بقلم : الحسين خاوتي
نظام دولي يعيد ترتيب مصالحه
أعادت الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب غزة، والتنافس الأمريكي الصيني، طرح أسئلة جوهرية بشأن قدرة المؤسسات الدولية على ضبط سلوك القوى الكبرى. وتعيد واشنطن ترتيب التزاماتها الخارجية وفق حسابات الأمن والاقتصاد، بينما تواجه أوروبا ضغوط الطاقة والتصنيع والدفاع. أما الصين فتوسع حضورها الصناعي والتجاري، وتسعى روسيا إلى تثبيت موقعها ضمن توازنات دولية غير مستقرة.
تفرض هذه التطورات على المغرب تنويع شراكاته وصيانة استقلال قراره. فعلاقاته مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين ودول الخليج تمنحه قنوات متعددة للتعاون، لكنها تفرض عليه إدارة دقيقة للتعارض بين مصالح شركائه. وتحتاج هذه السياسة إلى تحديد الأولويات الوطنية، وربط الاتفاقيات بنتائج قابلة للقياس، مع الاحتفاظ بهامش دبلوماسي يسمح بالتكيف مع تبدل المواقف الدولية.
الصحراء المغربية : الدبلوماسية بين المكسب والاستحقاق
شهد ملف الصحراء المغربية تطورات دبلوماسية مهمة، من بينها قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والتصويت داخل اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 15 أكتوبر 2026، الذي أيد نصا بشأن القضية بموافقة 152 دولة وفق المصدر المنشور. وتستحق هذه الوقائع قراءة دقيقة تميز بين طبيعة القرارات الأممية وآثارها القانونية والسياسية.
يعزز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي موقع الرباط التفاوضي، ويمنح دبلوماسيتها رصيدا إضافيا في علاقاتها مع القوى المؤثرة. غير أن تثبيت المكاسب يحتاج إلى مواصلة العمل السياسي، وتطوير الأقاليم الجنوبية اقتصاديا، وربط الاستثمار بالتشغيل والخدمات والبنية التحتية. فالقيمة الاستراتيجية للسيادة تقوى بقدرة الدولة على توفير شروط التنمية والاستقرار والاندماج الوطني.
الأطلسي بوابة للشراكة الإفريقية
يوفر الموقع الجغرافي للمغرب فرصة لبناء دور إقليمي يرتكز على التجارة والنقل والطاقة. ويأتي ميناء الداخلة الأطلسي ضمن المشاريع الرامية إلى تطوير الخدمات اللوجستية، وربط الأقاليم الجنوبية بالأسواق الإفريقية والدولية. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المشروع يستهدف دخول الخدمة سنة 2028، مع مناطق مخصصة للأنشطة الصناعية.
وتستهدف المبادرة الملكية لفائدة الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي ودول الساحل تعزيز الولوج إلى الموانئ والأسواق العالمية. غير أن تحويل هذه الرؤية إلى مكاسب اقتصادية يتطلب طرقا فعالة، وإجراءات جمركية منسقة، وخدمات نقل منتظمة، واستقرارا أمنيا، إلى جانب استثمارات قادرة على توليد فرص العمل.
أما مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب، فقد سجل محطة مؤسساتية مهمة بتوقيع الاتفاق الحكومي بين دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في يوليو 2026. ويستهدف المشروع ربط موارد الغاز في غرب إفريقيا بالأسواق الإقليمية والأوروبية، مع إمكان دعم التصنيع وتطوير أسواق الطاقة. وتظل جدواه مرتبطة بالتمويل، والتنسيق بين الدول المعنية، وشروط التنفيذ والتشغيل التجاري.
الاقتصاد المنتج أساس الاستقلال الاستراتيجي
تحتاج المكانة الإقليمية إلى قاعدة إنتاجية قادرة على تمويل الطموح الوطني. وقد رسخ المغرب حضوره في صناعة السيارات والطيران، وجذب استثمارات في الطاقات المتجددة ومكونات البطاريات. وتتيح هذه القطاعات فرصا لتطوير الصادرات وتوسيع قاعدة التصنيع، شريطة رفع نسبة القيمة المضافة المحلية، ودعم البحث والتطوير، وربط التكوين المهني بحاجات المقاولات.
وتظل المنافسة الصناعية الدولية اختبارا حقيقيا للسياسة الاقتصادية المغربية. فاستقطاب مصنع جديد يمثل بداية مسار يحتاج إلى موردين محليين، وكفاءات مؤهلة، وشبكات نقل وطاقة مستقرة، وبيئة أعمال تشجع الابتكار. ومن دون هذه العناصر، قد تظل بعض الاستثمارات محدودة الأثر على الاقتصاد الوطني.
وتفرض التحولات الاقتصادية أيضا الاهتمام بالأمن الغذائي والمائي، وتنويع مصادر الطاقة، وتحسين قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على دخول سلاسل الإنتاج. فتنويع الشركاء يمنح المغرب خيارات تجارية ومالية، بينما يمنح الإنتاج الوطني هذه الخيارات أساسا اقتصاديا متينا.
الجبهة الداخلية ومعنى القوة الوطنية
تتحدد قدرة المغرب على تنفيذ مشاريعه الاستراتيجية بمدى تماسك جبهته الداخلية. فالبطالة، وغلاء المعيشة، والتفاوت بين الجهات، وصعوبات الولوج إلى الصحة والتعليم، تحديات تمس الثقة العامة والقدرة على المشاركة في التنمية.
وتحتاج برامج الحماية الاجتماعية إلى تمويل مستدام، وإدارة فعالة، وتقييم دوري لنتائجها. كما يتطلب تحسين الأوضاع الاجتماعية رفع جودة الخدمات العمومية، وتوسيع فرص الشغل المنتج، وتوجيه الاستثمار نحو الجهات التي تحتاج إلى بنية اقتصادية متينة.
إن بناء النفوذ الخارجي يحتاج إلى مجتمع يشعر بجدوى السياسات العامة، وإلى مؤسسات تربط المسؤولية بالمحاسبة، وإلى إدارة تحول الاعتمادات المالية إلى خدمات وفرص اقتصادية.
من الرؤية إلى النتائج
يمتلك المغرب مقومات استراتيجية مهمة: موقعا يربط أوروبا بإفريقيا، وشراكات دولية متنوعة، واستقرارا مؤسساتيا، ومشاريع في الموانئ والطاقة والصناعة. غير أن هذه المقومات تحتاج إلى حكامة فعالة، وأولويات واضحة، وتقييم مستمر للمردودية الاقتصادية والاجتماعية.
تمنح التحولات الدولية المغرب فرصا لبناء دور إقليمي فاعل، لكنها تفرض عليه الانضباط في التخطيط والتنفيذ. فالموانئ تحتاج إلى تجارة، ومشاريع الطاقة تحتاج إلى تمويل وأسواق، والشراكات الدبلوماسية تحتاج إلى قاعدة إنتاجية تحمي المصالح الوطنية.
وتبدأ القوة الاستراتيجية من الداخل: اقتصاد قادر على الابتكار، ومجتمع يستفيد من ثمار التنمية، ومؤسسات تحسن التدبير والمساءلة. وعبر هذا الترابط يستطيع المغرب توظيف جغرافيته وشراكاته لبناء موقع إقليمي متوازن، وصيانة استقلال قراره، والمشاركة في صياغة التوازنات الدولية برؤية وطنية واضحة.
أعادت الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب غزة، والتنافس الأمريكي الصيني، طرح أسئلة جوهرية بشأن قدرة المؤسسات الدولية على ضبط سلوك القوى الكبرى. وتعيد واشنطن ترتيب التزاماتها الخارجية وفق حسابات الأمن والاقتصاد، بينما تواجه أوروبا ضغوط الطاقة والتصنيع والدفاع. أما الصين فتوسع حضورها الصناعي والتجاري، وتسعى روسيا إلى تثبيت موقعها ضمن توازنات دولية غير مستقرة.
تفرض هذه التطورات على المغرب تنويع شراكاته وصيانة استقلال قراره. فعلاقاته مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين ودول الخليج تمنحه قنوات متعددة للتعاون، لكنها تفرض عليه إدارة دقيقة للتعارض بين مصالح شركائه. وتحتاج هذه السياسة إلى تحديد الأولويات الوطنية، وربط الاتفاقيات بنتائج قابلة للقياس، مع الاحتفاظ بهامش دبلوماسي يسمح بالتكيف مع تبدل المواقف الدولية.
الصحراء المغربية : الدبلوماسية بين المكسب والاستحقاق
شهد ملف الصحراء المغربية تطورات دبلوماسية مهمة، من بينها قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والتصويت داخل اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 15 أكتوبر 2026، الذي أيد نصا بشأن القضية بموافقة 152 دولة وفق المصدر المنشور. وتستحق هذه الوقائع قراءة دقيقة تميز بين طبيعة القرارات الأممية وآثارها القانونية والسياسية.
يعزز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي موقع الرباط التفاوضي، ويمنح دبلوماسيتها رصيدا إضافيا في علاقاتها مع القوى المؤثرة. غير أن تثبيت المكاسب يحتاج إلى مواصلة العمل السياسي، وتطوير الأقاليم الجنوبية اقتصاديا، وربط الاستثمار بالتشغيل والخدمات والبنية التحتية. فالقيمة الاستراتيجية للسيادة تقوى بقدرة الدولة على توفير شروط التنمية والاستقرار والاندماج الوطني.
الأطلسي بوابة للشراكة الإفريقية
يوفر الموقع الجغرافي للمغرب فرصة لبناء دور إقليمي يرتكز على التجارة والنقل والطاقة. ويأتي ميناء الداخلة الأطلسي ضمن المشاريع الرامية إلى تطوير الخدمات اللوجستية، وربط الأقاليم الجنوبية بالأسواق الإفريقية والدولية. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المشروع يستهدف دخول الخدمة سنة 2028، مع مناطق مخصصة للأنشطة الصناعية.
وتستهدف المبادرة الملكية لفائدة الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي ودول الساحل تعزيز الولوج إلى الموانئ والأسواق العالمية. غير أن تحويل هذه الرؤية إلى مكاسب اقتصادية يتطلب طرقا فعالة، وإجراءات جمركية منسقة، وخدمات نقل منتظمة، واستقرارا أمنيا، إلى جانب استثمارات قادرة على توليد فرص العمل.
أما مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب، فقد سجل محطة مؤسساتية مهمة بتوقيع الاتفاق الحكومي بين دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في يوليو 2026. ويستهدف المشروع ربط موارد الغاز في غرب إفريقيا بالأسواق الإقليمية والأوروبية، مع إمكان دعم التصنيع وتطوير أسواق الطاقة. وتظل جدواه مرتبطة بالتمويل، والتنسيق بين الدول المعنية، وشروط التنفيذ والتشغيل التجاري.
الاقتصاد المنتج أساس الاستقلال الاستراتيجي
تحتاج المكانة الإقليمية إلى قاعدة إنتاجية قادرة على تمويل الطموح الوطني. وقد رسخ المغرب حضوره في صناعة السيارات والطيران، وجذب استثمارات في الطاقات المتجددة ومكونات البطاريات. وتتيح هذه القطاعات فرصا لتطوير الصادرات وتوسيع قاعدة التصنيع، شريطة رفع نسبة القيمة المضافة المحلية، ودعم البحث والتطوير، وربط التكوين المهني بحاجات المقاولات.
وتظل المنافسة الصناعية الدولية اختبارا حقيقيا للسياسة الاقتصادية المغربية. فاستقطاب مصنع جديد يمثل بداية مسار يحتاج إلى موردين محليين، وكفاءات مؤهلة، وشبكات نقل وطاقة مستقرة، وبيئة أعمال تشجع الابتكار. ومن دون هذه العناصر، قد تظل بعض الاستثمارات محدودة الأثر على الاقتصاد الوطني.
وتفرض التحولات الاقتصادية أيضا الاهتمام بالأمن الغذائي والمائي، وتنويع مصادر الطاقة، وتحسين قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على دخول سلاسل الإنتاج. فتنويع الشركاء يمنح المغرب خيارات تجارية ومالية، بينما يمنح الإنتاج الوطني هذه الخيارات أساسا اقتصاديا متينا.
الجبهة الداخلية ومعنى القوة الوطنية
تتحدد قدرة المغرب على تنفيذ مشاريعه الاستراتيجية بمدى تماسك جبهته الداخلية. فالبطالة، وغلاء المعيشة، والتفاوت بين الجهات، وصعوبات الولوج إلى الصحة والتعليم، تحديات تمس الثقة العامة والقدرة على المشاركة في التنمية.
وتحتاج برامج الحماية الاجتماعية إلى تمويل مستدام، وإدارة فعالة، وتقييم دوري لنتائجها. كما يتطلب تحسين الأوضاع الاجتماعية رفع جودة الخدمات العمومية، وتوسيع فرص الشغل المنتج، وتوجيه الاستثمار نحو الجهات التي تحتاج إلى بنية اقتصادية متينة.
إن بناء النفوذ الخارجي يحتاج إلى مجتمع يشعر بجدوى السياسات العامة، وإلى مؤسسات تربط المسؤولية بالمحاسبة، وإلى إدارة تحول الاعتمادات المالية إلى خدمات وفرص اقتصادية.
من الرؤية إلى النتائج
يمتلك المغرب مقومات استراتيجية مهمة: موقعا يربط أوروبا بإفريقيا، وشراكات دولية متنوعة، واستقرارا مؤسساتيا، ومشاريع في الموانئ والطاقة والصناعة. غير أن هذه المقومات تحتاج إلى حكامة فعالة، وأولويات واضحة، وتقييم مستمر للمردودية الاقتصادية والاجتماعية.
تمنح التحولات الدولية المغرب فرصا لبناء دور إقليمي فاعل، لكنها تفرض عليه الانضباط في التخطيط والتنفيذ. فالموانئ تحتاج إلى تجارة، ومشاريع الطاقة تحتاج إلى تمويل وأسواق، والشراكات الدبلوماسية تحتاج إلى قاعدة إنتاجية تحمي المصالح الوطنية.
وتبدأ القوة الاستراتيجية من الداخل: اقتصاد قادر على الابتكار، ومجتمع يستفيد من ثمار التنمية، ومؤسسات تحسن التدبير والمساءلة. وعبر هذا الترابط يستطيع المغرب توظيف جغرافيته وشراكاته لبناء موقع إقليمي متوازن، وصيانة استقلال قراره، والمشاركة في صياغة التوازنات الدولية برؤية وطنية واضحة.
الرئيسية















