صحتنا

العيون تحتضن الأيام الطبية المغربية الأمريكية حول الذكاء الاصطناعي في الصحة


تستعد مدينة العيون، يومي 29 و30 أكتوبر 2026، لاحتضان لقاء طبي دولي جديد فحسب، بل لفتح نقاش أصبح يفرض نفسه بقوة داخل المستشفيات وكليات الطب حول العالم: إلى أي حد يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر طريقة تشخيص الأمراض ومتابعة المرضى وتنظيم الرعاية، وأين ينبغي أن تتوقف التكنولوجيا ليبقى القرار الطبي بيد الطبيب؟



هذا السؤال سيكون في قلب الدورة الثانية للأيام الطبية المغربية الأمريكية، التي تحتضنها كلية الطب والصيدلة بالعيون التابعة لجامعة ابن زهر، بشراكة مع مجلس جهة العيون الساقية الحمراء، تحت شعار «الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي». ومن المنتظر أن تنطلق أشغال التظاهرة صباح 29 أكتوبر بمقر الكلية، بمشاركة أساتذة وأطباء وباحثين من المغرب والولايات المتحدة يمثلون تخصصات طبية متعددة.


اختيار الذكاء الاصطناعي موضوعاً مركزياً لهذه الدورة لا يبدو منفصلاً عن التحولات التي يعرفها الطب في المغرب نفسه. فالعيون سبق أن احتضنت في يونيو الماضي لقاء علمياً حول «الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي : التحديات والفرص والآفاق»، ناقش تطبيقات هذه التقنيات في دعم التشخيص والطب التنبؤي وتحليل البيانات الطبية وتخصيص العلاجات وتحسين تنظيم الرعاية الصحية. ويكشف تكرار هذه النقاشات داخل كلية الطب بالمدينة عن انتقال الموضوع من دائرة الاهتمام التكنولوجي العام إلى صلب تكوين الأطباء والبحث العلمي والممارسة السريرية.


ويأتي الموعد الجديد ليضيف بعداً دولياً لهذا النقاش، من خلال الجمع بين التجربة المغربية والخبرة الأمريكية. فالبرنامج المعلن يتضمن محاضرات وعروضاً أكاديمية وورشات عمل ونقاشات متخصصة، بما يسمح للأطباء والباحثين بمقارنة التجارب ومناقشة الاستخدامات الفعلية للذكاء الاصطناعي في الصحة، بعيداً عن الصورة التي تختزل هذه التكنولوجيا في روبوت يحل محل الطبيب.


والواقع أن النقاش الطبي الحالي يسير في اتجاه مختلف. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الطبيب على قراءة كميات ضخمة من المعطيات، ورصد أنماط يصعب الانتباه إليها بسرعة، وتنظيم الملفات الطبية، وتتبع المرضى أو دعم القرار، لكن حساسية المجال الصحي تجعل مسألة الثقة والشفافية والمسؤولية عن القرار جزءاً أساسياً من أي استخدام لهذه الأدوات.


وهذا الحذر يبدو حاضراً حتى لدى الجيل الجديد من الأطباء بالمغرب. فقد أظهرت دراسة حديثة شملت 310 طلبة من تسع كليات طب عمومية، من بينها كلية الطب بالعيون، قبولاً واسعاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المهام المساعدة مثل التوثيق والوصول إلى المعلومات ومتابعة المرضى، مقابل تراجع واضح في مستوى الثقة عندما يتعلق الأمر بتفويض التشخيص أو وصف الأدوية أو اتخاذ القرار الطبي بصورة مستقلة.


ومن هنا تكتسب الأيام الطبية المغربية الأمريكية أهميتها، لأنها تضع التكنولوجيا داخل سياق طبي وأكاديمي، وليس في إطار استعراض تقني فقط. فالسؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل المستشفى، بل كيف سيُستخدم، ومن سيتحقق من نتائجه، وكيف ستُحمى بيانات المرضى، وما المهارات التي ينبغي أن يتوفر عليها الطبيب للتعامل معه دون أن يصبح تابعاً له.


كما أن دورة 2026 لا تبدأ من الصفر. فالعيون كانت قد احتضنت في فبراير 2025 النسخة الأولى من الأيام الطبية المغربية الأمريكية، التي نُظمت بالتعاون مع مستشفى Saint Francis في نيويورك وبشراكة مع مجلس الجهة. وشارك فيها سبعة أطباء أمريكيين في تخصصات شملت أمراض الغدد والكلى والقلب والجهاز الهضمي والنساء والتوليد وطب الأطفال، بهدف تبادل الخبرات الطبية وتعزيز مهارات الكفاءات الصحية المحلية.


وبالتالي، تمثل الدورة الثانية انتقالاً من تبادل الخبرة حول تخصصات طبية بعينها إلى مناقشة أداة ستؤثر، بدرجات مختلفة، في معظم هذه التخصصات مستقبلاً. فالذكاء الاصطناعي لا ينتمي إلى فرع واحد من الطب، بل يمكن أن يدخل في التصوير الطبي والمختبرات والجراحة وإدارة المستشفيات ومراقبة الأمراض المزمنة وتحليل الملفات الصحية والبحث العلمي.


ويمنح هذا التطور للقاء بعداً آخر يتعلق بالتكوين. فإذا أصبحت الخوارزميات جزءاً من بيئة العمل الطبي، فإن كليات الطب ستكون مطالبة بتكوين أطباء يفهمون قدراتها وحدودها، ويعرفون متى يمكن الاستفادة منها ومتى ينبغي التشكيك في نتائجها. وهذا ما يجعل ورشات العمل والنقاش المباشر بين الباحثين والأطباء أكثر أهمية من مجرد عرض التطبيقات الجديدة.


وتندرج التظاهرة أيضاً ضمن حركة أوسع داخل المغرب لإدماج الذكاء الاصطناعي في النقاش الصحي والأكاديمي. فخلال سنة 2026 وحدها احتضنت مؤسسات جامعية مغربية عدة لقاءات حول الذكاء الاصطناعي والصحة، فيما تستعد جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير في مطلع نونبر لاحتضان قمة مخصصة للذكاء الاصطناعي في الطب والرعاية الصحية، مع تركيز خاص على الأنظمة القابلة للتفسير والموثوقة والمسؤولة.


وفي هذا السياق، تبرز العيون تدريجياً كفضاء أكاديمي قادر على احتضان هذا النوع من النقاشات الدولية، بدل حصرها في المحاور الجامعية التقليدية الكبرى. كما يمنح التعاون مع أطباء وباحثين أمريكيين للجهة فرصة لربط التكوين الطبي المحلي بشبكات أوسع للبحث والخبرة، بما قد يفتح مستقبلاً المجال أمام مشاريع مشتركة وتبادل أكاديمي وبرامج تدريبية أكثر تخصصاً.


ولا تقتصر أهمية هذا الانفتاح على تحسين صورة المؤسسة الجامعية أو تنظيم مؤتمرات دولية، بل ترتبط أساساً بما يمكن أن يصل إلى المريض في نهاية السلسلة. فالتكنولوجيا تصبح ذات قيمة حقيقية عندما تساهم في تقليص مدة التشخيص، أو تحسين تتبع المريض، أو مساعدة الطبيب على اتخاذ قرار أدق، أو تنظيم الموارد الصحية بصورة أفضل.


ولهذا سيكون التحدي خلال الأيام الطبية المغربية الأمريكية في العيون هو تجاوز الانبهار بقدرات الذكاء الاصطناعي إلى مناقشة شروط استعماله داخل واقع المنظومة الصحية المغربية، بما في ذلك التكوين وجودة البيانات وحماية الخصوصية والمسؤولية الطبية ومدى استفادة المؤسسات الصحية خارج المراكز الكبرى من هذه الأدوات.


وبينما يلتقي الأطباء والباحثون المغاربة والأمريكيون يومي 29 و30 أكتوبر، سيكون الرهان الحقيقي أوسع من التعرف على أحدث التطبيقات. فالمطلوب هو بناء فهم طبي للتكنولوجيا يجعلها أداة إضافية في يد الطبيب، لا بديلاً عنه، ويحول التعاون الأكاديمي الدولي من تبادل للمعلومات إلى مشاريع قادرة على تحسين جودة الرعاية وتطوير البحث والتكوين الصحي بالمغرب.


Aicha Bouskine
عائشة بوسكين صحافية خريجة المعهد العالي للإعلام والاتصال، باحثة في العلوم السياسية وصانعة محتوى في إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الثلاثاء 27 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





ميزانية 2027.. اسأل وافهم مع مساعد «L’ODJ» الذكي

وعدٌ تحقق: «L’ODJ ميديا» تطلق مساعدها بالذكاء الاصطناعي حول مشروع قانون المالية 2027



















Buy cheap website traffic