وتضع هذه الأرقام ملف الهجرة غير النظامية مجدداً ضمن أبرز التحديات المرتبطة بتدبير الحدود، خاصة في ظل استمرار تدفقات المهاجرين وتطور طرق عمل الشبكات الإجرامية التي لم تعد تعتمد فقط على الوسطاء التقليديين، بل انتقلت بشكل متزايد إلى المنصات الرقمية.
وبحسب التقرير، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري والمجموعات المشفرة جزءاً أساسياً من آليات الاستقطاب والتنسيق التي تستعملها شبكات تهريب المهاجرين.
وتستفيد هذه الشبكات من سرعة تداول المعلومات وإمكانية التواصل مع عدد كبير من الأشخاص في وقت قصير، إلى جانب صعوبة تحديد هوية بعض القائمين على الحسابات والمجموعات المستخدمة في تنظيم عمليات العبور.
ويجعل هذا التحول الرقمي مهمة السلطات أكثر تعقيداً، إذ لم تعد مواجهة شبكات التهريب تقتصر على مراقبة الحدود أو تفكيك التنظيمات الموجودة على الأرض، بل أصبحت تشمل كذلك تتبع النشاط الرقمي الذي يسبق بعض محاولات الهجرة.
كما نبهت وزارة الداخلية إلى استغلال معلومات وتأويلات غير دقيقة مرتبطة بقرارات قضائية إسبانية حول الإعادة الفورية، من أجل إقناع بعض المهاجرين بإمكانية العبور أو الإفلات من إجراءات الإعادة.
وأشار التقرير في هذا السياق إلى الأحداث التي شهدها شمال المملكة خلال شهر يوليوز 2026، موضحاً أن تداول معلومات مضللة بشأن إمكانية الوصول إلى الضفة الأخرى ساهم في تشجيع محاولات عبور فردية وجماعية، بما في ذلك محاولات عن طريق السباحة.
وتكشف هذه المعطيات عن الدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المعلومات المتداولة عبر الإنترنت في توجيه قرارات بعض المهاجرين، خاصة عندما يتم تقديمها على أنها معلومات مؤكدة أو فرص جديدة للعبور.
وترتبط الضغوط التي تواجهها المملكة في هذا المجال أيضاً بموقعها الجغرافي، باعتبارها إحدى أقرب نقاط العبور بين القارتين الإفريقية والأوروبية.
وتقول وزارة الداخلية إن استمرار تدفقات المهاجرين، خاصة القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها النزاعات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمخاطر المناخية والبيئية.
وأدت هذه التحولات، بحسب التقرير، إلى تغير موقع المغرب داخل دينامية الهجرة، إذ لم يعد فقط بلداً للعبور نحو أوروبا، بل أصبح في الوقت نفسه بلد منشأ وعبور واستقرار لعدد من المهاجرين.
ويفرض هذا الواقع تحديات متعددة، تجمع بين تشديد مراقبة الحدود ومحاربة شبكات التهريب، من جهة، وحماية المهاجرين وتوفير المساعدة الإنسانية لهم من جهة أخرى.
وتأتي حصيلة الأشهر الثمانية الأولى من 2026 بعد سنة سجلت بدورها أرقاماً مرتفعة في مجال الهجرة غير النظامية.
فخلال سنة 2025، أحبطت السلطات المغربية 73 ألفاً و740 محاولة للهجرة غير النظامية، كما تمكنت من تفكيك 300 شبكة إجرامية متخصصة في تهريب المهاجرين.
وشملت التدخلات خلال السنة نفسها إنقاذ 13 ألفاً و595 مهاجراً أثناء محاولتهم العبور بحراً، وهو ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بالطرق البحرية التي تستخدم في محاولات الوصول إلى أوروبا.
ولا تقتصر المقاربة المغربية، وفق التقرير، على التدخل الأمني ومراقبة الحدود.
فخلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، استفاد 4185 مهاجراً من برامج العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية.
ومن بين هؤلاء، عاد 2140 مهاجراً في إطار عمليات تم تنفيذها بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة.
وفي سنة 2025، بلغ عدد المستفيدين من برامج العودة الطوعية 4372 شخصاً، من بينهم 2808 مهاجرين استفادوا من العودة بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة.
وتعتمد هذه البرامج على مساعدة المهاجرين الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية بشكل طوعي، بالتنسيق مع البعثات الدبلوماسية للدول المعنية والمنظمات الدولية المتخصصة.
وترى السلطات أن هذا المسار يشكل جزءاً من المقاربة الإنسانية لملف الهجرة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يوجدون في أوضاع هشة أو الذين أصبحوا عرضة للاستغلال من قبل شبكات تهريب البشر.
في المقابل، تواصل السلطات تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.
وشمل هذا التعاون عدداً من الشركاء الأوروبيين والدوليين، سواء في مجال تبادل المعلومات أو تكوين العناصر المكلفة بمراقبة الحدود أو توفير التجهيزات التقنية.
ومن بين المعدات التي شملها التعاون تجهيزات للرصد والمراقبة والاتصال والتشخيص والنقل، إلى جانب تنظيم زيارات وبرامج لتبادل الخبرات حول إدارة الحدود والتعامل مع شبكات تهريب المهاجرين.
كما أشار التقرير إلى استمرار التعاون مع الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، والمنظمة الدولية للهجرة، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة.
وعلى المستوى الثنائي، واصلت المملكة التنسيق مع عدد من الدول الأوروبية والإفريقية في الملفات المرتبطة بالهجرة.
وشملت الاجتماعات خلال سنة 2026 كلاً من إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وسويسرا، إلى جانب استمرار التعاون مع موريتانيا في ملفات مراقبة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والعودة الطوعية.
كما استقبل المغرب وفداً موريتانياً للاطلاع على تجربته في تدبير الحدود، خاصة في ما يتعلق بالجمع بين الجوانب الأمنية والإنسانية.
ولا تنفصل التدابير الحالية عن التحول الذي عرفته سياسة الهجرة بالمملكة منذ سنة 2013، مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء.
فقد شهد المغرب في سنتي 2014 و2016 عمليتين لتسوية أوضاع المهاجرين، استفاد منهما نحو 50 ألف شخص.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن مقاربة تهدف إلى تسهيل إدماج المهاجرين الموجودين في وضعية قانونية وتمكينهم من الولوج إلى عدد من الخدمات الأساسية.
وتؤكد وزارة الداخلية أن السياسة المعتمدة في هذا الملف تقوم على الجمع بين عدة مستويات، تبدأ بمراقبة الحدود والتصدي لشبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتمتد إلى حماية حقوق المهاجرين وتشجيع الإدماج والعودة الطوعية والتعاون مع بلدان المنشأ والعبور والاستقبال.
الرئيسية

















