وطني مستقبلي

بالدار البيضاء.. رياض مزور يضع تضارب المصالح و«باك صاحبي» في صلب النقاش الاقتصادي


لم يكن اللقاء الذي نظمه تحالف الاقتصاديين الاستقلاليين، مساء الثلاثاء 15 شتنبر بفندق «حياة ريجنسي» في الدار البيضاء، مجرد مناسبة لتقديم الخطوط العريضة للبرنامج الاقتصادي للحزب. فالنقاش اتجه سريعا نحو ملفات أكثر حساسية، من تضارب المصالح والمحسوبية والوسطاء والريع والفساد، إلى القدرة الشرائية وتخزين المنتجات الطاقية. وهي ملفات جمعها رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة والمرشح للانتخابات التشريعية، تحت سؤال واحد: كيف يمكن بناء اقتصاد تنافسي إذا لم تكن قواعد اللعبة متساوية بالنسبة إلى الجميع



بحضور أطر حزبية واقتصاديين ومقاولين ومناضلين، عرض عبد اللطيف معزوز ورياض مزور، في نقاش أدار جوانب منه زكرياء كرتي، أبرز التوجهات الاقتصادية لحزب الاستقلال. غير أن مزور اختار منذ البداية الابتعاد عن الخطاب الانتخابي التقليدي، مركزا على كيفية اشتغال الأسواق، ودور الوسطاء، والجباية، والتخزين، قبل أن يستحضر التعبير المغربي المعروف «باك صاحبي» للدلالة على منطق المحاباة والامتياز القائم على العلاقات، والذي اعتبره عاملا يضعف الثقة ويعرقل التنمية.


تضارب المصالح.. الحكامة جزء من التنافسية
 

أكد مزور أن حزب الاستقلال يريد الدفع نحو إقرار إطار قانوني واضح ينظم حالات تضارب المصالح إذا قاد الأغلبية المقبلة. وأقر بأن الحزب لم يتمكن خلال الولاية الحكومية الحالية من إخراج هذا الورش إلى حيز التنفيذ، رغم محاولاته، بسبب عدم التوصل إلى توافق مع باقي مكونات الأغلبية.
 

واللافت في هذا الطرح أن الحكامة قُدمت باعتبارها قضية اقتصادية وليست فقط مسألة أخلاقية أو مؤسساتية. فالمستثمر قد يقبل مخاطر السوق وتقلباتها، لكنه يصبح أكثر ترددا عندما يشعر بأن القواعد يمكن تجاوزها عبر العلاقات أو النفوذ.
 

وفي الوقت نفسه، حرص مزور على عدم تقديم موقفه باعتباره تموقعا معارضا من داخل الأغلبية الحكومية، رافضا منطق «رجل في الأغلبية وأخرى في المعارضة». وبحسب طرحه، فإن الحزب لم ينجح ببساطة في إقناع شركائه ببعض المقترحات، وهي نقطة تكتسب دلالة سياسية خاصة قبل أيام قليلة من موعد الاقتراع.
 

القدرة الشرائية.. الوسطاء في دائرة النقاش
 

شكلت القدرة الشرائية المحور الثاني البارز في اللقاء، خصوصا في علاقتها بدور الوسطاء بين المنتج والمستهلك.


وكان حزب الاستقلال قد طرح، في أكثر من مناسبة، فكرة إحداث شركات جهوية للتوزيع يمكن أن تتدخل عندما تصبح الفوارق بين أسعار الإنتاج والبيع للمستهلك مرتفعة بشكل غير مبرر. وفي الدار البيضاء، تناول مزور المسألة من زاوية تتعلق ببنية السوق وآليات المنافسة.


وبحسبه، فإن بعض الفاعلين قد يتمكنون من السيطرة على أجزاء واسعة من السلسلة الغذائية، من الإنتاج إلى التوزيع، دون الخضوع بشكل كامل للآليات المعتادة للاقتصاد المنظم، وهو ما قد يجعل أدوات ضبط المنافسة وحدها غير كافية في بعض الحالات.


ومن هنا يأتي مقترح الشركات الجهوية، إلى جانب إمكانية اللجوء إلى دعم عمومي مشروط، بما يفتح سؤالا أساسيا حول حدود تدخل الدولة في السوق.


ويتبنى مزور، وفق ما عرضه خلال اللقاء، مبدأ تدخل الدولة عندما تسمح القوة المالية لبعض الفاعلين بالتأثير في قواعد السوق أو عندما تصبح القدرة الشرائية للمواطنين مهددة. فالمنافسة، في هذا التصور، تظل الأصل، لكن الدولة ينبغي أن تحتفظ بأدوات للتدخل عندما تتعرض السوق للاختلال أو التركّز المفرط.
 

الريع والفساد.. كلفة اقتصادية قبل أن يكونا قضية أخلاقية
 

عاد النقاش بعد ذلك إلى ملفي الريع والفساد، لكن هذه المرة بلغة اقتصادية مباشرة.
 

