكون الإصلاح الحقيقي أقل ارتباطا بمنع الورق وأكثر ارتباطا بوضع قواعد للمسؤولية. لماذا لا تُلزم كل حملة مثلا بتحديد الكميات التي تطبعها ضمن حسابها الانتخابي؟ ولماذا لا يصبح استرجاع مخلفات الدعاية بعد التجمعات جزءا من مسؤولية منظميها؟ ولماذا لا يتم نشر تفصيل أكبر لمصاريف الطباعة حتى يستطيع المواطن معرفة حجم الأموال الموجهة إلى وسيلة تنتهي صلاحيتها بمجرد انتهاء الحملة؟
 

الأهم أن النقاش هنا ليس أخلاقيا فقط، بل اقتصادي. أكثر من 54 مليون درهم أنفقتها الأحزاب على طباعة الملصقات وتعليقها في انتخابات مجلس النواب سنة 2021، مقابل 18,39 مليون درهم فقط سجلها تقرير المجلس الأعلى للحسابات ضمن مصاريف الإعلان والتواصل. الفارق يكشف الوزن الذي كانت تحتله الوسائل المادية التقليدية في بنية الإنفاق الانتخابي آنذاك.
 

وليس المطلوب أن تتحول انتخابات 2026 إلى حملة افتراضية بالكامل، ولا أن يختفي المنشور من الشارع. المطلوب هو الانتقال من منطق «كم ورقة طبعنا؟» إلى سؤال أكثر عقلانية: ماذا حققت هذه الورقة مقابل ما كلفته؟
 

فعندما تتحول ملايين الدراهم إلى أوراق لا يقرأ بعضها أحد، ثم نجد جزءا منها في اليوم التالي تحت أقدام المارة، لا يعود الأمر مجرد مشكلة نظافة. يصبح السؤال ماليا وسياسيا في آن واحد: هل أنفق المال من أجل إقناع الناخب، أم من أجل إنتاج حضور بصري كثيف ينتهي بمجرد مرور شاحنة النظافة؟
 

وفي زمن أصبح فيه الهاتف قادرا على حمل برنامج انتخابي كامل، وفيديوهات ولقاءات وبيانات يمكن تحديثها في لحظتها، فإن استمرار الورق أمر مفهوم؛ أما استمرار الهدر فليس أمرا ينبغي التعامل معه باعتباره جزءا طبيعيا من الانتخابات





الجمعة 18 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic