لم يكن اختيار فاس للمناسبة مجرد اختيار مكاني. فالمدينة التي ارتبط اسمها بتاريخ الحركة الوطنية، والتي كان لها حضور بارز في مسار الكفاح من أجل الاستقلال، تحولت خلال هذا اللقاء إلى فضاء لاستحضار الماضي وطرح أسئلة المستقبل. وبين ذاكرة علال الفاسي وأجيال الوطنيين والاستقلاليين، حاول الخطاب السياسي أن يمنح الإرث التاريخي معنى جديداً، يجعل من الوفاء للماضي مسؤولية تجاه تحديات الحاضر.
ومن هذا المنطلق، قدم نزار بركة تصوراً يعتبر أن معركة الاستقلال، بمعناها التاريخي، لا تنتهي عند استرجاع السيادة الوطنية، وإنما تجد امتدادها اليوم في معارك اجتماعية واقتصادية جديدة؛ من الفقر والهشاشة إلى السكن والتعليم والصحة، ومن ضعف القدرة الشرائية إلى الحاجة إلى خلق فرص حقيقية للشغل والتمكين الاقتصادي.
من تحرير الوطن إلى تحرير الأسر من الهشاشة
كان الجانب الاجتماعي حاضراً بقوة في خطاب الأمين العام لحزب الاستقلال، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه الأسر المغربية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، توقف بركة عند إحدى أبرز الإشكالات المرتبطة بالأسعار، والمتمثلة في المسافة الكبيرة بين ما يحصل عليه الفلاح مقابل منتوجه وما يدفعه المستهلك في السوق. ومن أجل معالجة هذه الحلقة، طرح فكرة إحداث شركات للتوزيع تقتني المنتجات مباشرة من الفلاحين، قبل إيصالها إلى المستهلك بأسعار أكثر ملاءمة.
الفكرة، في جوهرها، تقوم على محاولة إعادة ترتيب العلاقة داخل سلسلة الإنتاج والتوزيع، بما يسمح بتحسين دخل المنتج من جهة، وتقليص كلفة المنتوج على المواطن من جهة أخرى.
وفي السياق نفسه، شدد بركة على ضرورة تنظيم تصدير المنتجات الفلاحية بطريقة تراعي أولاً حاجيات السوق الوطنية، بما يحمي الأمن الغذائي ويحد من الضغوط التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، على أن يتم توجيه الفائض نحو الأسواق الخارجية.
الدعم الاجتماعي.. من الإعانة إلى التمكين
ولم يقتصر الطرح الاجتماعي على القدرة الشرائية، بل امتد إلى منظومة الدعم الاجتماعي المباشر. فقد دعا الأمين العام لحزب الاستقلال إلى مراجعة المؤشر المعتمد لتحديد الأسر المستفيدة، بما يمنع سقوط بعض الأسر من منظومة الدعم بسبب تغيرات محدودة أو لأسباب شكلية.
ومن بين النقاط التي أثارها، وضعية الأسر التي يلتحق أحد أبنائها بسوق الشغل، إذ اعتبر أن حصول الابن على دخل لا ينبغي أن يؤدي بصورة آلية إلى حرمان الوالدين من الدعم، خصوصاً إذا كان ذلك قد يدفع الشباب إلى تجنب العمل المصرح به.
لكن التصور الذي قدمه بركة لا يقف عند حدود الدعم المالي. فالمقاربة المقترحة تقوم على مرافقة الأسر وتكوين النساء والشباب، ومساعدتهم على تطوير منتجاتهم وتسويقها والاستفادة من المنصات الرقمية، بما يجعل الدعم جسراً نحو الاستقلال الاقتصادي بدل أن يتحول إلى وضع دائم.
وفي هذا الإطار، جدد التزام الحزب بجعل القضاء النهائي على الفقر خلال خمس سنوات هدفاً قابلاً للتحقق، انطلاقاً من مبادئ التعادلية الاقتصادية والاجتماعية وتكافؤ الفرص.
فاس.. من عاصمة للذاكرة إلى قطب جديد للاقتصاد
أما فاس، فبدت في الخطاب الاستقلالي أكثر من مجرد محطة انتخابية. فقد ربط نزار بركة مستقبل المدينة بقدرتها على استعادة جاذبيتها الاقتصادية، عبر إعادة الثقة إلى المستثمرين وخلق فرص شغل حقيقية، والاستفادة من موقعها الاستراتيجي الذي يؤهلها لتكون نقطة التقاء بين مختلف جهات المملكة.
وفي هذا السياق، تشكل الاستعدادات المرتبطة باحتضان فاس لمباريات ضمن نهائيات كأس العالم 2030 فرصة لتسريع عدد من مشاريع البنية التحتية والخدمات. غير أن الرهان، وفق التصور المطروح، لا ينبغي أن ينتهي مع صافرة آخر مباراة، بل أن تتحول هذه الاستثمارات إلى رصيد تنموي دائم يخدم المدينة وساكنتها على المدى البعيد.
لكن الرهان الأكثر إثارة للاهتمام جاء من بوابة الاقتصاد الرقمي. ففاس، التي راكمت تاريخياً حضوراً في الفلاحة والعلم والصناعة التقليدية والسياحة، مدعوة اليوم، وفق بركة، إلى إضافة عنوان جديد إلى هويتها الاقتصادية: الذكاء الاصطناعي والرقمنة.
إنها محاولة لإعادة تعريف موقع المدينة في الاقتصاد الجديد، ومنح شبابها فرصاً لبناء مشاريع مبتكرة داخل الجهة، بدل أن تتحول الهجرة نحو المدن الكبرى إلى الخيار الوحيد أمام الباحثين عن العمل والتكوين.
الأسرة.. قضية اجتماعية تتجاوز الأرقام
ومن الاقتصاد إلى المجتمع، احتلت الأسرة مكانة بارزة في الخطاب، في ظل ما وصفه بركة بتحولات مقلقة مرتبطة بتراجع الإقبال على الزواج، وانخفاض عدد الولادات، وارتفاع نسب الطلاق.
ولم يتعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها مجرد أرقام ديمغرافية، وإنما باعتبارها تحولات تستدعي سياسة عمومية أكثر شمولاً. وفي هذا الإطار، اقترح إطلاق برنامج جهوي لدعم الأسرة، يقوم على تعزيز الوساطة الأسرية داخل المحاكم، وإشراك العدول في التوعية، وتكوين المقبلين على الزواج بشأن حقوقهم وواجباتهم، إلى جانب دعم مالي موجه للشباب المقبلين على الزواج ممن تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة.
ويرتبط هذا التصور، وفق الخطاب نفسه، برؤية أوسع للأسرة باعتبارها إحدى ركائز التماسك الاجتماعي، مع التشديد على حماية الطفولة وتقوية الصلة بين الأجيال وترسيخ قيم التضامن والاحترام والمسؤولية والعمل والابتكار.
فاس تختبر شعار «وطني.. مستقبلي»
في ختام اللقاء، عاد نزار بركة إلى الشعار الذي اختاره حزب الاستقلال لحملته الانتخابية: «وطني.. مستقبلي»، لكن الدلالة التي حملها الخطاب في فاس بدت مرتبطة بفكرة أوسع: أن يكون المستقبل مشروعاً يُبنى داخل الوطن، وليس حلماً يستدعي بالضرورة مغادرته.
ومن هنا، بدا الرهان المطروح أمام فاس مزدوجاً: الحفاظ على مكانتها كمدينة تحمل ذاكرة وطنية عميقة، وفي الوقت نفسه تحويل هذه الذاكرة إلى طاقة لبناء اقتصاد جديد، أكثر قدرة على خلق فرص الشغل واستيعاب طموحات الأجيال الصاعدة.
لقد حاول اللقاء، في مجمله، أن يربط بين زمنين: زمن النضال من أجل تحرير الوطن، وزمن آخر عنوانه التحرر من الفقر والهشاشة والتهميش. وبينهما تتغير الأدوات والتحديات، لكن الفكرة المركزية تظل واحدة: أن قيمة الاستقلال تُقاس أيضاً بقدرة المواطن على أن يعيش بكرامة، وأن يجد تعليماً جيداً، وصحة في المستوى، وفرصة للعمل، وإمكاناً حقيقياً لبناء مستقبله داخل بلده.
