وتشمل المشاريع المنجزة عدداً من المناطق والأقاليم عبر المملكة، فيما تتواصل الأشغال لإنجاز 21 مشروعاً إضافياً، إلى جانب برمجة تدخلات أخرى لتوسيع شبكة الحماية من الفيضانات والحد من الأضرار التي يمكن أن تلحق بالسكان والممتلكات والبنيات التحتية.
وأعلن الوزير أن مدينة آسفي ستستفيد بدورها من برنامج خاص للحماية من الفيضانات، بعدما جرى استكمال الدراسات المرتبطة بالمشروع، على أن يتم الشروع في تنفيذه خلال سنة 2027.
ويرتبط البرنامج بالمخاطر التي تواجهها المدينة خلال فترات التساقطات القوية، خصوصاً في المناطق التي تعرف تجمعاً سريعاً للمياه أو ارتفاعاً في الصبيب.
ويهدف المشروع إلى توفير حماية أكبر للسكان والممتلكات وتقليص احتمال تكرار الأضرار التي خلفتها الفيضانات السابقة، من خلال تدخلات تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجال الحضري والمسارات التي تسلكها المياه خلال التساقطات الاستثنائية.
وأشار بركة إلى أن وضع آسفي لا يشكل حالة معزولة، إذ أصبحت خريطة مخاطر الفيضانات في المغرب نفسها تعرف تغيرات بسبب التحولات المناخية.
وأوضح أن بعض المناطق التي لم تكن تُصنف في السابق ضمن المجالات الأكثر عرضة للسيول أصبحت اليوم تواجه مخاطر أكبر، بسبب تغير طبيعة التساقطات وارتفاع
حدتها خلال فترات زمنية قصيرة.
وأكد أن المغرب عاش خلال السنوات الأخيرة سبع سنوات من الجفاف، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الضغط على الموارد المائية.
غير أن الجفاف، بحسب الوزير، لا يعني بالضرورة اختفاء مخاطر الفيضانات، إذ يمكن أن تتخلل فترات نقص التساقطات أمطار قوية ومركزة في مدة زمنية قصيرة، ما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في صبيب الأودية وحدوث سيول يصعب التحكم فيها.
ودفع هذا التحول الوزارة إلى إعداد أطلس جديد للمناطق المعرضة للفيضانات، بهدف إعادة رسم خريطة المخاطر على ضوء التغيرات التي تعرفها أنماط التساقطات والظواهر المناخية القصوى.
ومن المنتظر أن يسمح الأطلس الجديد بتحديد المدن والمراكز السكانية والمناطق القروية الأكثر عرضة للسيول، مع تحيين المعطيات السابقة التي لم تعد تعكس بالضرورة طبيعة المخاطر الحالية.
كما سيساعد في توجيه الاستثمارات العمومية نحو المناطق التي تحتاج بصورة أكبر إلى سدود أو منشآت وقائية أو تدخلات عاجلة.
وكشف بركة أن خطة الوقاية من الفيضانات ترتكز على خمسة محاور رئيسية، تبدأ بتحسين معرفة المناطق المعرضة للخطر، وتمر عبر تعزيز المنشآت المائية وتطوير وسائل الرصد والتوقع والإنذار المبكر، وصولاً إلى تحسين الحكامة والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
وتحتل السدود موقعاً أساسياً داخل هذه المنظومة، بالنظر إلى دورها في تنظيم تدفق المياه وتخزين جزء من الكميات الناتجة عن التساقطات القوية.
وتشمل السياسة المعتمدة مواصلة إنجاز السدود الكبرى والمتوسطة والصغرى والتلية، إلى جانب منشآت خاصة للحماية من الفيضانات وفق طبيعة كل منطقة.
غير أن بناء السدود وحده لا يكفي، إذ تتطلب مواجهة السيول كذلك تحسين طريقة تدبير حقينات السدود ومراقبة مستويات المياه بصورة مستمرة، خاصة عندما تشير التوقعات الجوية إلى احتمال تسجيل تساقطات قوية.
وتفرض الخصائص الطبيعية لكل حوض مائي بدورها حلولاً مختلفة، لأن سرعة جريان المياه وطبيعة التضاريس وحجم التجمعات السكانية تختلف من منطقة إلى أخرى.
وتراهن الوزارة، بالتوازي مع المنشآت المادية، على تطوير أنظمة المراقبة الآنية للتساقطات المطرية.
ويهدف هذا التوجه إلى معرفة كمية الأمطار وتوزيعها وتطورها بصورة مستمرة، وربط هذه المعطيات بمستويات المياه في الأودية والسدود، بما يساعد على توقع الحالات التي قد تتحول فيها التساقطات إلى خطر على السكان.
كما تعمل الوزارة على تعزيز منظومة الإنذار المبكر، حتى تتمكن السلطات من إشعار السكان قبل وصول الخطر إلى المناطق المهددة، واتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية في الوقت المناسب.
وتكتسي سرعة تداول المعلومة أهمية خاصة في حالات الفيضانات المفاجئة، حيث يمكن أن يكون الفارق بين إصدار التحذير في الوقت المناسب وتأخره حاسماً في حماية
الأرواح والممتلكات.
واستحضر بركة، في هذا السياق، التدابير التي تم اتخاذها بمنطقة درعة تافيلالت عقب الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أهمية الاستفادة من التجارب الميدانية لتطوير آليات التدخل ورفع مستوى التنسيق بين مختلف المؤسسات.
ولا تقتصر فعالية الإنذار المبكر على توفر أجهزة الرصد وحدها، بل تتطلب أيضاً القدرة على تحليل المعلومات وتبادلها بسرعة بين المصالح المختصة والسلطات المحلية ومختلف المتدخلين.
ويشكل التنسيق المؤسسي، لهذا السبب، أحد المحاور الأساسية في الخطة الجديدة.
فالفيضانات لا تدخل ضمن اختصاص قطاع واحد، بالنظر إلى ارتباطها بالتجهيز والماء والسلطات المحلية والتعمير والحماية المدنية والأرصاد الجوية وغيرها من المؤسسات التي تتدخل قبل وقوع الخطر وأثناءه وبعده.
وتتطلب الوقاية كذلك أخذ مخاطر الفيضانات بعين الاعتبار في التخطيط الحضري، خاصة في المناطق التي تعرف توسعاً عمرانياً سريعاً أو توجد بالقرب من الأودية والمجاري الطبيعية للمياه.
فإنجاز منشآت الحماية يمكن أن يقلل المخاطر، لكن استمرار البناء في مناطق شديدة التعرض للفيضانات قد يرفع حجم الخسائر المحتملة ويزيد كلفة التدخل مستقبلاً.
ويتجه التصور الذي عرضه وزير التجهيز والماء إلى الجمع بين المنشآت المائية والمعرفة الدقيقة بالمجال والرصد المبكر والتخطيط والتنسيق.
وتعكس حصيلة 27 مشروعاً منجزاً و21 مشروعاً في طور التنفيذ حجم الأوراش الجارية، في وقت تستعد فيه الوزارة لإطلاق تدخلات إضافية بمناطق أخرى تواجه مخاطر متزايدة.
أما آسفي، فمن المنتظر أن تدخل مرحلة جديدة من برنامج الحماية خلال سنة 2027، بعد استكمال الدراسات المتعلقة بالمشروع.
ويبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بقدرة مختلف هذه البرامج على مواكبة خريطة مناخية تتغير بسرعة، حيث أصبح المغرب مطالباً بالتعامل في الوقت نفسه مع ندرة المياه الناتجة عن الجفاف ومع خطر التساقطات القوية والفيضانات المفاجئة.
الرئيسية

















