كتاب الرأي

حزب الاستقلال.. حين يصبح رصيد التاريخ مسؤولية تجاه المستقبل


في السياسة، لا تُقاس قوة الأحزاب فقط بما تمتلكه من هياكل تنظيمية، ولا بعدد المرشحين الذين تدفع بهم إلى واجهة المنافسة الانتخابية، وإنما بقدرتها على أن تجعل من كل استحقاق لحظةً لإعادة بناء المعنى السياسي، وتجديد الصلة بالمجتمع، وتحويل ثقة المواطن من مجرد صوت في صندوق الاقتراع إلى تعاقد مستمر حول المستقبل.



بقلم: سارة البوفي

فالانتخابات، في جوهرها، ليست سباقاً نحو المقاعد بقدر ما هي امتحان للأفكار، وللكفاءات، ولقدرة الأحزاب على الإصغاء إلى التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع. وهي، قبل كل شيء، لحظة تسأل فيها السياسة نفسها عن جدوى حضورها، وعن قدرتها على أن تقدم للمواطن أكثر من الشعارات، وأكثر من الوعود العابرة.

ومن هذه الزاوية، يكتسب حضور حزب الاستقلال في الاستحقاقات التشريعية المقبلة دلالة تتجاوز الحساب الانتخابي المباشر. فالحزب، بما يحمله من رصيد وطني وتاريخ سياسي ممتد، لا يدخل هذه المحطة محملاً بذاكرة الماضي فقط، وإنما يجد نفسه أمام مسؤولية تحويل ذلك الرصيد إلى مشروع للمستقبل، إذ إن التاريخ، حين يكون عميقاً، لا يصبح امتيازاً دائماً، بل يتحول إلى مسؤولية متجددة.

وهنا تحديداً تكمن خصوصية الأحزاب التاريخية: أن الماضي يمنحها الجذور، لكنه لا يمنحها المستقبل تلقائياً.

فالمستقبل لا يُورث، وإنما يُبنى.

وحزب الاستقلال، وهو يستعد لهذه المحطة، يبدو مدعواً إلى خوض هذا التحدي من موقع قوة سياسية تعرف أن المحافظة على مكانتها لا تمر فقط عبر استحضار تاريخها، وإنما عبر قدرتها على قراءة حاضر المغرب واستشراف ما يحتاجه غداً.

ذلك أن المغرب يتغير بسرعة. والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والثقافية أعادت صياغة كثير من الأسئلة التي كانت تشكل صلب النقاش السياسي بالأمس. المواطن اليوم يريد سياسة أكثر قرباً من حياته اليومية، وأكثر قدرة على تقديم إجابات ملموسة عن قضايا التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والسكن والعدالة المجالية، كما يريد مؤسسات يشعر معها بأن صوته لا ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

وهذا التحول في طبيعة انتظارات المواطنين يفرض على الأحزاب السياسية أن تنتقل من منطق الخطاب إلى منطق المشروع، ومن تقديم الوعود إلى تحديد الالتزامات، ومن مخاطبة الناخب في موسم الانتخابات إلى بناء علاقة مستمرة معه.

وفي هذا السياق، تبرز قيمة البرنامج السياسي باعتباره أكثر من وثيقة انتخابية. فالبرنامج الجاد هو تعبير عن تصور متكامل للمجتمع والدولة والاقتصاد وموقع المواطن داخل هذه المنظومة. وهو يصبح أكثر قوة حين لا يكتفي بتشخيص الاختلالات، وإنما يحدد الأولويات، ويقترح البدائل، ويربط الأهداف بآليات التنفيذ والتقييم.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد الوعود التي يمكن أن يحملها أي برنامج، وإنما بمدى قدرته على تحويل الطموح السياسي إلى التزام قابل للقياس، وعلى جعل المواطن شريكاً في صناعة السياسات العمومية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.

وهذه النقلة من الخطاب إلى الالتزام هي التي يمكن أن تمنح العمل الحزبي معنى جديداً.

كما أن تجديد النخب يفرض نفسه باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإعادة الحيوية إلى الحياة السياسية. فالأحزاب التي تريد أن تكون جزءاً من المستقبل لا يمكن أن تكتفي بإعادة إنتاج الأدوات نفسها، وإنما تحتاج إلى مزيج متوازن من الخبرة والتجديد، ومن الوفاء للثوابت والانفتاح على التحولات.

ولا يعني تجديد النخب القطع مع التجربة، كما لا يعني أن كل جديد أفضل بالضرورة من القديم. بل يعني بناء جسور بين أجيال سياسية مختلفة، وإتاحة المجال أمام كفاءات جديدة تستطيع أن تحمل أسئلة المرحلة بلغة مختلفة، وأن تستوعب تعقيدات الاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا والإدارة الحديثة.

وفي هذا الإطار، يصبح حضور الشباب أكثر من مجرد عنوان انتخابي.

فالشباب ليسوا رقماً انتخابياً، ولا فئة تستدعى كلما اقترب موعد الاقتراع. إنهم قوة اقتراح، وطاقات بشرية وفكرية، وامتداد طبيعي لأي مشروع يريد أن يكتب للمستقبل. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي هو أن يتحول حضور الشباب من المشاركة الرمزية إلى المشاركة الفعلية في صناعة القرار، وفي صياغة البرامج، وفي تحمل المسؤولية.

ولعل إحدى نقاط القوة في التجربة الحزبية التي تستحق التأمل هي قدرة التنظيمات السياسية على الجمع بين الامتداد التاريخي والحيوية الجديدة. وحزب الاستقلال، بما يمتلكه من مدرسة سياسية عريقة وذاكرة وطنية راسخة، يملك مقومات مهمة تسمح له بأن يجعل من هذا التوازن مدخلاً إلى مرحلة جديدة، شريطة أن يظل التجدد جزءاً من الممارسة لا مجرد عنوان.

فالأحزاب التاريخية لا تُقاس فقط بما فعلته في الماضي، وإنما بما تستطيع أن تفعله اليوم من أجل أن يكون المستقبل أكثر إنصافاً وفعالية واستجابة لانتظارات المجتمع.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في أي تجربة سياسية: الثقة.

الثقة لا تُطلب من المواطن، وإنما تُبنى معه.

ولا تصنعها الحملات الانتخابية وحدها، وإنما يصنعها تراكم طويل من المواقف الواضحة، والالتزامات المحترمة، والقرب من المواطنين، والقدرة على تحويل التصورات إلى نتائج. ولذلك، فإن أقوى رأسمال سياسي يمكن لأي حزب أن يمتلكه ليس عدد المقاعد التي حصل عليها في استحقاق معين، وإنما مقدار الثقة التي يستطيع أن يحافظ عليها بعد انتهاء الاستحقاق.

وفي حالة حزب الاستقلال، فإن الرصيد التاريخي يمنحه قاعدة مهمة، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف المسؤولية. فكلما كان التاريخ أكثر حضوراً، كان المستقبل أكثر تطلباً.

والمطلوب، في هذه الحالة، ليس أن يعيش الحزب على أمجاد الماضي، وإنما أن يجعل من تاريخه طاقة اقتراح للمستقبل، أن يستحضر القيم التي صنعت حضوره الوطني، ويعيد ترجمتها في لغة سياسية قادرة على مخاطبة مغرب اليوم.

إن الوطنية، في معناها السياسي الحديث، لا تنفصل عن القدرة على بناء اقتصاد قوي، وخدمات عمومية أكثر جودة، ومجتمع أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر فعالية. كما أن الدفاع عن الخيارات الوطنية الكبرى لا يتعارض مع الإنصات إلى التفاصيل اليومية التي تصنع حياة المواطن.

بل إن قوة السياسة تكمن تحديداً في قدرتها على الجمع بين الاثنين: أن تنظر إلى الأفق البعيد، دون أن تغفل ما يحدث تحت أقدام الناس.

ومن هنا، فإن الاستحقاقات المقبلة لا ينبغي أن تختزل في سؤال من سيفوز بعدد أكبر من المقاعد، وإنما في سؤال أعمق: من يستطيع أن يقدم للمغاربة تصوراً أكثر إقناعاً للمستقبل؟ ومن يستطيع أن يحول الثقة الانتخابية إلى ثقة سياسية مستدامة؟

ذلك أن المواطن المغربي لم يعد يكتفي بأن يسمع ما يريد السياسيون قوله، إنه يريد أن يعرف ما الذي سيحدث فعلاً بعد انتهاء الحملة. يريد أن يرى أثر السياسة في حياته، وأن يقيس المسافة بين الوعد والإنجاز، وأن يشعر بأن صوته أسهم في صناعة شيء يتجاوز لحظة الاقتراع.

وفي هذا المعنى، يصبح التنافس الانتخابي تنافساً بين تصورات للمستقبل، لا مجرد تنافس بين أسماء.

ويصبح الرصيد التاريخي لحزب الاستقلال، بدوره، نقطة انطلاق لا نقطة وصول.

فالحزب الذي يحمل ذاكرة وطنية بهذا الامتداد مطالب بأن يجعل من تلك الذاكرة قوةً للحاضر، ومن الحاضر جسراً نحو المستقبل. وهذه ربما هي المعادلة الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة: أن يظل الوفاء للتاريخ متلازماً مع الجرأة على التجديد، وأن تظل الهوية السياسية حاضرة دون أن تتحول إلى قيد أمام التطور.

إن المغرب الذي يتقدم في مسارات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية متسارعة يحتاج إلى أحزاب تمتلك وضوح الرؤية، وقوة الاقتراح، والقدرة على التأطير، والاستعداد لتحمل المسؤولية. ويحتاج، قبل ذلك، إلى حياة سياسية تستعيد ثقة المواطن في جدوى المشاركة وفي قدرة المؤسسات الحزبية على أن تكون فضاءً لصناعة الأفكار والحلول.

ومن هنا، فإن الرهان أمام حزب الاستقلال لا يختزل في تحقيق نتيجة انتخابية متقدمة، مهما كانت أهميتها، وإنما في تحويل هذه النتيجة، إن تحققت، إلى بداية لمرحلة جديدة من العمل السياسي القائم على القرب والكفاءة والإنجاز.

فالانتخابات تمنح التفويض، لكنها لا تمنح صكاً مفتوحاً.

والبرنامج يحدد الاتجاه، لكنه لا يعفي من المحاسبة.

والتاريخ يمنح الرصيد، لكنه لا يغني عن الحاضر.

أما الثقة، فهي وحدها التي تختبر كل ذلك.

ولذلك، فإن المعركة السياسية الحقيقية لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج. إنها تبدأ عندما يتحول الكلام إلى فعل، والوعد إلى التزام، والالتزام إلى إنجاز، والإنجاز إلى ثقة متجددة.

عندها فقط يصبح الطموح الانتخابي مشروعاً سياسياً.

وعندها أيضاً يصبح رصيد التاريخ مسؤولية تجاه المستقبل.

فالمستقبل لا يُستعاد من صفحات الماضي، ولا يُصنع بالشعارات وحدها، إنه يُبنى بالكفاءة، ويُحمى بالالتزام، ويكبر حين يصبح المواطن شريكاً في صناعته.

وهنا، ربما، تكمن القيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي: ألا يطلب من المواطن أن يثق به لأنه يتحدث عن المستقبل، بل أن يمنحه أسباباً للثقة لأنه يعمل معه من أجل أن يصنعه.




الاثنين 14 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic