حياتنا

المغربيات يتصدرن التعليم العالي لكن مشاركتهن في سوق الشغل لا تتجاوز 19%


تكشف معطيات رسمية حديثة عن مفارقة لافتة في وضعية النساء بالمغرب: حضور نسائي متزايد داخل الجامعات، يقابله اندماج اقتصادي محدود وصعوبات أكبر في الوصول إلى فرص الشغل، حتى بالنسبة إلى الحاصلات على أعلى مستويات التعليم.



يظهر تقرير الميزانية القائمة على النتائج من منظور النوع، المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2027، أن النساء يشكلن نحو 72 في المائة من مجموع الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، والموجودين خارج العمل والتعليم والتكوين.


وبلغ عدد الشباب المنتمين إلى هذه الفئة، المعروفة اختصاراً بـ«NEET»، حوالي 2.94 مليون شخص خلال سنة 2023، أي ما يعادل 33.6 في المائة من مجموع الشباب في هذه الفئة العمرية.


وتعني هذه الأرقام أن أكثر من شاب واحد من بين كل ثلاثة، ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، لم يكن وقت إعداد المعطيات يشتغل أو يتابع الدراسة أو يستفيد من تكوين مهني.


غير أن الظاهرة لا تتوزع بالتساوي بين الجنسين، إذ تشكل النساء أكثر من سبعة أشخاص من أصل عشرة ضمن هذه الفئة، فيما تشير المعطيات إلى أن احتمال وجود الشابات في وضعية «NEET» يقارب ثلاثة أضعاف الاحتمال المسجل لدى الذكور.


وتبرز هذه الوضعية فجوة واضحة بين التقدم الذي حققته النساء في التعليم وبين قدرتهن على تحويل المؤهلات والشهادات إلى مشاركة فعلية في النشاط الاقتصادي.


فخلال الموسم الجامعي 2024-2025، بلغت نسبة الإناث من مجموع المسجلين في التعليم العالي 56.1 في المائة، بعدما كانت في حدود 51.6 في المائة خلال الموسم 2020-2021.


وبذلك أصبحت النساء يشكلن الأغلبية داخل التعليم العالي، بعد مسار طويل من التحسن في معدلات التمدرس وتقليص الفوارق بين الجنسين داخل مختلف مستويات التعليم.


لكن هذا التفوق العددي في الجامعة لا يجد انعكاساً مماثلاً داخل سوق الشغل.


ففي سنة 2025، لم يتجاوز معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء 19 في المائة، مقابل 68.5 في المائة لدى الرجال، أي بفارق يقترب من 50 نقطة مئوية.


ويعكس معدل النشاط نسبة الأشخاص الذين يشتغلون أو يبحثون فعلياً عن عمل ضمن السكان الموجودين في سن النشاط، ما يعني أن نسبة كبيرة من النساء تبقى خارج سوق الشغل كلياً، سواء بسبب صعوبة الاندماج أو عوامل أسرية واجتماعية واقتصادية أخرى.


والأكثر لفتاً للانتباه أن مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي لم تتحسن رغم ارتفاع مستوى تعليمهن، بل تراجعت على المدى الطويل.


فقد انتقل معدل نشاط النساء من 30.4 في المائة سنة 1999 إلى 19 في المائة فقط سنة 2025، بانخفاض بلغ 11.4 نقطة مئوية.


وفي المقابل، تراجع معدل نشاط الرجال بدوره خلال الفترة نفسها، لكنه ظل عند مستوى أعلى بكثير، إذ بلغ 68.5 في المائة سنة 2025.


وتصبح المفارقة أكثر وضوحاً عند النظر إلى مستوى التعليم.


فالحصول على شهادة عليا يزيد فرص مشاركة المرأة في سوق الشغل مقارنة بغير الحاصلات على شهادات، لكنه لا يحميها من البطالة.


وبلغ معدل النشاط لدى النساء الحاصلات على شهادات عليا 45.4 في المائة سنة 2025، مقابل 14.4 في المائة فقط لدى النساء دون شهادة، و12.8 في المائة لدى الحاصلات على شهادات من المستوى المتوسط.


ورغم أن النساء الأكثر تعليماً أكثر حضوراً في سوق الشغل، فإنهن يواجهن في الوقت نفسه معدلات بطالة مرتفعة بصورة واضحة.


فقد بلغ معدل البطالة لدى النساء الحاصلات على شهادات عليا حوالي 34 في المائة سنة 2025، مقابل 19.7 في المائة لدى الرجال من المستوى التعليمي نفسه.


ويصل الفارق بين الجنسين في هذه الفئة إلى 14.3 نقطة مئوية، ما يكشف أن الشهادة الجامعية لا تضمن بالضرورة انتقالاً سلساً من الدراسة إلى العمل بالنسبة إلى النساء.


ويتكرر الاتجاه نفسه لدى الحاصلات على شهادات متوسطة، حيث بلغ معدل البطالة النسائية 25 في المائة، مقابل 13.5 في المائة لدى الرجال.


أما لدى الأشخاص غير الحاصلين على شهادات، فتتراجع الفجوة بشكل كبير، إذ تبلغ البطالة 4.8 في المائة لدى النساء و4.6 في المائة لدى الرجال.


وعلى المستوى الوطني، يصل معدل البطالة النسائية إلى 20.5 في المائة، مقابل 10.8 في المائة لدى الرجال، فيما يرتفع المعدل في صفوف النساء بالوسط الحضري إلى 26 في المائة.


ويضع ذلك النساء أمام وضع مزدوج: فهن أقل مشاركة في سوق العمل من الرجال، وعندما يدخلن إليه ويبحثن عن وظيفة يواجهن احتمالا أكبر للبقاء في البطالة.


ولا تتوزع صعوبات المشاركة الاقتصادية للنساء بالطريقة نفسها بين المدن والقرى.


ففي العالم القروي، عرف معدل نشاط النساء تراجعاً قوياً خلال السنوات الأخيرة، منتقلاً من 36.9 في المائة سنة 2014 إلى 18.2 في المائة سنة 2025.


في المقابل، تحسن معدل النشاط النسائي في المدن بشكل طفيف، من 17.8 في المائة إلى 19.4 في المائة خلال الفترة نفسها.


وبذلك، أصبح التراجع المسجل في الوسط القروي واحداً من العوامل الرئيسية وراء انخفاض المشاركة الاقتصادية للنساء على المستوى الوطني.


وتظهر التحولات أيضاً في طبيعة الأنشطة التي تشتغل فيها النساء.


فقد تراجعت حصة الفلاحة والغابات والصيد ضمن التشغيل النسائي، مقابل ارتفاع حضور قطاع الخدمات، الذي أصبح يستقطب نسبة أكبر من النساء العاملات.


غير أن هذا الانتقال القطاعي لم يكن كافياً لتعويض الانخفاض العام في معدل النشاط النسائي، ما يعكس أن التحدي لا يتعلق فقط بنوعية الوظائف، وإنما أيضاً بالقدرة على دخول سوق الشغل والاستمرار داخله.


ويشير التقرير كذلك إلى تأثير المسؤوليات الأسرية وأعمال الرعاية على المشاركة الاقتصادية، خصوصاً مع استمرار تحمل النساء جزءاً كبيراً من الأعباء المرتبطة بالأطفال وكبار السن داخل الأسر.


كما تبرز عوامل مرتبطة بالتنقل وظروف العمل والوصول إلى فرص التشغيل، إلى جانب محدودية الخدمات التي يمكن أن تخفف أعباء الرعاية عن الأسر.


وتتجلى هذه الصعوبات بصورة أكبر لدى الشابات، وهو ما يفسر جزئياً حضور النساء الكثيف داخل فئة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين.


وتكشف معطيات سنة 2023 أن نسبة الشابات الموجودات في هذه الوضعية وصلت إلى حوالي 49 في المائة، مقابل 19 في المائة لدى الشبان.


ورغم أن النسبة النسائية سجلت تراجعاً مقارنة بسنة 2017، حين بلغت حوالي 55 في المائة، فإن الفجوة بين الجنسين ما تزال واسعة.


ولا تعني وضعية «NEET» بالضرورة أن جميع هؤلاء الشباب عاطلون ويبحثون عن عمل.


فالدراسة التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط بشراكة مع منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي تشير إلى أن جزءاً كبيراً منهم يوجد خارج سوق الشغل ولا يبحث بصورة نشطة عن وظيفة.


وتشمل هذه الفئة أوضاعاً مختلفة، من شباب أنهوا دراستهم ولم يتمكنوا من إيجاد أول فرصة للعمل، إلى أشخاص غادروا التعليم مبكراً، فضلاً عن فئات تواجه قيوداً أسرية أو اجتماعية تحد من قدرتها على الولوج إلى سوق الشغل.


وتظهر المعطيات في مجملها أن التحدي لم يعد مقتصراً على ضمان وصول الفتيات إلى المدرسة والجامعة.


فبعد تحقيق تقدم واضح في التعليم، أصبح السؤال المركزي يتعلق بقدرة الاقتصاد وسوق الشغل على الاستفادة من هذا الرأسمال البشري وتحويل ارتفاع مستويات التعليم والتأهيل لدى النساء إلى فرص مهنية فعلية.


كما تطرح الأرقام تحدياً أمام سياسات التشغيل، لأن معالجة بطالة النساء لا تمر فقط عبر خلق مناصب جديدة، بل تتطلب أيضاً معالجة العوامل التي تدفع عدداً كبيراً من النساء إلى البقاء خارج سوق الشغل من الأساس.


وتشير الفجوة بين 56.1 في المائة كنسبة للنساء في التعليم العالي و19 في المائة فقط كمعدل لنشاطهن الاقتصادي إلى حجم المسافة التي ما تزال تفصل بين التقدم التعليمي والاندماج المهني.


أما نسبة 72 في المائة المسجلة داخل فئة الشباب خارج العمل والتعليم والتكوين، فتكشف أن هذه الفجوة تبدأ مبكراً، وأن الانتقال من المدرسة أو الجامعة إلى الحياة المهنية ما يزال يمثل واحدة من أصعب المراحل بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشابات المغربيات.


Aicha Bouskine
عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال، باحثة في العلوم السياسية وصانعة محتوى في إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 4 نوفمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ






ميزانية 2027.. اسأل وافهم مع مساعد «L’ODJ» الذكي

وعدٌ تحقق: «L’ODJ ميديا» تطلق مساعدها بالذكاء الاصطناعي حول مشروع قانون المالية 2027





















Buy cheap website traffic