ومن فاس، المدينة التي صنعت جزءاً من ذاكرة المغرب الحديث، اختار حزب الاستقلال أن يضع هذه المعادلة في قلب خطابه الانتخابي: وطن يستند إلى تاريخه، لكنه لا يعيش فيه، وشباب لا يُطلب منه فقط أن يرث الذاكرة، بل أن يشارك في صناعة المستقبل.
وطني.. مستقبلي.
ومن هذا المنطلق، قدم نزار بركة تصوراً يعتبر أن معركة الاستقلال، بمعناها التاريخي، لا تنتهي عند استرجاع السيادة الوطنية، وإنما تجد امتدادها اليوم في معارك اجتماعية واقتصادية جديدة؛ من الفقر والهشاشة إلى السكن والتعليم والصحة، ومن ضعف القدرة الشرائية إلى الحاجة إلى خلق فرص حقيقية للشغل والتمكين الاقتصادي.
من تحرير الوطن إلى تحرير الأسر من الهشاشة
كان الجانب الاجتماعي حاضراً بقوة في خطاب الأمين العام لحزب الاستقلال، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه الأسر المغربية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، توقف بركة عند إحدى أبرز الإشكالات المرتبطة بالأسعار، والمتمثلة في المسافة الكبيرة بين ما يحصل عليه الفلاح مقابل منتوجه وما يدفعه المستهلك في السوق. ومن أجل معالجة هذه الحلقة، طرح فكرة إحداث شركات للتوزيع تقتني المنتجات مباشرة من الفلاحين، قبل إيصالها إلى المستهلك بأسعار أكثر ملاءمة.
الفكرة، في جوهرها، تقوم على محاولة إعادة ترتيب العلاقة داخل سلسلة الإنتاج والتوزيع، بما يسمح بتحسين دخل المنتج من جهة، وتقليص كلفة المنتوج على المواطن من جهة أخرى.
وفي السياق نفسه، شدد بركة على ضرورة تنظيم تصدير المنتجات الفلاحية بطريقة تراعي أولاً حاجيات السوق الوطنية، بما يحمي الأمن الغذائي ويحد من الضغوط التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، على أن يتم توجيه الفائض نحو الأسواق الخارجية.
الدعم الاجتماعي.. من الإعانة إلى التمكين
ولم يقتصر الطرح الاجتماعي على القدرة الشرائية، بل امتد إلى منظومة الدعم الاجتماعي المباشر. فقد دعا الأمين العام لحزب الاستقلال إلى مراجعة المؤشر المعتمد لتحديد الأسر المستفيدة، بما يمنع سقوط بعض الأسر من منظومة الدعم بسبب تغيرات محدودة أو لأسباب شكلية.
ومن بين النقاط التي أثارها، وضعية الأسر التي يلتحق أحد أبنائها بسوق الشغل، إذ اعتبر أن حصول الابن على دخل لا ينبغي أن يؤدي بصورة آلية إلى حرمان الوالدين من الدعم، خصوصاً إذا كان ذلك قد يدفع الشباب إلى تجنب العمل المصرح به.
لكن التصور الذي قدمه بركة لا يقف عند حدود الدعم المالي. فالمقاربة المقترحة تقوم على مرافقة الأسر وتكوين النساء والشباب، ومساعدتهم على تطوير منتجاتهم وتسويقها والاستفادة من المنصات الرقمية، بما يجعل الدعم جسراً نحو الاستقلال الاقتصادي بدل أن يتحول إلى وضع دائم.
وفي هذا الإطار، جدد التزام الحزب بجعل القضاء النهائي على الفقر خلال خمس سنوات هدفاً قابلاً للتحقق، انطلاقاً من مبادئ التعادلية الاقتصادية والاجتماعية وتكافؤ الفرص.
فاس.. من عاصمة للذاكرة إلى قطب جديد للاقتصاد
أما فاس، فبدت في الخطاب الاستقلالي أكثر من مجرد محطة انتخابية. فقد ربط نزار بركة مستقبل المدينة بقدرتها على استعادة جاذبيتها الاقتصادية، عبر إعادة الثقة إلى المستثمرين وخلق فرص شغل حقيقية، والاستفادة من موقعها الاستراتيجي الذي يؤهلها لتكون نقطة التقاء بين مختلف جهات المملكة.
وفي هذا السياق، تشكل الاستعدادات المرتبطة باحتضان فاس لمباريات ضمن نهائيات كأس العالم 2030 فرصة لتسريع عدد من مشاريع البنية التحتية والخدمات. غير أن الرهان، وفق التصور المطروح، لا ينبغي أن ينتهي مع صافرة آخر مباراة، بل أن تتحول هذه الاستثمارات إلى رصيد تنموي دائم يخدم المدينة وساكنتها على المدى البعيد.
لكن الرهان الأكثر إثارة للاهتمام جاء من بوابة الاقتصاد الرقمي. ففاس، التي راكمت تاريخياً حضوراً في الفلاحة والعلم والصناعة التقليدية والسياحة، مدعوة اليوم، وفق بركة، إلى إضافة عنوان جديد إلى هويتها الاقتصادية: الذكاء الاصطناعي والرقمنة.
إنها محاولة لإعادة تعريف موقع المدينة في الاقتصاد الجديد، ومنح شبابها فرصاً لبناء مشاريع مبتكرة داخل الجهة، بدل أن تتحول الهجرة نحو المدن الكبرى إلى الخيار الوحيد أمام الباحثين عن العمل والتكوين.
الأسرة.. قضية اجتماعية تتجاوز الأرقام
ومن الاقتصاد إلى المجتمع، احتلت الأسرة مكانة بارزة في الخطاب، في ظل ما وصفه بركة بتحولات مقلقة مرتبطة بتراجع الإقبال على الزواج، وانخفاض عدد الولادات، وارتفاع نسب الطلاق.
ولم يتعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها مجرد أرقام ديمغرافية، وإنما باعتبارها تحولات تستدعي سياسة عمومية أكثر شمولاً. وفي هذا الإطار، اقترح إطلاق برنامج جهوي لدعم الأسرة، يقوم على تعزيز الوساطة الأسرية داخل المحاكم، وإشراك العدول في التوعية، وتكوين المقبلين على الزواج بشأن حقوقهم وواجباتهم، إلى جانب دعم مالي موجه للشباب المقبلين على الزواج ممن تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة.
ويرتبط هذا التصور، وفق الخطاب نفسه، برؤية أوسع للأسرة باعتبارها إحدى ركائز التماسك الاجتماعي، مع التشديد على حماية الطفولة وتقوية الصلة بين الأجيال وترسيخ قيم التضامن والاحترام والمسؤولية والعمل والابتكار.
فاس تختبر شعار «وطني.. مستقبلي»
في ختام اللقاء، عاد نزار بركة إلى الشعار الذي اختاره حزب الاستقلال لحملته الانتخابية: «وطني.. مستقبلي»، لكن الدلالة التي حملها الخطاب في فاس بدت مرتبطة بفكرة أوسع: أن يكون المستقبل مشروعاً يُبنى داخل الوطن، وليس حلماً يستدعي بالضرورة مغادرته.
ومن هنا، بدا الرهان المطروح أمام فاس مزدوجاً: الحفاظ على مكانتها كمدينة تحمل ذاكرة وطنية عميقة، وفي الوقت نفسه تحويل هذه الذاكرة إلى طاقة لبناء اقتصاد جديد، أكثر قدرة على خلق فرص الشغل واستيعاب طموحات الأجيال الصاعدة.
لقد حاول اللقاء، في مجمله، أن يربط بين زمنين: زمن النضال من أجل تحرير الوطن، وزمن آخر عنوانه التحرر من الفقر والهشاشة والتهميش. وبينهما تتغير الأدوات والتحديات، لكن الفكرة المركزية تظل واحدة: أن قيمة الاستقلال تُقاس أيضاً بقدرة المواطن على أن يعيش بكرامة، وأن يجد تعليماً جيداً، وصحة في المستوى، وفرصة للعمل، وإمكاناً حقيقياً لبناء مستقبله داخل بلده.
ومن فاس، المدينة التي صنعت جزءاً من ذاكرة المغرب الحديث، اختار حزب الاستقلال أن يضع هذه المعادلة في قلب خطابه الانتخابي: وطن يستند إلى تاريخه، لكنه لا يعيش فيه، وشباب لا يُطلب منه فقط أن يرث الذاكرة، بل أن يشارك في صناعة المستقبل.
وطني.. مستقبلي.
الرئيسية





















