ويحرص الحزب على تقديم نفسه في هذا الاستحقاق باعتباره قوة سياسية تخوض المنافسة من أجل المرتبة الأولى، لا بمنطق الحضور الرمزي، مستندا إلى لوائح مرشحين يقول إنه اختارهم وفق معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة والخبرة السياسية والمهنية. ويضع الاستقلال هذا الطموح ضمن ما يعتبره تعبيرا عن إرادة قواعده التنظيمية ومناضليه، وفي الوقت نفسه رهانا على إقناع الناخبين بجدوى عرضه السياسي وبرنامجه الانتخابي.
لكن عناصر القوة التي يسعى الحزب إلى إبرازها لا تتوقف عند سقف الطموح أو نوعية الترشيحات، بل تمتد إلى التماسك التنظيمي. ففي سياق سياسي يعرف حركية ملحوظة داخل الخريطة الحزبية وانتقالات لعدد من الأسماء بين التنظيمات، يقدم الاستقلال نفسه باعتباره حزبا حافظ، بحسب خطابه، على نواته التنظيمية وعلى استمرارية بنياته، دون التعويل على استقطاب واسع لشخصيات من خارج محيطه الحزبي بهدف تعزيز تموقعه الانتخابي.
ولا تشكل هذه المسألة مجرد تفصيل تنظيمي في خطاب الحزب، بل جزءا من سرديته السياسية. فالاستقلال يسعى إلى تحويل الاستمرارية التنظيمية إلى عنصر من عناصر المصداقية، انطلاقا من فكرة أن القوة الانتخابية لا تُبنى فقط بتجميع الأسماء أو توسيع اللوائح، وإنما أيضا بامتلاك تنظيم متماسك، وقواعد قادرة على التعبئة، وهوية سياسية واضحة خلال الاستحقاقات.
وفي السياق نفسه، يحرص الحزب على تقديم حملته باعتبارها قائمة على التنافس البرنامجي، بعيدا عن السجالات السياسية التي لا تُنتج، بحسب خطابه، أجوبة مباشرة عن انتظارات المواطنين. وتتمثل الأولوية، وفق الطرح الذي عبّر عنه رئيس المجلس الوطني للحزب، في عرض البرنامج الانتخابي والدفاع عن مقترحات قابلة للتنزيل في القضايا الاجتماعية والاقتصادية الكبرى.
ويعيد هذا التوجه النقاش إلى جوهر العملية الانتخابية: التنافس بين البرامج والبدائل السياسية، ثم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. فبدل حصر المنافسة في التجاذب الإعلامي أو الاستقطاب الحزبي، يراهن الاستقلال على التعبئة الانتخابية ورفع منسوب المشاركة السياسية، باعتبار أن الشرعية الانتخابية تُحسم في النهاية بإرادة الناخبين.
45 في المائة من الوجوه الجديدة
من بين المؤشرات التي يدفع بها حزب الاستقلال خلال هذه الحملة نسبة التجديد داخل لوائحه الانتخابية. ووفق المعطيات التي قدمها الحزب، فإن المرشحين والمرشحات الذين يخوضون الانتخابات للمرة الأولى يمثلون حوالي 45 في المائة من مجموع الترشيحات.
ويحمل هذا الرقم، بالنسبة إلى الحزب، دلالة تتجاوز البعد الإحصائي. فالاستقلال يسعى إلى تقديم معادلة تجمع بين الاستمرارية التنظيمية وتجديد النخب: الحفاظ على التراكم السياسي والخبرة من جهة، وفتح المجال أمام وجوه جديدة للولوج إلى المنافسة الانتخابية من جهة أخرى.
ويأتي هذا الرهان في سياق يتزايد فيه النقاش العمومي حول ضرورة تجديد النخب السياسية وتوسيع المشاركة داخل المؤسسات المنتخبة. غير أن التجديد، في حد ذاته، لا يكفي ما لم يقترن بالكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية العمومية. ومن هنا يحاول الحزب تقديم نسبة الوجوه الجديدة باعتبارها مؤشرا على وجود دينامية تنظيمية داخلية وقاعدة بشرية قادرة على حمل مشروعه السياسي.
نزار بركة في صلب الرهان الانتخابي
يحتل نزار بركة موقعا مركزيا في الاستراتيجية السياسية والانتخابية لحزب الاستقلال. فالقيادة الحالية تراهن على صورته كأمين عام تمكن، وفق الخطاب الحزبي، من الحفاظ على تماسك التنظيم وتعزيز حضوره داخل النقاش السياسي والمؤسساتي.
ويربط الحزب طموحه إلى تصدر نتائج الاستحقاق بما يعتبره حصيلة مرحلة من إعادة ترتيب البيت الداخلي وترسيخ الانضباط التنظيمي وتوسيع الحضور السياسي. وفي هذا السياق، تُقدَّم الجدية والالتزام التنظيمي باعتبارهما من الشروط الضرورية للمنافسة على موقع متقدم داخل الخريطة الحزبية.
لكن الاستحقاقات الانتخابية لا تُحسم بالخطاب الداخلي أو بالتعبئة التنظيمية وحدهما، فالاختبار الفعلي سيكون في قدرة الحزب على تحويل تماسكه الداخلي إلى تعبئة انتخابية، وترجمة برنامجه إلى التزامات سياسية واضحة ومفهومة، ثم تحويل نسبة التجديد في لوائحه إلى ثقة يمنحها الناخبون عبر صناديق الاقتراع.
الطموح مشروع... والشرعية يحسمها الاقتراع
يدخل حزب الاستقلال انتخابات 2026 بثقة سياسية مرتفعة وطموح معلن لتصدر النتائج، مستندا إلى ما يقدمه باعتباره رصيدا سياسيا وتنظيميا، وتجديدا في الترشيحات، وبرنامجا يسعى إلى تقديمه كعرض سياسي قادر على الاستجابة لعدد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة.
غير أن العملية الانتخابية لا تمنح أي طرف أفضلية مسبقة، ولا تتحول الطموحات السياسية إلى مواقع مؤسساتية إلا عبر الاقتراع، فالطموح، مهما استند إلى مؤشرات تنظيمية أو سياسية، يظل في النهاية رهانا انتخابيا إلى أن تترجمه صناديق الاقتراع إلى نتائج. وهنا تحديدا تظهر المسافة بين الصورة التي يقدمها الحزب عن نفسه وبين التقييم الذي يمنحه الناخبون لأدائه وعرضه السياسي.
وفي 23 شتنبر، لن يكون السؤال فقط حول من يمتلك التنظيم الأكثر تماسكا أو اللوائح الأكثر تجديدا، بل حول من استطاع فعليا إقناع الناخبين بأن برنامجه يستحق أن يتحول من تعهدات انتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم والمساءلة.
الرئيسية




















