غير أن المزاج تغير بسرعة. فالمستثمرون بدأوا يطرحون أسئلة أكثر صرامة حول قدرة هذه الشركات على تحويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى أرباح فعلية ومستدامة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف البنية التحتية والحوسبة، واشتداد المنافسة بين المصنعين المحليين.
الضغط لم يقتصر على الشركات الصغيرة. فقد تراجعت أسهم شركات بارزة في قطاعات الرقائق والروبوتات والذكاء الاصطناعي، من بينها Unitree وCXMT وMetaX وMoore Threads، فيما انعكس الهبوط أيضًا على السوق الأوسع، حيث فقد مؤشر CSI300 نحو 20 في المائة من ذروته المسجلة في يونيو.
وتكشف هذه الحركة عن تحول واضح في سلوك المستثمرين. فبعد مرحلة كان يكفي فيها ارتباط الشركة بالذكاء الاصطناعي أو أشباه الموصلات لجذب السيولة، أصبح السوق أكثر انتقائية، وبدأت التقييمات المرتفعة تُقارن بقدرة الشركات على توليد الإيرادات والأرباح.
وتبقى مسألة التقييمات في قلب المخاوف. فحتى بعد الهبوط القوي، لا تزال بعض أسهم التكنولوجيا الصينية تتداول عند مضاعفات مرتفعة مقارنة بقطاعات أخرى، ما يعني أن جزءًا من السوق لا يزال يسعّر توقعات نمو كبيرة للسنوات المقبلة.
هناك عامل آخر يضغط على القطاع، يتعلق بالمخاطر التجارية والجيوسياسية. فالشركات الصينية العاملة في الرقائق ومكونات مراكز البيانات ما تزال معرضة لاحتمال تشديد القيود الأمريكية أو الغربية على بعض التقنيات وسلاسل الإمداد، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
وفي الوقت نفسه، تواجه شركات الذكاء الاصطناعي الصينية تحديًا داخليًا لا يقل أهمية: المنافسة السعرية. فمع دخول عدد كبير من المصنعين إلى السوق، سواء في الرقائق أو الخوادم أو خدمات الذكاء الاصطناعي، أصبحت الهوامش تحت ضغط، وهو ما قد يجعل الطريق نحو الربحية أصعب حتى مع استمرار الطلب.
هذا التراجع يأتي أيضًا في لحظة حساسة للأسواق العالمية. ففي الولايات المتحدة وأوروبا، بدأت المخاوف نفسها تظهر حول حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، مع تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت مئات مليارات الدولارات الموجهة إلى مراكز البيانات والطاقة والرقائق ستولد عائدات كافية.
الفارق هو أن التصحيح في الصين جاء أسرع وأكثر حدة. فهبوط 40 في المائة خلال أقل من أربعة أشهر يكشف إلى أي حد كانت التقييمات حساسة لأي تحول في شهية المستثمرين.
وقد بدأ هذا التصحيح يؤثر أيضًا على طموحات بعض الشركات في الإدراج وجمع التمويل، لأن انخفاض الأسعار يجعل عمليات الطرح الجديدة أقل جاذبية ويجبر الشركات على القبول بتقييمات أدنى.
مع ذلك، لا يعني الهبوط أن قصة الذكاء الاصطناعي في الصين انتهت. فبكين ما تزال تعتبر الرقائق والذكاء الاصطناعي من القطاعات الاستراتيجية، كما تستمر الشركات المحلية في الاستثمار بقوة في مراكز البيانات والنماذج والروبوتات وسلاسل التوريد.
كما أن بورصة هونغ كونغ أطلقت مؤخرًا مؤشرات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، في إشارة إلى أن الاهتمام المؤسسي بالقطاع ما يزال قائمًا رغم التصحيح الحالي.
لكن الرسالة التي يرسلها السوق اليوم تبدو واضحة: المستثمرون لم يعودوا مستعدين لدفع أي سعر لمجرد امتلاك شركة قصة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
المرحلة المقبلة ستكون أكثر اعتمادًا على النتائج الفعلية: الإيرادات، الأرباح، الطلب الحقيقي على الرقائق، وقدرة الشركات على خفض التكاليف ومواجهة المنافسة.
وبين تبخر 480 مليار دولار وتراجع STAR50 بنحو 40 في المائة، يبدو أن الصين دخلت مرحلة جديدة من سباق الذكاء الاصطناعي، أقل حماسًا وأكثر تدقيقًا في الأرقام. فالرهان لم يعد فقط على من يطور التكنولوجيا الأسرع، بل على من يستطيع تحويلها إلى نموذج اقتصادي قابل للاستمرار.
الرئيسية

