فبحسب مزور، يمكن للمصالح الراسخة أن تبحث عن شبكات وعلاقات تحمي مواقعها، وهو ما يؤثر في تكافؤ الفرص داخل السوق. وعندما يصبح الولوج إلى الفرص الاقتصادية مرتبطا بالعلاقات أكثر من الكفاءة والقدرة التنافسية، تتراجع المنافسة ويتردد المستثمر وتتآكل الثقة.
 

ومن هذه الزاوية، لا تصبح ظاهرة «باك صاحبي» مجرد مسألة تتعلق بالإنصاف، بل تتحول إلى عبء اقتصادي يمكن أن يكلف البلاد فرصا في الاستثمار والنمو والإنتاجية.
 

فالربط بين الفساد والمنافسة والاستثمار أعطى للقاء نبرة مختلفة عن الخطابات الانتخابية المعتادة التي تكتفي غالبا بتقديم مكافحة الفساد كالتزام أخلاقي عام.
 

الطاقة.. التخزين قبل الاضطرار إلى الاستيراد تحت الضغط
 

انتقل وزير الصناعة والتجارة بعد ذلك إلى ملف أكثر تقنية، لكنه لا يقل أهمية من الناحية الاستراتيجية: تخزين المنتجات الطاقية.


وفي ظل التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، يرى مزور أن تعزيز قدرات التخزين يشكل نوعا من التأمين الاقتصادي، يسمح للمغرب بتقليص مخاطر اللجوء إلى الاستيراد بشكل عاجل وفي ظروف أسعار غير مواتية.


وأشار في هذا السياق إلى ميناء الناظور غرب المتوسط والبنيات التحتية القادرة على رفع القدرات الوطنية في مجال التخزين.


ولا يتوقف الطموح، وفق هذا التصور، عند ضمان أمن الإمدادات، بل يمتد إلى جعل المغرب منصة جذابة للمنتجين الدوليين الراغبين في تخزين منتجاتهم بالقرب من الأسواق الإفريقية والأوروبية.


وهو توجه ينسجم مع رهان اقتصادي أوسع يقوم على تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى ميزة لوجستية واستراتيجية.


حتى التعليم الخصوصي دخل معادلة القدرة الشرائية


لم يغب التعليم الخصوصي عن النقاش الاقتصادي، إذ أوضح مزور أن حزب الاستقلال يدافع عن وضع إطار أكثر وضوحا لتكلفة المسار الدراسي في المؤسسات الخاصة، إلى جانب التفكير في آليات جبائية يمكن أن تخفف العبء عن الطبقة الوسطى.


ويعكس هذا الطرح اتساع مفهوم القدرة الشرائية، الذي لم يعد مرتبطا فقط بسعر المواد الغذائية، بل أصبح يشمل مجموع النفقات التي تجد الأسر نفسها ملزمة بتحملها، من السكن والغذاء والطاقة إلى الصحة والتعليم.


فجزء كبير من الضغط الذي تشعر به الطبقة الوسطى لا يأتي من سلعة واحدة، بل من تراكم نفقات يصعب الاستغناء عنها أو تقليصها.


حين يغادر البرنامج دائرة الشعارات


ما ميز اللقاء في الدار البيضاء لم يكن إعلان إجراء واحد بقدر ما كان محاولة جمع ملفات تبدو، في الظاهر، متفرقة: تضارب المصالح، والمحسوبية، والقدرة الشرائية، والوسطاء، والريع، والفساد، وتخزين الطاقة، والجباية المرتبطة بالطبقة الوسطى.


والقاسم المشترك بينها جميعا هو الثقة في قواعد الاقتصاد: هل تطبق القواعد نفسها على الجميع؟ وهل تستطيع الدولة التدخل عندما تختل المنافسة؟ وهل يمكن للمواطن والمستثمر أن يتعاملا مع سوق لا تتحكم فيها الامتيازات والعلاقات؟


لكن السؤال الأصعب يظل مرتبطا بالتنفيذ.


فإحداث شركات جهوية للتوزيع يحتاج إلى نموذج حكامة وتمويل واضح وعلاقة دقيقة مع القطاع الخاص. وتأطير تضارب المصالح يحتاج إلى قانون وآليات مراقبة قابلة للتطبيق. وتخفيف العبء الجبائي عن الأسر يتطلب تحديد كلفته على المالية العمومية. أما توسيع قدرات التخزين الطاقي فيحتاج إلى استثمارات كبيرة ورؤية صناعية طويلة المدى.


في الدار البيضاء، لم يحصر رياض مزور حديثه في كيفية تسريع النمو الاقتصادي، بل حاول تقديم فكرة أوسع: قبل مطالبة الاقتصاد المغربي بالتحرك بسرعة أكبر، ينبغي أولا التأكد من أن قواعد اللعبة واضحة ومشتركة وتطبق على الجميع


Aicha Bouskine
عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال، باحثة في العلوم السياسية وصانعة محتوى في إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 17 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ


















LODJ24 TV
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...







Buy cheap website traffic