صحتنا

تحب أصدقاءك لكنك لا تملك طاقة لرؤيتهم.. ماذا يقول هذا التناقض عن علاقاتنا؟


قد نشتاق إلى أصدقائنا، ونشعر بقيمتهم في حياتنا، ونفرح برسائلهم، ومع ذلك نجد أنفسنا عاجزين عن الخروج للقائهم أو حتى الرد على دعواتهم. يبدو الأمر للوهلة الأولى متناقضاً: كيف يمكن أن نحب أشخاصاً ونرغب في الاحتفاظ بهم، بينما لا نملك الطاقة الكافية لرؤيتهم؟



لكن هذا التناقض قد يكون أكثر شيوعاً مما نتصور، ولا يعني بالضرورة أن المشاعر تغيرت. أحياناً، يكون الإنسان في حاجة إلى أصدقائه عاطفياً، لكنه في الوقت نفسه غير قادر على تحمل المزيد من التفاعل الاجتماعي.

 حين يصبح اللقاء الجميل مرهقاً

العلاقات الاجتماعية، حتى تلك التي تمنحنا السعادة، تحتاج إلى قدر من الطاقة. الاستعداد للخروج، التنقل، الحديث، الإصغاء، التفاعل، وحتى محاولة الظهور في حالة جيدة أمام الآخرين، كلها أمور قد تبدو بسيطة، لكنها تصبح مرهقة عندما يكون الإنسان مستنزفاً نفسياً أو ذهنياً.

ولهذا قد نجد أنفسنا نؤجل لقاءً نريده فعلاً، ليس لأن الشخص لم يعد مهماً، وإنما لأن قدرتنا على التفاعل في تلك اللحظة أصبحت محدودة.

 التعب الاجتماعي لا يعني فقدان الحب

هناك فرق بين أن نفقد الرغبة في شخص، وأن نفقد الطاقة اللازمة للتواصل معه.

قد نحب أصدقاءنا ونطمئن إلى وجودهم، لكننا نحتاج أحياناً إلى العزلة والصمت أكثر من حاجتنا إلى الحديث والخروج. وفي هذه الحالة، يصبح الابتعاد المؤقت وسيلة لاستعادة التوازن، وليس إعلاناً عن انتهاء العلاقة.

المشكلة تبدأ عندما نفسر هذا الاحتياج الطبيعي تفسيراً خاطئاً، فنشعر بالذنب لأننا لا نرى أصدقاءنا بالقدر الذي اعتدناه، أو نخشى أن يعتقدوا أننا لم نعد نهتم بهم.

الصداقة الحقيقية لا تقاس بعدد اللقاءات

تفرض الحياة الحديثة إيقاعاً سريعاً: العمل، الدراسة، المسؤوليات العائلية، الضغوط اليومية، والوقت الذي يمضي بين الشاشات والمهام المتراكمة. وفي ظل هذا كله، لم يعد ممكناً دائماً الحفاظ على الوتيرة الاجتماعية نفسها التي كانت متاحة في مراحل أخرى من الحياة.

وهنا تتغير طبيعة بعض الصداقات. فقد لا يلتقي صديقان لأسابيع أو أشهر، لكنهما يظلان قادرين على استعادة الألفة بمجرد أن يجتمعا من جديد.

الصداقة الناضجة لا تحتاج بالضرورة إلى حضور دائم، بقدر ما تحتاج إلى الثقة والاحترام وفهم ظروف الآخر.

عندما يصبح التواصل نفسه واجباً

أحياناً لا يكون الإرهاق ناتجاً عن الأشخاص، وإنما عن الشعور بأن علينا أن نكون متاحين دائماً.

الرد على الرسائل فوراً، قبول الدعوات، المشاركة في المناسبات، التفاعل المستمر عبر شبكات التواصل الاجتماعي... كل ذلك قد يحول العلاقات، من دون قصد، إلى سلسلة من الالتزامات الاجتماعية.

وفي هذه الحالة، يصبح من الصحي أحياناً أن نضع حدوداً بسيطة، وأن نعترف بأننا لسنا مضطرين إلى أن نكون متاحين في كل وقت حتى نثبت محبتنا للآخرين.

الحاجة إلى العزلة ليست دائماً علامة سلبية

قد تكون العزلة المؤقتة حاجة طبيعية لاستعادة الطاقة وترتيب الأفكار والابتعاد قليلاً عن الضجيج الاجتماعي. فالإنسان لا يعيش دائماً بالمستوى نفسه من الطاقة والانفتاح.

لكن من المهم الانتباه إلى الفرق بين الرغبة الطبيعية في قضاء بعض الوقت بمفردنا، وبين انسحاب اجتماعي طويل ومصحوب بفقدان الاهتمام بأشياء كانت تمنحنا المتعة.

فإذا أصبح الإنسان يتجنب الجميع باستمرار، ولم يعد يرغب في أي تواصل أو نشاط، أو أصبحت العزلة مرتبطة بضيق نفسي مستمر، فقد يكون الأمر أبعد من مجرد «تعب اجتماعي» ويستحق التوقف عنده وطلب الدعم المناسب.

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف الصداقة

في النهاية، ربما تكشف هذه المفارقة عن حاجة علاقاتنا إلى قدر أكبر من المرونة. فأن تحب أصدقاءك لا يعني أن تكون قادراً على رؤيتهم في كل وقت، وأن تحتاج إلى العزلة لا يعني أنك توقفت عن محبتهم.

أحياناً تكون أجمل الصداقات هي تلك التي تسمح لنا بأن نقول ببساطة: «أحبكم، لكنني متعب الآن»، من دون خوف من سوء الفهم.

فالعلاقة الصحية لا تقوم فقط على كثرة اللقاءات، وإنما على مساحة من التفهم تمنح كل طرف حقه في الحضور حين يستطيع، والابتعاد حين يحتاج، والعودة من دون أن يشعر بأنه مطالب بتبرير كل غياب.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 26 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic