حياتنا

المتقاعدون يطالبون برفع معاشاتهم بـ2000 درهم.. بين ضغط المعيشة ورهان صون الكرامة


في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، يعود ملف معاشات المتقاعدين إلى واجهة النقاش الاجتماعي، مع مطالبة عدد من المتقاعدين بزيادة شهرية قدرها 2000 درهم، باعتبارها خطوة من شأنها أن تساعد على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة والحفاظ على القدرة الشرائية لهذه الفئة.



ويأتي هذا المطلب في سياق اجتماعي أصبحت فيه القدرة على تغطية النفقات الأساسية أكثر تحدياً بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والثابت، وهو ما يجعل وضعية المتقاعدين أكثر حساسية، بالنظر إلى أن المعاش بالنسبة إلى شريحة واسعة منهم يمثل المورد الأساسي، وأحياناً الوحيد، لتدبير متطلبات الحياة اليومية.

 معاش ثابت أمام كلفة معيشة متحركة

تتمثل إحدى أبرز الإشكالات التي يطرحها ملف التقاعد في الفارق بين دخل ثابت وتكاليف معيشة قابلة للارتفاع. فالمتقاعد الذي أنهى سنوات طويلة من العمل يجد نفسه، بعد مغادرة سوق الشغل، أمام حاجيات لا تتوقف بالضرورة عند الغذاء والسكن والنقل، بل تمتد إلى مصاريف أخرى مرتبطة بمرحلة عمرية تتطلب في كثير من الحالات إنفاقاً إضافياً.

ومن هذا المنطلق، لا ينظر أصحاب مطلب الزيادة في المعاشات إلى مبلغ 2000 درهم باعتباره مجرد زيادة رقمية، وإنما يربطونه بمسألة القدرة على الحفاظ على مستوى معيشي يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة.

كما أن ارتفاع الأسعار لا يؤثر بالدرجة نفسها على مختلف الفئات الاجتماعية، إذ تكون انعكاساته أكثر مباشرة على أصحاب المداخيل الثابتة، الذين لا يملكون هامشاً واسعاً لتعويض تراجع قدرتهم الشرائية من خلال زيادة مداخيلهم.

مطلب اجتماعي في توقيت انتخابي

ويكتسب هذا المطلب أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات التشريعية، حيث تصبح القضايا الاجتماعية والاقتصادية أكثر حضوراً في النقاش العمومي. غير أن التعامل مع ملف المتقاعدين يتجاوز الظرف الانتخابي، باعتباره قضية مرتبطة بالسياسات الاجتماعية وبمستقبل منظومة التقاعد وقدرتها على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والديموغرافية.

فالمتقاعد، في نهاية المطاف، ليس رقماً في جداول الإنفاق العمومي، بل مواطن راكم سنوات من العمل والمساهمة في الاقتصاد والمجتمع، ويطرح اليوم سؤالاً مشروعاً حول مدى قدرة منظومة الحماية الاجتماعية على ضمان دخل يحافظ على قدرته الشرائية بعد انتهاء الحياة المهنية.

ومن هنا، فإن النقاش حول زيادة المعاشات لا ينبغي أن يختزل في قيمة الزيادة وحدها، بل يحتاج إلى مقاربة أوسع تأخذ بعين الاعتبار مستويات المعاشات، والفوارق بين أنظمة التقاعد، ومصادر تمويل أي زيادة محتملة، إلى جانب التوازنات المالية لصناديق التقاعد واستدامتها.

 بين القدرة الشرائية واستدامة صناديق التقاعد

يبقى التحدي الأساسي أمام أي إصلاح هو تحقيق التوازن بين الاستجابة للحاجيات الاجتماعية المشروعة وضمان الاستدامة المالية لمنظومة التقاعد.

فالزيادة في المعاشات يمكن أن تخفف الضغط عن المتقاعدين وتحسن قدرتهم على مواجهة النفقات اليومية، لكنها في المقابل تحتاج إلى موارد مالية مستدامة حتى لا تتحول المعالجة الآنية إلى ضغط إضافي على التوازنات المستقبلية لأنظمة التقاعد.

ولهذا، فإن معالجة الملف تتطلب نقاشاً مسؤولاً يجمع بين الحكومة والنقابات والهيئات الممثلة للمتقاعدين وباقي المتدخلين، بهدف البحث عن حلول قابلة للتنفيذ، تراعي واقع القدرة الشرائية من جهة، ومتطلبات الاستدامة المالية من جهة أخرى.

 كرامة ما بعد المسار المهني

في عمق هذا النقاش، تبرز مسألة تتجاوز الأرقام والحسابات المالية: كيف يمكن للمجتمع أن يضمن للإنسان حياة كريمة بعد سنوات العمل؟

ذلك أن التقاعد يفترض أن يكون انتقالاً من مرحلة الإنتاج المهني إلى مرحلة يستفيد فيها الفرد من ثمرة سنوات مساهمته في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لا مرحلة جديدة من القلق بشأن تكاليف المعيشة.

وبينما يطالب المتقاعدون بزيادة شهرية قدرها 2000 درهم، يظل جوهر الرسالة التي يحملها هذا المطلب مرتبطاً بالحاجة إلى حماية القدرة الشرائية وضمان حد أدنى من الاستقرار الاجتماعي.

وفي انتظار ما ستسفر عنه النقاشات والقرارات المرتبطة بهذا الملف، يظل إصلاح أوضاع المتقاعدين جزءاً من سؤال أوسع حول العدالة الاجتماعية: كيف نضمن أن تكون سنوات ما بعد العمل امتداداً للكرامة، لا بداية لمرحلة جديدة من الهشاشة؟

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الخميس 17 سبتمبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور | وطني مستقبلي


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ


















LODJ24 TV
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...







Buy cheap website traffic