وأشار إلى أن المغرب أصبح يواجه واقعاً مناخياً أكثر تعقيداً، يتسم بارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام التساقطات وتوالي فترات الجفاف، إلى جانب تسجيل فيضانات قوية في بعض المناطق.
وأكد الوزير أن التحدي لا يرتبط فقط بندرة المياه، بل أيضاً بعدم توازن توزيعها جغرافياً، إذ تتركز نسبة مهمة من التساقطات في مناطق محدودة، بينما تعاني مناطق أخرى ضغطاً متزايداً على المياه السطحية والجوفية.
وفي مواجهة هذا الوضع، تراهن المملكة على رفع قدرتها على تخزين المياه داخل السدود.
وتفيد المعطيات المقدمة بأن 14 سداً كبيراً توجد حالياً في طور الإنجاز، بطاقة تخزينية إجمالية تقارب 5,4 مليارات متر مكعب، إلى جانب ستة سدود متوسطة قيد الإنشاء وبرمجة ثلاثة سدود متوسطة إضافية.
وبالتوازي مع هذه الأوراش، يرتقب إطلاق 12 سداً كبيراً جديداً بطاقة تخزينية إضافية تقدر بنحو 4,9 مليارات متر مكعب.
والهدف المعلن هو رفع القدرة الإجمالية لتخزين المياه في السدود المغربية إلى حوالي 27 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031، بما يمنح البلاد هامشاً أكبر لمواجهة فترات الجفاف والتقلبات المناخية.
ولا تراهن الاستراتيجية على تخزين مياه الأمطار فقط، إذ يحتل الربط بين الأحواض المائية موقعاً أساسياً ضمن التصور الجديد.
فبعد إنجاز الشطر الأول من مشروع تحويل المياه بين حوضي سبو وأبي رقراق، يستعد المغرب للشروع في المرحلة الثانية التي ستربط حوض أبي رقراق بحوض أم الربيع.
ويهدف هذا التوجه إلى نقل جزء من الموارد المائية من الأحواض التي تعرف وفرة نسبية إلى المناطق التي تواجه خصاصاً أكبر، بما يساعد على تأمين مياه الشرب ودعم الأنشطة الفلاحية.
أما الرهان الثاني الكبير فيتعلق بتحلية مياه البحر، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة من حل تكميلي إلى عنصر رئيسي في السياسة المائية الوطنية.
وبحسب الأرقام التي عرضها بركة، ارتفعت القدرة السنوية لإنتاج المياه المحلاة من نحو 46 مليون متر مكعب سنة 2021 إلى حوالي 447 مليون متر مكعب حالياً.
وتستعد المملكة لتوسيع هذه القدرة بصورة كبيرة من خلال مشاريع جديدة تشمل عدة مناطق، من بينها الناظور والدريوش وطنجة وسوس ماسة وتيزنيت، إضافة إلى توسيع عدد من المحطات القائمة.
ومن شأن هذه المشاريع أن ترفع القدرة الإجمالية لإنتاج المياه المحلاة إلى ما يقارب 1,8 مليار متر مكعب سنوياً في أفق 2031.
ووفق الأهداف المعلنة، يفترض أن تسمح هذه الكميات بتغطية حوالي 60 في المائة من حاجيات السكان من الماء الصالح للشرب، ما سيقلل تدريجياً من الاعتماد على مياه السدود والفرشات الجوفية في تزويد المدن.
ويشكل هذا التحول تغييراً مهماً في طريقة تدبير الموارد المائية، إذ تتجه المملكة نحو تخصيص جزء أكبر من المياه التقليدية للفلاحة والأنشطة الاقتصادية، مقابل الاعتماد بصورة أوسع على مياه البحر المحلاة لتأمين حاجيات السكان.
لكن زيادة العرض المائي ليست وحدها محور الاستراتيجية الجديدة.
فالوزارة تراهن أيضاً على تقليص الهدر وتحسين كفاءة استعمال الموارد المتوفرة، خصوصاً في قطاعي الفلاحة والتوزيع الحضري.
وفي هذا الإطار، تتواصل عملية توسيع المساحات المسقية بتقنيات السقي بالتنقيط، بالتوازي مع تحسين مردودية شبكات توزيع الماء الصالح للشرب وشبكات الري.
كما تشمل الخطة رفع حجم المياه العادمة المعالجة وإعادة استخدامها، خاصة في سقي المساحات الخضراء وبعض الأنشطة التي لا تتطلب استعمال المياه الصالحة للشرب.
وفي الوقت نفسه، يظل وضع الفرشات المائية من أكثر الملفات حساسية، بالنظر إلى الاستغلال المفرط الذي عرفته بعض المناطق خلال سنوات الجفاف.
ولهذا تتضمن الاستراتيجية إجراءات لحماية المياه الجوفية وتنظيم استغلالها، بهدف الحد من الانخفاض المستمر في مستويات عدد من الفرشات.
وتدخل التكنولوجيا بدورها ضمن الأدوات الجديدة لتدبير الماء.
فقد أعلن بركة عن التوجه نحو توسيع استعمال الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتحسين مراقبة الموارد المائية، وتوقع الاحتياجات، وتتبع الشبكات والمنشآت بصورة أكثر دقة.
ولا تنفصل السياسة المائية الجديدة عن القطاع الفلاحي، إذ يطرح الوضع الحالي ضرورة ملاءمة الزراعات مع الإمكانيات المائية المتوفرة في كل منطقة.
فاستمرار بعض الأنشطة الزراعية المستهلكة لكميات كبيرة من المياه داخل مناطق تعرف ضغطاً على الفرشات الجوفية يفرض، وفق التوجه الجديد، إعادة النظر في طريقة استعمال الماء وربط الاختيارات الفلاحية بالقدرة الحقيقية لكل حوض مائي.
كما تشمل الاستراتيجية جانباً متعلقاً بالوقاية من الفيضانات، من خلال تحسين معرفة المناطق المهددة وتطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر وتعزيز المنشآت المخصصة للتحكم في تدفقات المياه.
وبذلك، تنتقل السياسة المائية من التركيز على معالجة الخصاص بعد حدوثه إلى محاولة توقع المخاطر والتعامل معها بصورة استباقية.
ويكشف حجم المشاريع المبرمجة إلى غاية 2031 أن المغرب يتجه إلى بناء نموذج مائي أكثر تنوعاً، لا يعتمد على مصدر واحد.
فالسدود ستبقى جزءاً أساسياً من المنظومة، لكن إلى جانبها ستتوسع التحلية والربط بين الأحواض وإعادة استعمال المياه المعالجة وحماية المياه الجوفية.
ويبقى الرهان الأكبر في السنوات المقبلة مرتبطاً بسرعة إنجاز هذه المشاريع وقدرتها على مواكبة ارتفاع الطلب على الماء، في ظل واقع مناخي أصبح أكثر تقلباً وصعوبة في التوقع
الرئيسية

















